إبراهيم برسي
كلما استمعت إلى المحبوب عبد السلام، يصعب عليّ أن أضعه في الخانة المريحة التي نضع فيها عادة الإسلاميين الذين غادروا التنظيم أو اختلفوا معه. الرجل ابتعد كثيرًا عن المكان الذي بدأ منه، وهذا واضح في كتاباته وحواراته، لكنه لم يغادر ذلك المكان بالطريقة التي تجعل الحديث عنه سيرة “إسلامي سابق”.
لا يزال حسن الترابي حاضرًا في أحاديثه وفي طريقته في تفسير ما جرى، بحجم الأستاذ الذي يصعب التخلص من أثره، حتى بعد أن يصبح تلميذه ناقدًا للتجربة التي صنعها الأستاذ وقادها.
وربما لهذا ظل المحبوب مثيرًا للاهتمام عندي أكثر من كثيرين خرجوا من الحركة الإسلامية، لأنه لا يقدم لنا قصة خروج نظيفة ومكتملة، وإنما قصة رجل أمضى سنوات طويلة يعيد النظر في البيت الذي عاش فيه، من غير أن يغلق بابه تمامًا.
ولد المحبوب في أم درمان عام ١٩٥٨، ودرس الفلسفة في جامعة القاهرة فرع الخرطوم، وتخرج عام ١٩٨١، ثم واصل دراسته في العلوم السياسية وعلم الاجتماع، قبل أن ينشغل لاحقًا بالدراسات الإسلامية والقرآنية. لكن سيرته الأكاديمية لا تفسر أهميته وحدها. فقد كان قريبًا جدًا من حسن الترابي، وأدار مكتبه سنوات طويلة، وكان من الذين كتبوا بعض خطب عمر البشير.
وبعد انقلاب ٣٠ يونيو ١٩٨٩ عمل مديرًا للإعلام الخارجي في وزارة الإعلام والثقافة بين ١٩٩٠ و١٩٩٢، ثم تولى إدارة مكتب الأمين العام للمؤتمر الشعبي العربي والإسلامي في النصف الأول من التسعينيات. وكانت تلك سنوات يصعب فيها فصل الوظيفة عن طبيعة الدولة التي كانت تتشكل. دولة خرجت من انقلاب، حلت الأحزاب والنقابات، شرعت في التمكين، وفتحت الخرطوم في الوقت نفسه أمام حركات وشخصيات إسلامية من بلدان شتى، في محاولة لجعل السودان مركزًا لمشروع يتجاوز حدوده.
كان المحبوب قريبًا من هذه الوقائع إلى درجة تجعله اليوم شاهدًا مهمًا عليها، وقريبًا منها أيضًا إلى درجة تمنع التعامل مع شهادته كما لو أنها شهادة مُراقِب جاء بعد انتهاء الأمر.
ففي حواره المطول مع غسان شربل عام ٢٠٢٥ تحدث عن الاتصالات السودانية الفرنسية التي انتهت بتسليم “كارلوس” إلى فرنسا عام ١٩٩٤، وروى أنه تولى الترجمة في جانب من تلك المحادثات. وتحدث كذلك عن محاولة اغتيال حسني مبارك في أديس أبابا عام ١٩٩٥، وقدم روايته عن معرفة دوائر في القيادة السودانية بالعملية، وعن مواقف الترابي وعلي عثمان محمد طه والبشير منها. وهي رواية شديدة الخطورة، وينبغي أن تظل منسوبة إلى صاحبها ما لم تسندها أدلة مستقلة، لكن أهميتها تأتي من أن الرجل الذي يرويها لم يكن يتابع أخبار النظام من الخارج. كان قريبًا من غرفه ورجاله ومن اللغة التي كان يقدم بها نفسه إلى العالم.
ليس من الصعب أن يحكي لنا شخص عاش خارج السلطة ما فعلته السلطة. الأصعب أن يتحدث من كان قريبًا منها، وأن نسمعه من دون أن نعفيه من سؤال مكانه فيها.
المحبوب لم يكن مديرًا لجهاز أمني ولا قائدًا عسكريًا، ولا أملك ما يسمح لي بأن أنسب إليه قرارًا باعتقال خصم سياسي أو تعذيبه. لكن الأنظمة لا تُبنى بالضباط ورجال الأمن وحدهم. هناك من يصوغ حججها، ومن يمنحها اللغة التي تتحدث بها عن نفسها، ومن يساعدها على تقديم مشروعها السياسي في صورة أخلاقية وتاريخية. وكان للمحبوب نصيبه في صناعة تلك اللغة.
