محمد صالح عبدالله يس
ليست كتابة السير والأخبار ضربا من ضروب التأريخ فحسب وإنما هي ضرب من الوفاء وميثاق تعقده الذاكرة مع الزمن حتى لا تنمحي وجوه الذين أضاءوا دروبه ولا تنطفئ آثار الذين مروا به كالغيث فأخصبوا الأرض ثم مضوا فالسيرة ليست حديثا عن إنسان غاب وإنما هي حديث عن ملامح زمن وضيئ شديد النداوة والاخضرار نحاول ان ندخل الي احدي شرفات التاريخ الباذخة والعامرة والمعطونة بعسل ورحيق ذلك الزمن ونقترب من كرسي امروءِ ملأ مقعده بجسارة واقتدار حتي امسي امثولة لاجيال صعدت عبر سلمه فارتقت الي اعلي درجاته إنها بعث لما حسبناه قد انقضى واستنطاق لصمت الأمكنة واستعادة لعبير الأيام التي رحلت بأجساد أصحابها لكنها أبقت في الأرجاء شذاهم وعطرهم وفي القلوب مودتهم وتركوا في صفحات السنين آثارا لا تمحوها الليالي فما أكثر الرجال الذين احتضنتهم الثرى لكنهم غابوا عن الخاطر ولم يذكرهم ذاكر وما أقل الذين ظلت أسماؤهم تزهر وتزداد ايراقا وينعا كلما ذكرت كأن الزمن يأبى إلا أن يردد سيرتهم على مسامع الأجيال
ولعل أجمل ما في السيرة أنها لا تحصي الأعوام ولا تحسب الزمن ولا تثقل القارئ بأرقام الأحداث وإنما تكشف معدن الإنسان في ساعات الامتحان وتروي كيف تصنع المروءة وتنتج كرائم الاعمال وكيف تشيد المكارم وكيف يتحول العمر القصير إلى إرث طويل إذا اقترن بالصدق والنبل وحسن الأثر وهكذا تغدو السير خزائن للذاكرة ومنارات لكل الأجيال لا تقرأ من أجل المعرفة فحسب بل لتعلم الناس أن الحياة لا تعاير مقاديرها بطولها وإنمابما تتركه من نور في العقول ودفء في الصدور وعبير في المكان فإذا غاب أصحابها بقيت سيرتهم تمشي بين الناس وكأنها لم تعرف للغياب مُدخلاً ولا مغارات وحين يكتب تاريخ السودان تبقى هناك أسماء لا تصنعها المناصب وإنما تصنعها المواقف ومن بين تلك الأسماء يبرز العميد مدني مهدي سبيل أحد أوائل أبناء دارفور الذين حملوا شرف الخدمة في الشرطة السودانية (بوليس السودان ) فهو اول شرطي من ابناء دارفور يتخرج برتبة ملازم فقد سبقته مجموعة من ابناء دارفور للعمل بالشرطة ولكنهم كانو من صف الظباط والرتب الابتدائية للبوليس فهو رجل اقترن اسمه بالشجاعة والنزاهة والوفاء للوطن في مرحلةٍ كانت البلاد فيها ترزح تحت الحكم الاستعماري ويكفيه فخرا انه من سلالة جيل عظيم قدم تضحيات كبيرة من اجل السودن ويكفيه فخرا انه حفيد الامير ابو كدوك اشهر امراء المهدية فقد جعل مدني من الاستقامة شعارا ومن الشجاعة والنزاهة مدماكا لنجاحه طوال مسيرته المهنية في الشرطة فكان مثالا لرجل البوليس الذي ينهض بواجبه في صمت وإخلاص لا يحيد عن الحق ولا تأخذه في تطبيق القانون لومة لائم. وقد عرف بين زملائه ورؤسائه بحسن السيرة ورجاحة العقل ودقة الأداء فاستحق ما ناله من ثقة وتقدير وبقي اسمه مقترنا بالنزاهة والكفاءة والانضباط ترك وراءه إرثا مهنيا يحتذى به في التفاني وخدمة الوطن في زمن كانت فيه المناصب تغري أصحابها اختار أن يحمي ضميره قبل أن يحمي منصبه لم يعرف طريقا سوى الاستقامة وظل اسمه يذكر مقرونا بالنزاهة حتى بعد أن غادر الخدمة فهل ما زلتم تذكرون رجالًا من هذا الطراز

تخرج مدني مهدي من كلية البوليس عام 1948 برتبة ملازم، في الدفعة الأولى التي خرجتها الكلية وكان الأول على دفعته وهو إنجاز يعكس ما امتلكه من تفوق علمي وانضباط مهني أهّلاه ليكون من أبرز الضباط في جيله وما إن أنهى دراسته حتى نقل إلى مديرية دارفور ليصبح أول ضابط شرطة من أبناء الإقليم فاتحا صفحة جديدة في تاريخ مشاركة أبناء دارفور في مؤسسات الدولة الحديثة.
غير أن القدر كان يخبئ له امتحانًا أكبر من كل الشهادات والرتب ففي عام 1952 شهدت مدينة الفاشر انتفاضة شعبية واسعة احتجاجا على المحاولات البريطانية لضم إقليم دارفور إلى مستعمرات شرق أفريقيا الامر الذي لم يحدث في اي مستعمرة من المستعمرات البريطانية في البلاد التي خضعت للتاج البريطاني وقتذاك امام اسباب ثورة حرق العلم في الفاشر يقول الدكتور حسين ادم الحاج في كتاباته عن الثورات في اقليم دارفور ان سبب حريق العلم هو وصول انباء الي مسامع ابناء دارفور الذين كانوا يدرسون بالازهر الشريف فقد تناهت الب مسامعهم ان الاجليز يخططون لفصل اقليم دارفور وضمه الي مستعمرات شرق افريقيا (كينيا ويوغندا وجنوب السودان ) لتكوين بلدان كمون ويلث شرق افريقي مثل بلدان كمون ولث غرب افريقي الذي تضم نجيريا ودول الغرب الافريقي هذا من جانب اما السبب الاخر هو ان الانجليز بسبب اقامة معرض ضخم وزفة قبلية حاشدة في مدينة زالنجي وتعين سلطان لدارفور هناك وبذلك تتم فصل الاقليم نهائيا عن بقية اقاليم السودان وتاكد ان السير روبرت هاو حاكم عام السودان سيشرف هذا الاحتفال ويتم اعلان فصل الاقليم بمرسوم وفرمانا صادر من الملكة اليزبيث الثانية ملكة بريطانياالعظمي وعندما تناهي ت هذه الاخبار الي ابناء دارفور الذين يدرسون بالازهر ارسلوا وفدا منهم لمعرفة الحقائق علي ارض الواقع وصل الوفد الي مدينة الفاشر وتيقنوا ان الانجليز فعلا بصدد اعلان فصل الاقليم عن المستعمرات السودانية
استطاع الموفدين من تكوين خلايا داخل احياء المدينة من المواطنين وطلاب المعهد العلمي وطلاب المدارس الوسطي والاولية وحددت ساعة الصفر وانطلقت المظاهرات وتجمهر المتاظاهرين واحاطوا بمبني المديرية التي وتسلقوا السارية المرفوعة عليها العلمين البريطاني والمصري فانزلوا العلم البريطاني واحرقوه وترك العلم المصري وحده يرفرف في سماء الفاشر ( انتهي حديث الدكتور حسين ) وكنت قد اجريت حوارا توثيقيا مع العم يوسف عباس محمد نور امد الله في عمره قبل شهرين وهو من الذي حضروا من الازهر واشعلوا هذه الثورة واكد لي انه هو وصديقه ابو القاسم الحاج محمد وعبدالرحمن حسن طويل قد حوكموا بالسجن وتم ترحيلهم الي سجن البان جديد بالابيض وضمن ماذكره لي في التسجيل ان مدير المديرية هندرسون اصدر تعليماته لرجال الشرطة بضرب المتظاهرين لفض المظاهرات وتلقى الملازم مدني مهدي أمرا بضربهم وتفريقهم بالقوة لكنه أدرك أن واجب رجل الشرطة لا يكون في الاعتداء على أبناء وطنه، فرفض تنفيذ الأمر مفضلا الانحياز إلى ضميره وإلى القيم التي آمن بها كان يعلم أن هذا القرار قد يكلفه مستقبله الوظيفي لكنه آثر أن يخسر المنصب على أن يخسر شرفه ولم يتأخر العقاب فقد وجهت إليه تهمة التعاطف مع المتظاهرين بل عد مؤيدا لحركتهم الوطنية، فأُبعد عن دارفور ونقل إلى منطقة بحر الغزال في جنوب السودان في محاولة لمعاقبته وعزله عن محيطه لكن التاريخ كثيرا ما يحول العقوبات إلى أوسمة ويجعل من المواقف النبيلة علامات مضيئة في ذاكرة الشعوب وكنت قد اجريت سهرة اذاعية بالفاشر مع العم قمر الدين اسماعيل والد وزير الخاجية السوداني عمر قمر الدين ذكر لي ان الملازم مدني حذر المتظاهرين من الحاق اي ضرر بالعلم المصري الذي كان جنبا الي جنب مع العلم البريطاني وظل المتظاهرون يرددون ماتهلك اهلك يا ابوكدوك في اشارة الي الملازم مدني الايضرب اويفتح النار علي المتظاهرين
ونواصل
ms.yaseen5@gmail.com
