تقوم فكرة العقلانية التواصلية عند يورغن هابرماس على تحول أساسي في فهم العقل والمعرفة. فالعقلانية لا تعني أن يمتلك فرد أو جماعة الحقيقة كاملة، ثم يفرضها على الآخرين، وإنما تعني أن تُطرح الأفكار والادعاءات للنقاش، وأن تكون قابلة للنقد والمراجعة والتصحيح من خلال الحوار.
يمكن العودة هنا إلى كانط. فقد ميّز بين ما يظهر لنا من الأشياء، أي الظواهر، وبين الأشياء في ذاتها التي لا نستطيع الوصول إليها بصورة مباشرة ونهائية. ومعنى ذلك أن معرفتنا ليست إحاطة كاملة بالواقع كما هو في ذاته. نحن نعرف العالم من خلال شروط الإدراك والفهم الإنساني، ولذلك تظل معرفتنا قابلة للمراجعة والتصحيح.
وهذه الفكرة لها أهمية كبيرة في السياسة والفكر. فحين تعتقد جماعة أنها تمتلك الحقيقة الكاملة، يصبح من السهل أن تتحول الحقيقة إلى هوية مغلقة: نحن نملك الحقيقة، والآخرون على خطأ. وقد ظهرت هذه النزعة في عدد من مشاريع الحداثة الأولى، من الماركسية في بعض تطبيقاتها السياسية كالنسخة اللينينية التى يتنبناها الحزب الشيوعى فى السودان ومثيلاته فى العالم الثالث إلى الفاشية والقوميات المتطرفة، كما ظهرت في أشكال مختلفة من الإسلام السياسي كتجربة الانقاذ التى مازالت ماثلة امامنا . فعندما تتحول فكرة أو عقيدة إلى تفسير شامل ونهائي للتاريخ والمجتمع، يصبح الاختلاف معها ليس مجرد اختلاف في الرأي، بل خروجًا على الحقيقة نفسها.
لكن أهمية الحوار لا تظهر في السياسة وحدها. حتى في العلوم الطبيعية، حيث يبدو أن الحقيقة مستقلة تمامًا عن الحوار الإنساني، لا تُقبل نتائج البحث العلمي لمجرد أن عالمًا أو فريقًا من العلماء أعلنها. فالنتائج تُعرض على المجتمع العلمي، وتخضع للنقد والمراجعة والتجربة وإعادة الاختبار، ويمكن أن تُرفض أو تُصحح أو تُطوّر. أي أن المعرفة العلمية نفسها تتقدم من خلال عملية جماعية من الحوار والنقد والتصحيح.
وهذا لا يعني أن الحقيقة العلمية مجرد اتفاق بين العلماء، وإنما يعني أن طريقنا إلى الحقيقة يمر عبر إجراءات عقلانية مشتركة تسمح باختبار الادعاءات وتصحيح الأخطاء. فالعالم لا يقول: هذه هي الحقيقة لأنني أمتلكها، بل يقدم الأدلة التي يستطيع الآخرون فحصها ونقدها.
وهنا نصل إلى التحول الذي حدث مع ما يسمى بالانقلاب اللغوي في الفلسفة، والذي كان له أثر مهم في فلسفة هابرماس. لم يعد السؤال فقط: ماذا يعرف الفرد؟ بل أصبح أيضًا: كيف يتوصل البشر إلى فهم مشترك من خلال اللغة والتواصل؟
من هنا ينتقل هابرماس من نموذج العلاقة بين الذات والموضوع إلى نموذج العلاقة بين أنا وأنت. فالعقل لا يعمل فقط عندما يتأمل الفرد العالم منفردًا، وإنما يعمل أيضًا عندما يدخل البشر في تواصل مع بعضهم بعضًا، ويعرض كل طرف حججه على الآخرين، ويكون مستعدًا لتعديل موقفه إذا ظهرت حجة أقوى.
