زين العابدين صالح عبد الرحمن
“هي مداخلات في تجارب قيادات الأحزاب السياسية السودانية، و هي تجارب الصراع من أجل السيطرة، و كانت سببا في تراجع فاعلية الأحزاب، و قد ظهر ذلك جليا بعد غياب الكارزمات، حيث تراجع دور هذه الأحزاب ليس سياسيا، بل تراجع دورها حتى في إلإنتاج الثقافي و الفكري، حيث سمح الصراع بصعود القيادات التنظيمية و التنفيذية التي لا تملك خاصية الانتاج الفكري، فهي قيادات محافظة و دورها أن تحافظ على البناء الحزبي حتى إذا لم يكن هذا الدور فاعلا يعكس دور و تاريخية الحزب..
في البداية المبحث: يأخذ الزعيم الشيوعي “عبد الخالق محجوب” ثم ننتقل لبقية الكارزمات الأخرى لمعرفة أثرها في ترقية و إضعاف دور الحزب في مسيرته التاريخية.. و عبد الخالق هو مفكر سياسي يعرف كيف يدير صراعه بأداة الفكر حيث يختبر به قدرات الآخرين..
معلوم أن التجارب التاريخية للنخب السياسية قد تلعب دورا كبيرا في رسم مسارات العمل السياسي المستقبلي في المجتمع، و هي تجارب لا تتوقف في حدود اسوار التنظيمات السياسية، إنما تتجاوزها في كثير من المرات، و تلقي بظلالها على القوى السياسية الأخرى، و يعتمد ذلك على فاعلية الكارزما السياسية، و تأثير أرائها و أفكارها على الآخرين، إذا كان هؤلاء داخل الحزب أو خارجه.. و يعتمد الكارزما في مثل هذه الصراعات على قدراته الذاتية الفكرية و الثقافية, و دائما يختار الوقت المناسب في إثارة الصراع.. مع الاعتماد على مجموعة داعمة له من العاملين في مجال التنظيم، وو الاستفادة من قدراتها على التعبئة القاعدية، حتى تستطيع الكارزما أن تدير معركتها الفكرية بنجاح..
في كتابي الذي صدر عن دار المصورات بالسودان بعنوان ” الحزب الشيوعي السوداني – مجادلات فكرية” بينت أن عبد الخالق محجوب في مراحل صعوده إلي قمة هرم الحزب الشيوعي، كان يعتمد على إثارة الصراع الفكري مع خصومه الذين تربعوا على قمة الهرم، حيث استطاع أن يبعد عبد الوهاب زين العابدين من قمة ” الحركة السودانية للتحرر الوطني” عندما أثار قضية تحول الحركة إلي الماركسية، و كان عبد الخالق يعلم إن رؤية عبد الوهاب زين العابدين تتناقض مع رؤيته، حيث كان عبد الوهاب رافضا التحول إلي الشيوعية لآن المجتمع غير مهيأ لقبول الفكرة.. و ستطاع عبد الخالق محجوب بفضل المجموعة التي كانت تتحكم في الشأن التنظيمي أن يبعد عبد الوهاب زين العابدين.. وقد كررت التجربة مرة أخرى مع الأمين العام ” الجبهة المعادية للأستعمار” عوض عبد الرازق الذي اتهمه عبد الخالق بالتحريفية و اليمينة، و تم أبعاده حيث أصبح الطريق سالكا لعبد الخالق ليكون السكرتير العام للحزب الشيوعي..