في التسعينيات كتب مقالات قاسية عن الحزب الشيوعي السوداني تحت عنوان “العبرة والاعتبار في الحزب الذي كان”. كان يكتب آنذاك من موقع إسلامي يعتقد أن مشروعه انتصر وأن خصومه أصبحوا جزءًا من تاريخ تجاوزه الزمن. وعندما عاد علاء الدين محمود إلى تلك المقالات في حوار معه عام ٢٠١٤، لم يلجأ المحبوب إلى المناورة المعتادة التي تجعل الكاتب القديم ضحية لظروف عصره. اعترف بأن روح “الناقم والناقض” كانت تحل عنده يومها محل روح الناقد، وقال إنه أصبح ينظر إلى الحزب الشيوعي وحزب الأمة والاتحادي باعتبارها قوى وطنية تستحق قراءة أكثر موضوعية. ثم قال عبارة تختصر، في ظني، مسافة طويلة قطعها الرجل، “كنا نتوهم إعادة التاريخ الإسلامي لمساره الصحيح”.
أتوقف عند كلمة “نتوهم” لأن فيها شيئًا يتجاوز المحبوب نفسه. لم تدخل الحركة الإسلامية السودانية الحكم وهي ترى نفسها مشروعًا للخراب. كانت تحمل يقينًا بأنها تعرف ما لا يعرفه الآخرون، وأن لديها مشروعًا قادرًا على إصلاح المجتمع والدولة والتاريخ نفسه. والمشكلة تبدأ حين يتحول هذا اليقين إلى حق مزعوم في اختصار السياسة. كانت الجبهة الإسلامية قوة حقيقية في الديمقراطية الثالثة، وكان يمكنها أن تنافس الآخرين بالطريقة نفسها التي يتنافسون بها. لكنها اختارت الانقلاب العسكري، وأخفت علاقتها به عمدًا. ذهب البشير إلى القصر، وذهب الترابي إلى السجن، ضمن خطة لإخفاء الهوية السياسية للانقلاب. وقد تحدث الترابي نفسه لاحقًا عن الخطة التي قضت بأن يذهب البشير إلى القصر رئيسًا، ويذهب هو إلى السجن حبيسًا، حتى لا تنكشف منذ البداية هوية الانقلاب السياسية. ومن تلك البداية دخل السودان سنوات التمكين والإقصاء والحرب والاعتقالات وبيوت الأشباح.
لا تكفيني هنا العبارة التي تكررت في مراجعات إسلاميين كثيرين، “كانت هناك أخطاء”. بيوت الأشباح لم تكن خطأً إداريًا. فصل الناس من أعمالهم بسبب آرائهم لم يكن حماسة شباب تجاوزوا التعليمات. وتحويل الحرب في الجنوب إلى خطاب جهاد وشهادة لم يكن زلة لسان. هذه كلها تحتاج إلى شيء أكثر جدية من الاعتراف العام بأن التجربة شابتها تجاوزات.
والمحبوب نفسه قدم مادة لا تسمح بإنكار ذلك. في كتابه “الحركة الإسلامية السودانية، دائرة الضوء.. خيوط الظلام”، الذي صدرت طبعته الأولى عام ٢٠١٠، دخل إلى ما سماه لاحقًا “المطبخ الداخلي” للتجربة. كتب عن فكرة الانقلاب والأجهزة التي نفذته، والانتقال من التنظيم إلى نظام الحكم، والجهاد والتجييش، والشرطة والأمن، والجنوب، والسياسة الخارجية، ثم المفاصلة التي انتهت بخروج الترابي من السلطة. الكتاب لم يصدر بعد سقوط الإنقاذ ولا بعد ثورة ديسمبر. صدر والنظام ما يزال في الحكم، وأثار منذ ظهوره اعتراضات حادة داخل أوساط الإسلاميين.
من السهل أن يتحول الإنسان إلى صاحب مراجعات بعد انهيار النظام الذي كان جزءًا منه، أما المحبوب فبدأ كتابة نقده والنظام لا يزال قائمًا، وهذه حقيقة ينبغي أن تدخل في أي حكم منصف على تجربته.