وهذه هي الفكرة الأساسية في العقلانية التواصلية: ليست العقلانية امتلاكًا للحقيقة، وإنما استعدادًا للدخول في حوار يمكن أن يكشف الخطأ ويقود إلى فهم أفضل.
ولهذا يميز هابرماس بين الفعل الاستراتيجي والفعل التواصلي. ففي الفعل الاستراتيجي يحاول الإنسان التأثير في الآخرين وتحقيق هدفه، وقد يستخدم المال أو السلطة أو الدعاية أو التضليل. أما في الفعل التواصلي فالمقصود هو الوصول إلى تفاهم يمكن أن يقبله المشاركون في الحوار على أساس الحجج، لا على أساس القوة.
وهنا تظهر أهمية المجال العام والديمقراطية. فالديمقراطية ليست مجرد انتخابات وصناديق اقتراع، وإنما تحتاج إلى مجتمع يستطيع أفراده مناقشة القضايا العامة بحرية، وتبادل الحجج، ونقد السلطة والمعارضة معًا، والوصول إلى قرارات قابلة للمراجعة.
لكن المجال العام يمكن أن يتشوه عندما تسيطر عليه الدعاية والمال والإعلام الموجّه والأخبار الكاذبة والاستقطاب الهوياتي. وعندما يصبح الناس أسرى لهوياتهم، لا يعود السؤال: «هل حجتك صحيحة؟»، وإنما يصبح: «هل أنت معنا أم ضدنا؟». عندها يتحول الحوار من وسيلة للبحث عن الحقيقة إلى وسيلة لتأكيد الهوية.
ومن هنا يمكن فهم جانب من أزمة الديمقراطية المعاصرة. فالمشكلة ليست فقط في وجود الكذب أو التضليل، وإنما في تراجع الاستعداد لقبول فكرة أساسية: أن ما أعتقده اليوم قد يكون خاطئًا، وأن الآخر، رغم اختلافي معه، قد يمتلك حجة تستحق الاستماع إليها.
وهذه هي المسافة الأساسية بين العقلانية التواصلية وفلسفات الهوية المغلقة. الأولى تفترض أن المعرفة الإنسانية محدودة وقابلة للتصحيح، ولذلك تحتاج إلى الحوار. أما الثانية فتبدأ غالبًا من الاعتقاد بامتلاك حقيقة نهائية تستمد قوتها من الانتماء إلى جماعة أو عقيدة أو أمة أو أيديولوجيا.
لذلك فإن الديمقراطية الحديثة لا تقوم فقط على حكم الأغلبية، بل تحتاج قبل ذلك إلى ثقافة الحوار: الاعتراف بتعدد وجهات النظر، وحرية النقد، وقبول إمكانية الخطأ، والاحتكام إلى الحجة بدل القوة، وإبقاء القرارات والآراء مفتوحة للمراجعة.
وبهذا المعنى، فإن العقلانية التواصلية ليست مجرد نظرية في اللغة أو الفلسفة السياسية، وإنما محاولة للإجابة عن سؤال أعمق: كيف يمكن للبشر أن يعيشوا معًا رغم أنهم لا يمتلكون الحقيقة بصورة كاملة؟
والجواب عند هابرماس هو: ليس بإلغاء الاختلاف، ولا بفرض حقيقة واحدة على الجميع، وإنما ببناء فضاء يستطيع فيه المختلفون أن يتحدثوا معًا، وأن يقدموا حججهم، وأن ينتقد بعضهم بعضًا، وأن يظلوا مستعدين لتغيير مواقفهم عندما يظهر ما هو أكثر عقلانية.
فالاعتراف بحدود معرفتنا ليس ضعفًا في العقل، بل هو أحد شروط عقلانيته. والحوار ليس بديلًا عن الحقيقة، وإنما هو أحد أهم الطرق التي نختبر بها ادعاءاتنا بشأنها.
طلعت محمد الطيب
talaat1706@gmail.com