استطاع عبد الخالق أن يقود الحزب الشيوعي كمفكر سياسي، و لكنه حاول أن يخرج بالصراع من داخل الحزب إلي خارج الحزب، حيث افتعل العديد من الصدامات مع الحزب “الوطني الاتحادي” الذي كان يقوده أسماعيل الأزهري، و ساهم عبد الخالق في انشقاق عددا من القيادات الاتحادية، و التي ذهبت و كونت “حزب الشعب الديمقراطي” وبعدها تحالفوا مع الحزب الشيوعي.. كان عبد الخالق يعتقد أن أختراق الطبقة الوسطى، و ضرب حزبها الناشيء سوف يفتح مساحات للحزب الشيوعي لكي يتمدد في المجتمع.. و كان عبد الخالق يثير العديد من القضايا مع التيارات الأخرى لكي يضمن بقائه أطول فترة على هرم القيادة، و نسي أن أسماعيل الأزهري ثعلب سياسة و استفاد من قضية معهد المعلمين التي أدت لطرد نواب الحزب الشيوعي من البرلمان و من ثم حل الحزب الشيوعي..
حل الحزب الشيوعي؛ جعل بعض قيادات شيوعية تفكر في كيفية العودة بالحزب إلي حلبة السياسة مرة أخرى.. الأمر الذي أثار الجدل الفكري بين عبد الخالق محجوب الذي كان داعما لقضية الديمقراطية في الصراع السياسي.. و عمر مصطفى المكي و أحمد سليمان اللذان جاءا بفكرة “الديمقراطيون الثوريون” و كان يعتقدا أن عملية النهضة في البلاد يمكن أن يحققها الديمقراطيون الثوريون، و هي إشارة إلي القيادات العسكرية، أي الوصول إلي السلطة عبر الانقلاب العسكري.. و جاء الانقلاب العسكري في 25 مايو 1969م تحقيقا للفكرة..
بعد الانقلاب بدأت تبرز قيادات جديدة من الشيوعيين تحاول أن تغطي على سكرتير الحزب عبد الخالق محجوب.. أول معركة فتحتها معه كانت تعيين وزراء في حكومة الانقلاب دون إخطار الحزب الشيوعي، القضية الثانية طرد قيادات عسكرية من مجلس قيادة الثورة من الشيوعيين ” هاشم العطا و بابكر النور.. فالصراع الفكري الذي كان دائرا بين عبد الخالق و أحمد سليمان و عمر مصطفى المكي على صفحات الصحف انتقل إلي سلطة الانقلاب، حيث أرادوا أن يضعفوا دور عبد الخالق في قيادة العمل السياسي، و يتمسكوا بمصطلح ” الديمقراطيون الثوريون” و يعتبر تجاوزا لأفكار عبد الخالق محجوب صاحب برنامج ” الثورة الوطنية الديمقراطية” الذي يعتبر نتاج أفكاره، و التي يريد من خلالها عبور البلاد من حالة التخلف و التبعية ألي تأسيس نظام ديمقراطي يمهد التحول إلي الاشتراكية..
أن قيام انقلاب 19 يوليو؛ و الذي يسميه الحزب الشيوعي ” ثورة تصحيحية” قد فجر الصراع داخل المنظومة الماركسية بصورة أعنف، و أدى إلي فتح باب الاستقطاب الحاد، و تقسيم الحزب إلي كتلتين، حيث فقد الحزب الشيوعي فيها أهم رجل في تاريخه السياسي من حيث دوره الكبير في الإنتاج الفكري و الثقافي، الذي كان المحرك الأساسي لفاعلية الحزب و دوره السياسي و الاجتماعي.. إن الكتلة التي ذهبت مع نميري، هي الكتلة التي كانت تتعامل في قطاع الجماهير، و هي المنتجة للأفكار و الثقافة، لذلك كانت محركة للحزب وسط القطاعات الجماهيرية.. أما الكتلة التي ذهبت مع الحزب أغلبيتهم من العناصر التي كانت تشتغل في العمل التنظيمي و التنفيذي، و الأقل إنتاجا في الأفكار و الثقافة.. هي الكتلة التي جعلت المحافظة على الحزب أفضل من الانتاج المعرفي.. الأمر الذي جعل الحزب كتلة صماء غير قادرة على الحركة الفاعلة وسط الجماهير، و أيضا فشلت في تقديم برامج و مشاريع جاذبة للأجيال الجديدة.. الآن الحزب موجود كأسم دون فاعلية سياسية.. نسأل الله حسن البصيرة…
zainsalih@hotmail.com