لكن ذلك لا يحل المشكلة كلها. هناك واقعة ظللت أعود إليها وأنا أقرأ المحبوب. ففي مادة نشرتها صحيفة “الصحافة” في ١٧ أغسطس ٢٠٠٨، روى أنه رتب للشاعر صلاح أحمد إبراهيم لقاءً مع نافع علي نافع، أحد أبرز رجال جهاز الأمن والسلطة في تلك المرحلة. أثار صلاح في اللقاء قضية فاروق محمد إبراهيم وما كان يسمعه عن تعذيبه وبيوت الأشباح، وقال إنه لا يستطيع تكذيب فاروق. وبحسب رواية المحبوب، لم ينف نافع الأمر، وقال لصلاح، بما معناه، إن بلدًا يعيش حروبًا لا يمكن أن تكون فيه حقوق الإنسان بالصورة الموجودة في أوروبا. لا يهم هنا إن كان صلاح قد اقتنع بهذا التفسير أو لم يقتنع بقدر ما يهم أن الحديث عن التعذيب كان موجودًا داخل الدوائر القريبة من السلطة نفسها، وفي وقت مبكر، ولم يكن قصة اكتشفها الإسلاميون بعد سقوط نظامهم بسنوات.
ولهذا أجد سؤال “متى عرفوا؟” أصعب كثيرًا من سؤال “ماذا يقولون اليوم؟”. لا أعرف على وجه الدقة ماذا كان المحبوب يعرف في كل مرحلة، ولا يجوز أن أحمّله معرفة لا دليل عليها. لكننا نعرف أنه كان قريبًا من مركز الحكم، وأن الحديث عن التعذيب وبيوت الأشباح وصل إلى دوائر يعرفها ويعمل معها. عند هذه النقطة يصبح السؤال أكثر إزعاجًا. ما القدر الذي يحتاجه المثقف من المعرفة حتى تصبح مغادرته واجبًا أخلاقيًا، لا مجرد خلاف سياسي مع الآخرين داخل التنظيم؟
هذه ليست مساءلة للمحبوب وحده. هي تخص تقريبًا كل مثقفي المشروع الإسلامي الذين ساهموا في بناء صورته الأخلاقية والثقافية بينما كانت أجهزة الدولة تفعل شيئًا آخر. لكنها تصبح أكثر إلحاحًا معه لأنه، على خلاف كثيرين، عاد وكتب. ومن يكتب عن الماضي يفتح الباب، بقصد أو من دونه، أمام السؤال عن موقعه فيه.
ولا أجد من الإنصاف، في المقابل، أن نختصر المحبوب في سنوات قربه من الإنقاذ. الرجل تحرك فعلًا، ويمكن تتبع ذلك في لغته نفسها. في ٢٠١٤ لم يكتف بمراجعة موقفه من الحزب الشيوعي. تحدث بوضوح عن فكرة الانقلاب، وعن الأجهزة والجهاد والتجييش ومشكلة الجنوب، ونظر إلى تجربته باعتبارها تجربة بشرية قابلة للنقد وليست فصلًا مقدسًا من تاريخ الإسلام. وبعد ثلاث سنوات، في نوفمبر ٢٠١٧، ذهب خطوة أبعد ودعا الإسلاميين إلى تجاوز نخبهم القديمة وتأسيس “حزب ديمقراطي للمسلمين”، وانتقد شمولية التصور الذي ورثته الحركات الإسلامية عن حسن البنا، كما وصف تجربة الإخوان المسلمين في حكم مصر في عهد محمد مرسي بأنها تجربة قمعية. لم يكن هذا كلامًا مألوفًا داخل الوسط الذي خرج منه، وقد أثار بالفعل اعتراضات من إسلاميين شاركوا الندوة نفسها.
في تكوين المحبوب شيء ساعده، فيما أظن، على هذه الحركة البطيئة بعيدًا عن التنظيم. الرجل قارئ للفلسفة والأدب، وتظهر في كتابته أسماء لا تنتمي إلى رف المكتبة الإسلامية المعتاد، محمود درويش ونيرودا ومحجوب شريف وغيرهم. وقد أثار ذلك تحفظات بعض الإسلاميين الذين رأوا في ميله إلى الأدب الحداثي واليساري شيئًا غريبًا على ثقافة التنظيم. وليس المقصود من هذه التفاصيل صناعة قصة رومانسية عن مثقف كان يساريًا في أعماقه وضل طريقه إلى الإسلاميين. فالمحبوب ابن حقيقي للحركة الإسلامية، فكرًا وتنظيمًا وتجربة. لكن تكوينه الثقافي كان، على ما يبدو، أوسع من الحدود التي أراد التنظيم رسمها، وربما ساعده ذلك لاحقًا على النظر إلى تجربته من مسافة لم يصل إليها كثيرون من رفاقه.
