القلم ليهو دافع: الأسرة الافتراضية وندامة الكسعي بقلم: م. محمد يوسف العركي/باحث في استرايجيات المعرفة
14 مارس, 2018
المزيد من المقالات, منبر الرأي
48 زيارة
بسم الله الرحمن الرحيم
سلسلة مقالات في رفع الوعي الاستراتيجي
الكسعي هو رجل يضرب به المثل في الندامة فيقال ” ندمت ندامة الكسعي ” ، اسمه محارب بن قيس. كان يرعى إبلاً له بواد وأبصر غصنا في صخرة فقال ينبغي أن يكون هذا الغصن قوسا ليس له مثيل، فتعهده برعايته وصنع منه القوس . ورأى ضباء ذات مساءٍ فرماها بسهم منه واخترقها وأحدث شررا في الجبل فظن أنه فشل في رميه ، ثم مر به قطيع آخر ورماه ونفذ السهم منه إلى الجبل أيضا وظن أنه فشل مرة أخرى وحاول مرة ثالثة وحدث له ما حدث في السابق ، وغضب وأخذ قوسه وكسرها . ولما أصبح وجد ثلاثة من الضباء مطروحة وأسهمه مضرجة بدمائها فندم على كسره للقوس وأنشأ يقول :
ندمت ندامة لو أن نفسي .. تطاوعني إذا لقطعت خمسي
تبين لي سفاه الرأي مني .. لعمر أبيك حين كسرت قوسي
واستشهد به الشاعر المعروف الفرزدق حين طلق زوجته نوار فقال:
نَدِمْتُ نَدَامَةَ الكُسَعِـيّ لما غدت مِنّي مُطَلَّقَـةً نَـوَارُ
وَكَانَتْ جَنّتي، فَخَرَجْتُ منها كآدم حِينَ لَجّ بِهِ الضِّـرَارُ
وَكُنْتُ كفاقئ عَيْنَيْهِ عمدا فأصبح مَا يُضِيءُ لَهُ النّهَارُ
وَلا يُوفي بحبِّ نَوَارَ عِنْدِي،وَلا كَلَفي بهَـا إلاّ انْتِحَـارُ
وَلَوْ رَضِيتْ يَدايَ بهَا وقرت لكان لهَا عَلى القَدَرِ الخِيَارُ
وَمَا فَارَقْتُهَا شِبَعاً، ولكن رأيت الدّهْرَ يَأخُذُ مَا يُعَـارُ
طيب وحكينا القصة دي ليه؟!
المتابع للأخبار في الفترة الأخيرة يجد بعض الممارسات بدأت في التفشي ولربما هي في سلم الصعود لتكون ظاهرة ، فما مقطع الفيديو الأخير لبعض الصبية والشباب على أحد شواطيء الخرطوم الا مظهراً لتجلي انعكاسات تتجه رويداً رويداً لفرض واقع يجب على المجتمع ان يتعامل معه وان لم يحسن التعامل معه فلربما نصل لمرحلة ان يتعايش معه، ونفس الأمر ينطبق على اولائك النفر الذين يشهدون شروق الشمس بل إمتد الأمر لذبح القرابين كما يفعل عبدة الشمس . هذا الذي اتحدث عنه اشارات له الأخبار وهو ليس في بنسلفينيا او ناغورنوكراباخ او نوفوسيبريسك بل هنا في الخرطوم التي بها ما يصل لعدد ستة ألف مسجد؟!.
فهذا الذي يحدث ليس مرضاً بل هو عرض لمرض وهناك أجزاء مهمة في القضية وهي أس المشكلة الا وهي الأسرة. فهذا الصبي او الشاب او الشابة ما وصل الى وصل اليه لولا غياب المفهوم التربوي داخل البيت فالأب مشغول بعمله واستثماراته وصفقاته والأم مشغولة بدوائر المجتمع الذي يحيط بها والمتماهي بالموضة والسهرات واماكن التجميل، وتفرقت السبل بلأبناء حيث ان التحليل الاولي للخبر يوضح ان الذين تم القبض عليهم من أبناء الطبقات الميسورة فأبناء الفقراء كل يوم يشهدون شروق الشمس وغروبها ولم يجدوا ان في الأمر عجب.
