الكتلة الديمقراطية في بورتسودان- تحالف يبحث عن سلطة… لا عن مشروع

زهير عثمان

لم يكن المؤتمر التنظيمي الثاني لقوى الحرية والتغيير – الكتلة الديمقراطية في بورتسودان (25–26 أبريل 2026) حدثاً عادياً، لكنه أيضاً لم يكن تحولاً تاريخياً كما يحاول منظموه تصويره
ما جرى، في جوهره، أقرب إلى محاولة لإعادة تموضع قوى تبحث عن نصيبها من السلطة في ظل حرب أعادت توزيع مراكز القوة، أكثر من كونه تأسيساً لمشروع وطني جديد

توقيع نحو 20 تنظيماً على النظام الأساسي يبدو، في ظاهره، إنجازاً تنظيمياً , و لكن السؤال الحقيقي ليس كم عدد الموقعين؟ بل ما الذي يجمع بينهم أصلاً؟
فالقائمة تضم مزيجاً غير متجانس من حركات مسلحة ذات مطالب إقليمية، وأحزاب تقليدية فقدت كثيراً من وزنها الجماهيري، وشخصيات تبحث عن موطئ قدم في معادلة ما بعد الحرب
هذا ليس تحالفاً سياسياً بالمعنى الصارم، بل تجميع مصالح مؤقتة تحت مظلة واحدة
تنظيم بلا اتفاق حقيقي وهيكل مؤجل وصراع معلن
إذا كان التوقيع على النظام الأساسي إنجازاً، فإن العجز عن إجازة الهيكل التنظيمي هو الحقيقة الأهم. تأجيل الحسم بسبب خلافات حول الصلاحيات والنفوذ يكشف أن الصراع داخل الكتلة لم يبدأ بعد—بل هو قائم بالفعل
ما نشهده ليس بناء مؤسسة، بل إدارة صراع على السلطة داخل كيان لم يتشكل بعد , وهنا يصبح الحديث عن “تنظيم” أقرب إلى غطاء شكلي يخفي واقعاً أكثر تعقيداً

توحيد الخطاب… أو إخفاء التناقضات؟
الدعوة إلى «توحيد الخطاب السياسي» تبدو جذابة، لكنها في هذا السياق تحديداً مثيرة للريبة. كيف يمكن توحيد خطاب بين قوى تختلف في الرؤية والمصالح والمرجعيات؟
في غياب برنامج سياسي واضح، يصبح “توحيد الخطاب” مجرد تمرين لغوي لإخفاء الخلافات، لا معالجتها
وعند أول اختبار حقيقي—سياسي أو ميداني—ستنقلب هذه الوحدة الظاهرية إلى انقسام معلن

الاقتراب من الجيش تحالف أم اصطفاف؟
حضور نائب رئيس مجلس السيادة، مالك عقار، إلى جانب سفراء دول مؤثرة، لم يكن تفصيلاً بروتوكولياً. بل رسالة واضحة: الكتلة تتحرك في فضاء قريب من المؤسسة العسكرية، لا على مسافة منها
وهنا تسقط واحدة من أكبر مفارقات الخطاب السياسي في السودان: كيان يتحدث عن “الدولة المدنية” بينما يتموضع عملياً ضمن تحالف تقوده مؤسسة عسكرية
السؤال هنا ليس أخلاقياً، بل سياسياً – هل تملك الكتلة استقلال قرارها، أم أنها تتحول تدريجياً إلى واجهة مدنية تمنح شرعية سياسية لمعادلة قائمة أصلاً؟

شعارات كبيرة… وفراغ في التفاصيل
“زمن الفعل”، “الحوار الوطني”، “الانتخابات”—كلها عناوين جذابة. لكن خلف هذه الشعارات لا توجد حتى الآن
رؤية اقتصادية لمرحلة ما بعد الحرب
تصور لإعادة بناء الدولة
خطة لخلق قاعدة جماهيرية حقيقية

بكلمات أخرى هناك خطاب، ولا يوجد مشروع.
وفي السياسة، هذا الفراغ لا يستمر طويلاً—إما أن يُملأ سريعاً، أو ينكشف
الانفتاح و توسيع القاعدة أم تعميق الاستقطاب؟
الدعوة إلى توسيع الكتلة وفتح الباب لقوى أخرى قد تُقرأ كخطوة إيجابية. لكنها قد تكون أيضاً محاولة لبناء كتلة مضادة في مواجهة خصوم سياسيين، لا مشروعاً جامعاً يتجاوز الانقسامات
في الحالة الأولى نحن أمام سياسة؛ في الثانية نحن أمام إدارة صراع
ازدواجية لا يمكن أن تستمر
لا يمكن الجمع طويلاً بين خطاب مدني وممارسة سياسية قائمة على القرب من القوة العسكرية. هذه ليست مرونة سياسية، بل ازدواجية مؤجلة الانفجار
ومع مرور الوقت، ستُجبر الكتلة على الاختيارة إما استقلال حقيقي، أو اندماج كامل في معادلة السلطة القائمة

مشروع مؤجل… أم وهم سياسي؟
ما خرج به مؤتمر بورتسودان لا يكفي للحديث عن ميلاد مشروع سياسي جديد
ما نراه حتى الآن هو تحالف قيد التفاوض، لا كيان مكتمل
الاختبار الحقيقي لم يبدأ بعد –هل تستطيع الكتلة تحويل شعاراتها إلى برنامج؟
هل تقدر على إدارة تناقضاتها الداخلية؟
هل تملك الشجاعة للوقوف على مسافة من مراكز القوة؟

بدون ذلك، ستبقى مجرد واجهة سياسية ظرفية، تتشكل مع ميزان القوة… وتذوب معه.

zuhair.osman@aol.com

عن زهير عثمان حمد

زهير عثمان حمد

شاهد أيضاً

هندسة “اليوم التالي” في السودان ما بين ضرورة التسوية ومخاطر إعادة إنتاج الحرب

ليس النقاش الدائر اليوم حول تسوية ما بعد الحرب في السودان مجرد ترف فكري أو …