تبقى عندي مشكلة الترابي.
كلما اتسعت مراجعة المحبوب، يبدو أن المسافة تضيق عندما يصل الحديث إلى أستاذه. يستطيع أن يكون واضحًا في نقد الإنقاذ والبشير وعلي عثمان ونافع، ويستطيع أن يقول في حواره مع غسان شربل إن الحركة الإسلامية لم تكن مؤهلة لحكم السودان، ثم يحتفظ للترابي بموقع مختلف إلى حد بعيد. يظهر الترابي هنا مفكرًا كبيرًا انقلب عليه تلاميذه، وخانه البشير في النهاية. وقد ظهرت الفكرة صريحة حتى في عنوان الجزء الأخير من الحوار، “الترابي ذاق خيانة تلاميذه وفي طليعتهم البشير”.
لا أشك في أن الترابي تعرض لخيانة سياسية من رجال كانوا تلاميذه وحلفاءه. المفاصلة وقائعها معروفة، والبشير اختار في النهاية الدولة والجيش وشبكة المصالح التي تكونت حول الحكم، وترك شيخه خارج القصر. لكن هناك سؤالًا لا تحله قصة الخيانة. هل خان هؤلاء الترابي عندما أصبحوا مستبدين، أم خانوه عندما أبعدوه عن مركز السلطة؟
الفارق جوهري. فالترابي لم يكن مفكرًا يقف خارج التجربة، ثم جاء البشير وعلي عثمان ونافع فحوّلوا أفكاره في غيابه إلى دولة أمنية. كان قائد الحركة التي اختارت الانقلاب وشاركت في التخطيط له وإخفاء هويته. والرجال الذين اختلفوا معه لاحقًا لم يأتوا من خارج المشروع. كانوا تلاميذه، تربوا داخله وصعدوا في مؤسساته. ربما خانوه في الصراع على الحكم، لكن ذلك لا يعني أنهم خانوا الأدوات التي تعلموها في طريق الوصول إليه.
لهذا لا يشغلني كثيرًا سؤال “لماذا أفسد التلاميذ مشروع الشيخ؟”. ما يشغلني أكثر هو ما إذا كان في مدرسة الشيخ نفسها ما جعل هؤلاء التلاميذ ممكنين. فالانقلاب لم يكن مجرد وسيلة للوصول إلى الحكم يمكن فصلها لاحقًا عن طبيعة الحكم نفسه. حين يختار تنظيم سري إسقاط نظام دستوري، ثم يخفي هويته ويعتقل زعيمه للتمويه، يكون قد أجاز لنفسه منذ البداية استخدام وسيلة لا يستطيع أن يجيزها لخصومه. وما جاء بعد ذلك من تمكين وإقصاء وتوسع في أجهزة الأمن ليس نتيجة آلية لا مفر منها، لكنه أيضًا ليس حادثًا غريبًا لا علاقة له بالبداية.
أظن أن المحبوب اقترب كثيرًا من هذا السؤال، لكنه لم يحسمه. والعلاقة بين التلميذ وأستاذه ليست ملفًا سياسيًا فقط. بعض البشر يخرجون من أحزابهم أسرع مما يخرجون من أثر الأشخاص الذين صنعوا جزءًا من تكوينهم. عاش المحبوب قريبًا من الترابي سنوات طويلة، وشاهده في الحكم والسجن والمفاصلة والهزيمة. لذلك أفهم أن تكون المسافة هنا أكثر تعقيدًا من قرار تنظيمي، لكن التفهم الإنساني لا يلغي السؤال التاريخي.
ثورة ديسمبر وضعت هذه المراجعات كلها أمام واقع جديد. لم يعد الأمر خلافًا بين إسلاميين على ما جرى داخل تجربتهم. خرج جيل كامل إلى الشارع وهو لا يرى في “المشروع الحضاري” تجربة عظيمة أفسدها بعض الرجال، وإنما نظامًا عاش ثلاثين عامًا وانتهى إلى دولة أضعف مما وجدها ومجتمع مثقل بالحروب والفقر والقمع والانقسامات. وفي كتابات المحبوب اللاحقة شيء من الاعتراف بهذا التحول. فقد كتب بعد الثورة محذرًا الإسلاميين من وهم إعادة صناعة التاريخ، ومن الاعتقاد بأن السودان يمكن أن يعود ببساطة إلى ما كان عليه. وهذه مسافة لا أراها قليلة إذا تذكرنا اللغة التي كان الرجل نفسه يستخدمها عن خصوم الحركة في سنوات صعودها.
ثم جاءت حرب ١٥ أبريل ٢٠٢٣، فصار السؤال عن إرث الإنقاذ أقل تجريدًا. لم يلتحق المحبوب، في ما تابعته من أحاديثه خلال الحرب، بالرواية التي تختصر كل شيء في “حرب الكرامة”، ولم يمنح الدعم السريع في المقابل شرعية سياسية أو أخلاقية. تحدث عن دور الإسلاميين وعن أزمة الجيش والدولة، وحذر من الاستنفار وتسليح المدنيين ومن انتقال القتال إلى المجتمعات المحلية. ولا أجد ما يبرر أن أنسب إليه موقفًا أكثر تفصيلًا من البرهان أو حميدتي اعتمادًا على عناوين المقابلات وحدها. لكن المفارقة تبقى واضحة. الرجل الذي جاء من حركة جعلت التعبئة العسكرية والدفاع الشعبي والجهاد جزءًا من تجربتها صار يرى أمامه بلدًا ينهار تحت ثقل السلاح وتعدد الجيوش.
وفي حواره مع غسان شربل قال المحبوب شيئًا أعادني إلى بداية قصته. عندما تحدث عن مسؤولية العسكريين عن خراب السودان، رفض أن يضع الذنب كله في يد الجنرالات، وأشار إلى المدنيين الذين وقفوا معهم، وكتبوا لهم الخطب، وعملوا في حكوماتهم وساعدوهم على الحكم. والمحبوب يعرف معنى كتابة الخطب للجنرالات، فقد كان من كتّاب خطب البشير. قرأت كلامه هنا باعتباره أكبر من ملاحظة عامة عن تاريخ السودان. فيه، حتى إن لم يكن اعترافًا شخصيًا مباشرًا، اقتراب من مسؤولية طبقة كاملة من المثقفين والسياسيين الذين ظنوا أن قربهم من السلطة يسمح لهم بتوجيهها، ثم اكتشف بعضهم، بعد سنوات، أن السلطة كانت تغيرهم هم أيضًا.
هذا ما يجعل المحبوب عبد السلام، في تقديري، شخصية جديرة بالقراءة. لا أراه “إسلاميًا تائبًا”، ولا أجد الإنصاف في معاملته كما لو أن ما كتبه لاحقًا يمحو مكانه في التجربة الأولى. المراجعة لا تمحو التاريخ، لكنها ليست بلا قيمة أيضًا. كتب المحبوب كتابًا مزعجًا لأهله بينما كان نظامهم قائمًا، وأعاد النظر في خصوماته القديمة، واعترف بوهم امتلاك المسار الصحيح للتاريخ، واقترب من الديمقراطية بوصفها قيمة في ذاتها لا مجرد وسيلة تصل بها الحركة إلى الحكم. هذه خطوات حقيقية، ولا تصبح أقل حقيقة لأننا نعتقد أنه كان ينبغي أن يذهب أبعد.
وما ينقص مراجعة المحبوب عندي ليس المزيد من الأسرار عن البشير أو علي عثمان أو نافع. هذه مادة مهمة للشهادة وللتاريخ، لكن السؤال الأصعب يقع في مكان آخر. مساءلة الفكرة عندما كانت لا تزال تبدو جميلة، ومساءلة الأستاذ حين يصبح من السهل وضع اللوم كله على التلاميذ. أي أن يعود إلى الطريق نفسه، لا إلى نهايته فقط، ويسأل عن اللحظة التي جعلت ما حدث بعد ذلك ممكنًا.
لهذا لا أستطيع الاستماع إلى المحبوب كضحية للمشروع الذي خرج منه، ولا أستطيع رفض شهادته لأنه كان جزءًا منه. هو أقرب إلى شاهد كان داخل المكان عندما كانت الأشياء تحدث، ثم احتاج إلى زمن طويل كي يعيد ترتيب ما رآه وما آمن به وما فعله. وهذا ما يمنح شهادته قيمتها، ويترك معها سؤالًا يصعب على أي كتابة عن تجربته أن تتجاوزه. أين كان صاحب الشهادة، وماذا كان يرى، حين كان ذلك التاريخ لا يزال حاضرًا، ولم يصبح بعد مادة للمراجعة؟
Sent from Yahoo Mail for iPhone