ويبرز كذلك التحدي المهم وهو توفر وسائل الترفيه الرقمي ذات البعدين الايجابي والسلبي فانشغل الناس بمواقع التواصل الاجتماعي وصاروا يعكفون عليها بالساعات الطوال فظهر مفهوم الاسرة الافتراضية، اذ اضحى غاية الأمر عند بعضهم ان تطمئن على ابنك أو بنتك من خلال رسالة واتس اب !.
غياب الدور الفعلي للوالدين والمتمثل في الجلسة الاسرة هو الذي دفع بهؤلاء الشباب الى هذه المهاوي التي يقف من وراءها شياطين الأنس قبل شياطين الجن .ثم إن المرء ليعجب كيف ينام الأب أو الأم دون أن يطمئن على أبناءه وقد أخذوا مخادهم وهذا من أوجب واجبات الأبوة.
قبل القانون سادتي الأمر يحتاج الى دراسة اجتماعية تحليلة ، فالمساجد مهما قدمت من خطب ومواعظ يظل الدور الرئيس داخل البيت حيث الأب القدوة والأم القدوة والجلسة الأسرية وتناول الوجبات سوياً والخروج معاً للبرامج الترفيهية والاجتماعية وكذلك معرفة اسر اصدقاء ابناءهم ليسهل معالجة أي طاريء أو ملاحظة قد تتطور اذا تركت دون معالجة.
والمسئولية في المقام الأول هي مسئولية أمام الله فبالله عليكم هل تغني أموال الدنيا عن أب يجد ابنته مدمنة على المخدرات ؟! وهل تغني المحافل وجلسات البريستيج لأم وجد ابنها يذبح القرابين للشمس ؟! وكلنا يحفظ الحديث النبوي الذي رواه عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم (أَلَا كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَالْأَمِيرُ الَّذِي عَلَى النَّاسِ رَاعٍ، وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ، وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُمْ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى بَيْتِ بَعْلِهَا وَوَلَدِهِ، وَهِيَ مَسْئُولَةٌ عَنْهُمْ، وَالْعَبْدُ رَاعٍ عَلَى مَالِ سَيِّدِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُ، أَلَا فَكُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ) متفق عليه).
وكذلك هناك دور مهم للمنظمات والاتحادات المعنية بالشباب يتمثل في طرح البرامج والمبادرات ذات الأثر الايجابي للشباب وللمجتمع ،وأيضاً للدولة دور في توفير البيئة والأماكن الجاذبة لممارسة النشاط الرياضي والثقافي لتفريغ هذه الطاقات الجبارة حتى لا تتحول الى مهدد حيث ان الطبيعة لا تقبل الفراغ وكذلك تطبيق القانون واقامة العدل.
وكذلك لابد هنا من رسالة مهمة للدعاة فأقول لهم إن الخطاب التجريمي لا يخلق مجتمعاً معافى فكونوا دعاةً هداكم الله ولا تكونوا قضاةً، سددوا وقاربوا وتخيروا المداخل النفسية الطيبة لاصلاح المجتمع وابتكروا أساليب دعوية جاذبة وانزلوا الى الشباب في أماكنهم فرسالة الداعية والمصلح داخل المسجد وخارجه.
وكذلك لابد أن يستشعر الشباب والناشئة ان لهم دور مهم في الحياة دور كله حق وخير وجمال والنماذج المشرقة كثيرة لله الحمد ودونكم المنظمات الشبابية الفاعلة في المجتمع.
وحتى لا نندم ندامة الكسعي الذي كسر قوسه بعد أن تعب في صنعه وكان قصير النظر وحتى لا تترب ايدي البعض كما الفرزدق الذي طلق نوار، فيا أيها الآباء ويا ايتها الأمهات لا تناموا قبل ان تطمئنوا على فلذات أكبادكم ولتكونوا أول من يستيقظ كذلك كونوا قدوتهم واصحبوهم معكم لبيوت الله فمنها يستمد النور لبقية اليوم وكل العمر.
E mail:alaraki74@gmail.com