لقد بان بصورة سافرة الان ان العلمانيين في منطقتنا العربية والاسلامية (وبخاصة اعدا الاتجاه الاسلامي وان جاء مبرئا من كل عيب) مصممون على ان لا يعطوا الإسلاميين، الذين تحملهم صناديق الانتخابات الى السلطة، فرصة للحكم وان اقتضى ذلك هدم النظام الديمقراطي برمته.
فَعَلَ العلمانيون ذلك في مصر حين اطاحوا بحكومة الرئيس المنتخب مرسي. إذ بادروا من اول يوم تولى فيه مرسي الحكم بشن هجوم اعلامي كثيف وظالم على شخص الرجل وسياساته ثم ثنّوا ذلك بالتظاهر المستمر ومهاجمة مقرات حزب الاخوان في عموم مصر. تظاهرات وتهجمات وسخرية وشيطنة لم يكن لها ادنى مسوّغ في سجل اعمال حكومة الإخوان ولا في شخص الرئيس مرسي– الذي لم يتركوه يُكمل ولا حتى عامه الاول في الحكم اصلاً– بل كانت تآمراً جلياً من قبل العلمانيين المصريين الذين اصيبوا بجنون البقر حين أخّرهم الشعب المصري وقدّم الإسلاميين في الانتخابات التي انعقدت بعد سقوط مبارك.
وبالامس تتبّع الرئيس التونسي، قيس سعيد، خطوات السيسي فانقلب على النظام الديمقراطي في بلاده بعد ان تأكّد له ان العلمانيين التوانسة على اتمِّ الاستعداد للقبول بهدم النظام الديمقراطي في تونس كثمن لابعاد الاسلاميين من الحكم، ذلك الهدف الذي اعياهم ان ينجزوه عن طريق صندوق الاقتراع. حدث هذا رغم ان حزب النهضة الاسلامي التونسي، الحائز على اكبر كتلة برلمانية في كل الانتخابات التي اجريت منذ سقوط بن علي، كان قد ابدى حرصاً على انجاح التجربة الديمقراطية التونسية نال ثناء الجميع بما فيهم الاوربيون (رغم كيد الغربيين عموماً وتآمرهم الخبيث والمستتر ضد اي تحوّل ديمقراطي في شمال افريقيا). لقد ابدى حزب النهضة مرونة كبيرة، وقدم تضحيات وتنازلات هائلة حدت بالمتشددين من التيار الاسلامي الى تكفيير وتفسيق وتخوين زعيمه الشيخ راشد الغنوشي واتهامه ببيع وتمييع قضية الاسلام. وكان من بين تلك التضحيات التي قدمها حزب النهضة تنازله عن تولي شخص من الحزب رئاسةَ الوزارة وقبوله بان تتولاها شخصية مستقلة رغم انه الحزب صاحب الكتلة البرلمانية الاكبر، ورغم ان تقاليد وادبيات الديمقراطية البرلمانية تقضي بانّ رئيس الحزب صاحب الاغلبية هو الذي يُكلّف بتشكيل الحكومة! الى جانب تنازلات ومساومات كثيرة اخرى قدّمها حزب النهضة. فهل شفع ذلك للغنوشي وجماعته لدى قبيلة بني علْمان في تونس؟ كلا لم يشفع له ذلك عند العلمانيين الذين يبدو انهم لا يتصورون مكاناً للإسلاميين غير غيابات السجون واعواد المشانق.
ولولا خشية الاطالة لحدثتُك عن فعائل علمانيي تركيا ومحنهم ضد اردغان وحزبه في تركيا.
لن تقوم للديمقراطية قائمة في منطقتنا الا اذا ترك العلمانيون عندنا هذه المن…كة التي يُبدونها كلما اعتلى الاسلاميون سُدّة الحكم بطريق ديمقراطي، وإلا اذا رضوا بحكم صندوق الانتخاب، فإن خسروا في الانتخابات نظروا بعمق لماذا تأخروا وتقدّم غيرهم، وعملوا على تدارك العلل في برنامجهم الانتخابي واستعدوا لتغيير النتيجة في الانتخابات التالية. فإن ابى العلمانيون هذه الخطة العادلة فليس لهم ان يلوموا الا انفسهم اذا لجأ الاسلاميون الى طرق اخرى غير ديمقراطية للوصول لسُدّة الحكم، أو– وهذا اكبر– اذا تمرد الاسلاميون على الدولة ورفعوا في وجهها السيف مُدخلين بلادهم في دوامة عنف واحتراب اهلي تقضي على الاخضر واليابس.
سيدي القاريء:
ارجو ان لا تُسيء فهم كلامي اعلاه فتظن انني ارى ان الاسلاميين اذا كانوا في السلطة لم يفعلوا الا الصواب وساروا في الناس بسيرة النبي وخلفائه الكرام، كلا ليس هذا ما اردت، فمن الاسلاميين من هو كارثة على بلده وعلى الاسلام، مثل جماعة حكومة الانقاذ الذين حكموا باسم الاسلام في بلادنا ففضحوا الاسلام وفضحوا انفسهم. أنا فقط اردت ان اقول ان تغيير الحكومات في الديمقراطيات يجب ان يتم بوسائل ديمقراطية ليس إلا.
mikashfi@outlook.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم