القلم وحده لا يزيل البلم: لماذا تربط التربية بالتعليم فقط؟

د. السر أحمد سليمان
أستاذ علم النفس التربوي بجامعة حائل
المملكة العربية السعودية

يتعامل الناس مع التربية باعتبارها الناتج المباشر للتعليم، ولذا ارتبطت التربية مع التعليم على مستوى الوزارات، فهناك وزارة التربية والتعليم، وإن غاب المسمى التربوي عن وزارات وإدارات التعليم فإنّ الوظيفة باقية. فالتربية محمولة على وزارة التعليم رضيت بذلك أم لم ترضى!!
ويكاد يتفق الجميع على أنّ التربية تتمثل في النواتج المرغوبة اجتماعيا، والتي تتضح من خلال الممارسة السلوكية الإيجابية المباشرة في حياة الناس. ولذا عندما يرون أحد الأشخاص يحمل شهادات تعليمية متقدمة، ولكنه لا يحسن التعامل وفق المعايير المجتمعية المرغوبة يطلقون عليه العبارة الشعبية المشهورة (القلم ما بزيل بلم). وذلك على سبيل السخرية!! أي أنّ ما ناله الشخص من تعليم نظامي في وزارة التعليم عن طريق الكتابة والقراءة لم يزل ما به من قبح في التعامل، ولم يجعل سلوكه جميلا، ولم يحسن من تعامله مع الآخرين.
ومعنى (البلم) في اللغة يشير إلى الورم الذي قد يصيب الشفاه، والذي يُقبِّح منظر الوجه ويجعل الشفاه مشوهة في شكلها، وصامتة في وظيفتها فلا يستطيع الفرد النطق، قال ابن فارس: “َبْلَمَ الرَّجُلُ إِذَا وَرِمَتْ شَفَتَاهُ، وَرَأَيْتُ شَفَتَيْهِ مُبْلَمَتَيْنِ. وَالْإِبْلَامُ أَيْضًا: السُّكُوتُ، يُقَالُ أَبْلَمَ إِذَا سَكَتَ”. ومما يدل على أنّ البلم يعني القبح ما قاله أبو عبيد: “وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ لَا تُبَلِّمْ عَلَيْهِ أَيْ لَا تُقَبِّحْ””.
ولذا فإنّ عبارة (القلم ما بزيل بلم) تدل على أنّ التعليم بالقراءة والكتابة، وخاصة التعليم النظامي قد لا يزيل القبح السلوكي، ولا يعدل سوء التعامل الخلقي الذي يبديه بعض المتعلمين في ممارساتهم الحياتية.
وإذا كان هذا المثل ينفي بطريقة ساخرة دور التعليم بالقلم في إكساب التربية!!! فمن أين إذن نكتسب التربية؟؟؟ وما الطرق والجهات والوزارات التي ينبغي أن ترتبط بالتربية؟
ومن خلال البحث عن الإجابة على هذه التساؤلات يتضح أنّ التربية هي الناتج المثالي المرغوب وفق المعايير المجتمعية، بمعنى أنّه يمكن أن تكون هناك تربية أو لا تكون، وبناء على ذلك ووفقا للمعايير الاجتماعية المرغوبة نقول لمن نراه مهذبا هذا متربي، ونقول لمن نراه أمينا هذا متربي، ونقول لمن نراه نظيفا هذا متربي. وهكذا الخ. وعلى العكس نقول لكل من لا يتوافق في سلوكه مع المعايير الاجتماعية المرغوبة هذا غير متربي!!!!
ولو نظرنا لهذه النواتج المرغوبة نجدها ترتبط بمجالات أخرى، فالنظافة ترتبط بالصحة، والأخلاق ترتبط بالأسرة والنظام الاجتماعي، والتعامل الإيجابي مع البيئة يرتبط بالزراعة والبيئة، والرفق بالحيوانات يرتبط بالبيطرة، والالتزام الديني الشعائري يرتبط بالدعوة والإرشاد، والوعي العام يرتبط بالإعلام، وعدم التبذير والتقليل من الإسراف يرتبط بالاقتصاد، واحترام الوقت والمواعيد يرتبط بالإدارة والنظام العام، واحترام القوانين يرتبط بالأمن والقضاء، والدفاع والحذر يرتبط بالجوانب الشرطية والعسكرية، وهكذا.
وإذا كانت التربية تعني الناتج الإيجابي المرغوب مجتمعيا بصورة دائمة، فإنّ التعليم قد لا يؤدي لذلك الناتج المرغوب وحده، وإنّما قد يؤدي لنواتج أخرى غير مرغوبة اجتماعيا (يعني بلم)، وذلك لأنّ التعليم هو طريقة، وتلك الطريقة قد يتم توظيفها لإعطاء مخرجات ونواتج قد لا تكون بالضرورة متسقة مع التربية المنشودة. وقد يوظف البعض طرق التعليم لتحقيق نواتج غير مرغوبة، ومخالفة لمعايير المجتمع، فعن طريق التعليم قد يتم تعلم الجريمة، وعن طريق التعليم يمكن تعلم الفساد، وعن طريق التعليم يمكن تعلم السحر كما ورد في القرآن الكريم: {وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ} (البقرة: 102).
ولذا وبما أنّ التعليم ليس وحده الطريق المؤدي للتربية في المجالات المختلفة، وأنّ التعليم قد يؤدي لنواتج (غير تربوية) أي غير مرغوب فيها، فإنّه من الضروري أن يتم ما يلي:
1- ربط التربية بالوزارات والإدارات والمؤسسات المختلفة ووضع تشريعات لإلزام تلك الجهات للقيام بدورها التربوي المنشود: فتكون هناك مسؤوليات تربوية في كل الوزارات حتى يمكن تسميتها كما يلي: التربية والرعاية الاجتماعية، التربية والإعلام، التربية والقضاء، التربية والصحة، التربية والزراعة والبيئة، التربية والاقتصاد والشؤون المالية، التربية والأمن والدفاع، والتربية والتعليم، وهكذا.
2- توفير الدعم المالي واللوجستي لوزارة التعليم للقيام بدورها في تحقيق التربية، والسماح لها بالتكامل مع الوزارات الأخرى لتنفيذ المهام التربوية.
3- إعداد الأسر للقيام بالدور التربوي المنشود، وهذا يعني إرشاد المتقدمين على الزواج وإعدادهم إعدادا يؤهلهم للقيام بالمهام التربوية بصورة فعالة.
4- نشر الوعي المجتمعي للقيام بالمهام التربوية في كل جوانب الحياة. وذلك من خلال إلزام المؤسسات المجتمعية النظامية وغير النظامية بتحقيق الدور التربوي المنشود، وذلك من خلال دور العبادة، والأندية، وأماكن الترفيه، وغيره.
5- وضع التشريعات الملزمة لقيام كل من أفراد المجتمع بدوره التربوي.

sirkatm@hotmail.com

عن د. السر أحمد سليمان

شاهد أيضاً

الصيام مفتاح لمشاهدة الآيات واكتشاف كفاءة الذات

د. السر أحمد سليمان ارتبطت عبادة الصيام في الإسلام بشهر رمضان؛ قال الله عزّ وجلّ: …