المؤسسة الفقهية في السودان تصدر فتوى تبيح فيها للتجار أن يتحصلوا من الأرباح، ما يفوق ثمن البضائع ضعفين، أي أن تماثل أسعار العرض ثلاثة أضعاف تكلفة المعروض، ضعف للتكلفة، وضعفين للربح.. فكم للفقهاء.. يا تُرى.
الدافع والمبرر لهذه الفتوى الفادحة، شئ منطقي للمفارقة، وهو أن النقود أصبحت لا تحفظ قيمتها بما يضمن مصالح التجار، اذا ما فرضوا أرباحا متواضعة على معروضاتهم.
لكن ما لم يدر بخَلدِ هؤلاء الفقهاء كعادتهم، أن المتضرر الأول من فقدان النقود لقيمتها، ليس هم التجار في المقام الأول، بل هم العمال الكادحون الذين يتصبب عرقهم ودماؤهم لإنتاج تلك المعروضات ونقلها، ويتقاضون مقابل ذلك الجهد المضني أجورا متناهية في الضآلة، تخضع بدورها لفقدان قيمتها، مما يعرض هؤلاء العمال ليس للخسارة التي انكسر بسببها قلب الفقهاء على التجار، إنما للجوع والفناء، ونقص في الأنفس والثمرات من جراء ذلك كله.. أوليسوا هم الأولى في أن ينالهم نصيب من ذلك التضاعف المقدّس.
المتضرر الثاني ليس هو التجار الذين يسعى فضيلة العلماء لحمايتهم، إنما هم صغار المودعين والمعاشيين الذين يجتهد ممثلوا هيئة العلماء دوما في حث المصارف على التقتير عليهم، وعدم تعويضهم عن الخسائر الناجمة عن تدهور العملة، بحجة أن أي تعويضات على تآكل مدخراتهم ستعرضهم لطائلة الربا، ومن شأن ذلك أن يحرمهم الجنة التي يحرص الفقهاء دائما ألا يعدم المعدمون مبررات دخولها..
الفقهاء لا يفتون لصالح هذه القطاعات الضعيفة المأزومة، إنما ينصب القدر الأكبر من فتاويهم على ما يضمن مصالح الذكور، التجار والحُكّام وأثرياء المدينة وعتاتها.
لذلك فإن “الفقهاء أعداء الصيادين” بلا منازع، لأن الراحل الصادق النيهوم قد قال أنهم كانوا يحرّمون على الصيادين الفقراء في سوسة، صيد الفكرونات وبيعها لإيطالية عجوز تدير مطعما هناك، باعتبار أنها حوريات مسحورة.
لأنهم لا يشرعون لضمان مصالح الضعفاء والملهوفين، فهم دائما غير معنيين بمظالم المرأة، ولا الأطفال ولا فقراء المدينة.. حدث مرةً أن دعيت عليهم باللعنة، ففارقني صديقٌ لي فراقا بينا لا رجعة فيه. واعتبرني مسحورا كالفكرونات في سوسة، وأني خليل للوساوس والشياطين.. فقط لأنني لم أفلح أن آتيه من الموطأ بما يثبت بلا جدال أنهم أي الفقهاء قد قالوا أن الفكرونات ليست سوى حورياتٍ مسحورة.
“الفقهاء أعداء الصيادين”
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم