القاتل الخفيّ لماذا فشلت الثورات ونجحت الانقلابات؟ .. بقلم: مـحمد أحـمد الجـاك

أسئلة تتردد أكثر من مرّة في وعي الشعوب السطحي أو في وعيها الباطن: لماذا تقدّم الآخرون وبقينا نحن في ذيل الأمم؟ لماذا لا تنجح الثورات ولماذا تفشل الإصلاحات ولماذا لا يُزهر غير الانقلاب والاستبداد في بلاد العرب؟
كانت هذه الأسئلة وكثيرة أخرى متفرعة عنها الشغلَ الشاغل لأجيال من الباحثين والدارسين والمصلحين لفهم سبب الانحطاط الذي وصلت إليه الأمة وشعوبها منذ عقود طويلة. تباينت الأجوبة والأطروحات واختلفت القراءات والمقاربات ومشاريع التحرر من الإسلامي إلى القومي إلى اليساري إلى اللبرالي إلى غيرها من المشاريع والرؤى والتصورات. لكنّ القاسم المشترك بينها أنها ركّزت على الجوانب الموضوعية المتعلقة بالمجتمع والاقتصاد والسياسة في الداخل أو الجوانب الخارجية المتعلقة بالتدخلات الأجنبية في البلاد العربية.
لقد أتاح سياقُ الثورات وما أعقبها من ردّة انقلابية استهدفت تصفيتها دورةً تاريخية مكتملة لطور من أطوار التغيير الاجتماعي والسياسي الفاشل. أي أنّ السنوات العشر من عمر الربيع العربي تمثل حقبة تاريخية صغرى قابلة للتفكيك والقراءة عساها تجيب عن السؤال المركزي في سبب تخلف الأمة.
صحيح أن هذا الاستفهام يمثل جزءا من الإجابة فقط لأنه يستبطن الاعتراف بفشل الثورات في حين ترى مقاربات كثيرة أن الإقرار بالفشل مقولة نسبية إذ تقتصر على الإقرار بعجز الحراك الشعبي عن تحقيق مطالب الجماهير في المدى القريب. في حين أن قراءة التغيرات الاجتماعية على المدييْن المتوسط والبعيد وما أحدثته من رجّة عميقة في بنيان النظام الرسمي العربي تُقرّ بأنّ التحركات المجتمعيّة لا يمكنها أن تحقق النجاح المطلق إلا عبر موجات متعاقبة تراكم خلالها الشعوب الوعي بأسباب الفشل لكي تتجاوزها ما دامت شروط الثورة قائمة.
قراءات أخرى ترى أن الثورات قد أُفشلت بتحالف الداخل والخارج أمام جماهير ونخب تفتقد للخبرة اللازمة لإنجاح مساراتها نحو التحرر والانعتاق. كما أنّ انعدام الوعي بشراسة النظام الرسمية وتشعباتها العميقة في مفاصل الدولة وأجهزتها ساهم بقوّة في تخبط القائمين على المسارات الانتقالية وسرّع من وتيرة الانقلابات.
فشلت الثورات إذن في تحقيق مطلب الحرية على المدى القصير لكنها نجحت في تحقيق رصيد ضخم من الوعي الجمعي بتفاصيل مكونات المشهد العربي وبطريقة اشتغال الفواعل داخله. هذا الوعي الجديد هو أعظم نجاحات الثورات وهو الذي سيكون محور التحركات القادمة ومحركها الأساسي لأن عمر الاستبداد الحقيقي والافتراضي لا يمكن أن يطول فشروط الانفجار لا تزال قائمة بل لقد ازدادت حدّة.
ما تطرحه هذه المقاربة القصيرة هو قراءة فاعل ذاتي لا يتعلق بأسباب الفشل الموضوعية اجتماعية كانت أم سياسية أم اقتصادية بل يتمحور حول الإنسان العربي نفسه في بنيته السلوكية وفي ردود أفعاله. يتأسس هذا الموقف على جرد ذاتي لمواقف النخب والجماهير خلال الثورات وبعدها وخاصة في ذروة الفعل الانقلابي سواء في السودان مصر أو في سوريا أو ليبيا أو تونس.
ظهرت داخل المجتمعات انقسامات حادّة تتجاوز الانقسامات الأيديولوجية أو الفكرية أو السياسية إلى مواقف ذاتية تتعلق بالسلوك والأخلاق وقواعد العيش المشترك في بيئة مسلمة محافظة أو متحررة. لقد كانت مذابح سوريا ومجازر مصر وليبيا والسودان درسا في توحش الانقلاب وتغوّل النظام العربي لكنها من ناحية أخرى أبانت عن سلوكات فردية عربية صادمة.
لا يقتصر الأمر هنا على التقاتل الأهلي لأسباب طائفية كما حدث في سوريا ولكن المثال السوداني والمصري خاصة يكشفان عن الخلل الكبير في بنية الشخصية وسلوكها. كيف يمكن أن نفهم طبيعة المجازر التي حدثت هناك في بيئة اجتماعية موحّدة عقائديا وطبقيا ؟ لماذا هذا التشفي في الآخر المختلف والدعوة إلى إبادته وتحليل قتله وحتى حرقه ؟ من أين خرجت هذه السلوكات المرضيّة والأحقاد الفردية ونزعات الانتقام الدموي والفرح بإبادة الأخ والجار والصديق؟
في السودان إن مررت سريعا على منابر إعلامية أو لصفحات التواصل الاجتماعي تكتشف بجلاء لا غبار عليه أن الشخصية السودانية بالأخص تعاني من مرض قاتل ومن انحراف سلوكي لا يمكن أن يصدر عن شخصية مسلمة سويّة. إن انتشار خطاب الكراهية والعنف والدعوة إلى الانتقام والقتل لمجرد الاختلاف في الرأي أو في التصوّر إنما هو أمر مؤذن بنتائج خطيرة على المستويين القريب والبعيد.
لنأخذ مثلا الإخوان المسلمين وعقب الاطاحة بنظامهم في السودان شهد خطابهم واقوالهم حملات شيطنة متوحشة ضد الثورة والثوار خاصة خلال المرحلة الانتقالية وزاد الخطاب وتوحش بصورة واضحة بعد انقلاب البرهان والاطاحة بقحت والشق المدني (الند اللدود للاسلاميين) وبعودة الدولة العميقة تدريجيا للواجهة مرة أخرى، من جهة أولى قد يُفهم ذلك في سياق الخطاب الانقلابي الرسمي الذي يتأسس على شيطنة الخصوم إعلاميا لتبرير الانتقام منهم لكن كيف يُفهم انسياق كمّ جماهيري كبير وراء هذه الدعوات التي تطورت في الحالة الليبية إلى ما يشبه الحرب الأهلية بين شرق البلاد وغربها؟ وكيف يفهم كذلك الأمر بارتفاع درجة الاحتقان بين أبناء الشرق وبقية المكونات الشمالية في السودان مما يجعل نذر الحرب الاهلية غاب قوسين أو ادني .
في السودان اقله لا توجد مبررات طائفية أو جهوية أو عقائدية أو عرقية كافية تبرر هذا الانقسام والنزوع نحو القتل والانتقام بعد ثورة أطاحت بنظام استبدادي كما في الحالة الليبية . لم السودان طوال تاريخه هذا المنسوب الخطير من الأحقاد الاجتماعية والنزعات الانتقامية في المجتمع..!!
بعد انقلاب البرهان في 25اكتوبر وما أحدثه من انقسام حادّ بين الداعمين للانقلاب والمعارضين له. كشف الانقلاب عن حجم الخلل الأخلاقي في الشخصية القاعدية حيث غرقت مواقع التواصل الاجتماعي والمنابر الإعلامية في الثلب والتشويه والتحريض على الانتقام من الخصوم والشماتة في الآخر المختلف.
لا تقتصر خطورة هذه الظواهر المرضية على كونها تمثّل أحد أهم أسباب فشل الثورات بل إنها قادرة على فتح البلاد على الحرب الأهلية مثلما حدث في تجارب أخرى كثيرة. تعاني مجتمعاتنا العربية من أمراض أخلاقية وسلوكية خطيرة تؤثر على أدائها الاجتماعي والسياسي الفكري وهو خلل عضوي في بنية هذه الشخصية الفقيرة أخلاقيا وقيميا.
من بين الأولويات اليوم هو الترميم الأخلاقي للإنسان الذي شوّهته تراكمات عقود من الاستبداد وحكم الفرد الواحد المتسلط بشكل أقصى كل إمكانية للتعايش السلمي وقبول الآخر بما هو شرط من شروط البناء الحضاري. دون ترميم الشخصية القاعدية سلوكا وأداء وقيما فإن كل الثورات والتغيرات سيكون مصيرها الفشل لأن مدار التغيير وشرط نجاحه هو الإنسان فالأممُ الأخلاق أولا والأخلاق أخيرا.
أنت جزءٌ من المشكلة… فكن جزءا من الحل .. بعض الناس يقول إذا فسدتُ أنا فماذا يضر الأمة؟ أو يتناولونه بصيغة أخرى فيقول: ما أنا إلا فرد فكيف تؤثر جهودي في حل أزمات الأمة؟ ذلك هو حال المرء حين يتجاهل حقيقة علاقته بالمجتمع، ويسقط من حساباته حقيقة التأثير المتبادل بينه وبين الوسط المحيط، فتراه دائما يردد ذلك السؤال الساذج. أصحاب هذه النظرة عندما يفكرون في أحوال الأمة وأزماتها، لا ينظرون إلى أنفسهم باعتبارهم جزءاً من هذه الأمة، أو على نحو أكثر دقة: لا ينظرون إلى أنفسهم باعتبارهم جزءاً من الأزمات والمشكلات.
هؤلاء التعساء يحسنون لعن الظلام، وإعطاء وصف تفصيلي لسوء الأحوال، لا يكترثون للقمامة التي تخرج من بيوتهم، بينما يتأففون لمرأى الذباب الذي يقع عليها. جلّ اهتمامهم ينصب على انتظار حكومات صالحة تغير أحوال الناس، مع أن الحكومات الفاسدة إنما هي نتاج لاجتماع أفراد فاسدين، وجدوا في اجتماعهم هذا مناخاً مناسباً ينشطون فيه، هم من التربة نفسها، فمتى ندرك أننا جزء من هذا الخراب الكبير؟
لقد غدا الإعراض عن الأفراد داء عاماً من آفات المدنية التي اعتمدت بشكل كلي على المؤسسات والهيئات، وأهملت العناية بالأفراد، فهؤلاء شبههم أحد رجال الحكمة بمن يجمع أخشاباً نخرة متآكلة ليعملوا منها سفينة تحمل جماعة كبيرة وبضائع ثمينة. هذا المنطق العام اصطبغ به الفرد في أمتنا، فانفصل بسلوكه عنها، واستهان بحسنته وسيئته، ورأى أن كلتاهما لن تؤثر في الأمة بحال، فيقع بذلك في حفرة الاحتقار الذاتي، ذلك الاعتقاد هو المؤثر الأول والأقوى في السلوك الإنساني، الذي يقول عنه العالم الألماني جوته: (أشد الأضرار التي يمكن أن تصيب الإنسان هو ظنه السيئ بنفسه).
إنما تُبنى الأمم بجهد الأفراد، فقط إذا ما استشعروا المسؤولية، ووظفوا طاقاتهم وإمكاناتهم منطلقين بدافع ذاتي صنعته منظومة القيم التي يعيشون بها، فهم كما قال ستيفن كوفي: «لا يلقون باللوم على الملابسات أو الظروف أو التكيف لتبرير سلوكهم، إن سلوكهم هو نتاج خيارهم الواعي، المرتكز على القيم». إنها دعوة لكل فرد، لأن يترك التعويل على الحكومات في التغيير، ويعمل على بناء نفسه ويستشعر المسؤولية تجاه مجتمعه وأمته، مبتعدا عن آثار القنوط واليأس التي رانت على الأمة، حتى يكون جزءاً من حل مشكلاتها.

mido34067@gmail.com
////////////////////////

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

البرهان كطاغية يتشوَّق للطغيان!! .. بقلم: عبدالله مكاوي

abdullahaliabdullah1424@gmail.com بسم الله الرحمن الرحيم يبدو ان البرهان ككل طاغية مستبد، يطابق بين بقاءه في …

اترك تعليقاً