لندن- “القدس العربي”: نشرت مجلة “فورين بوليسي” مقالا مشتركا للسفير الأمريكي في الأمم المتحدة مايكل والتز ومبعوث الرئيس دونالد ترامب للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس قالا فيه إن السلام لن يتحقق في السودان بدون فرض حظر للسلاح.
وقالا إن السودان ينزلق نحو الجحيم منذ سنوات، وأن أمام مجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة الآن فرصة لتحقيق العدالة للشعب السوداني، وتذكير نفسه بالغاية التي أنشئ من أجلها وهي وقف الحروب وحفظ السلام وحماية الأرواح. ولن يتسنى له تحقيق ذلك، إلا إذا أبدى أعضاؤه استعدادهم للمساهمة الفعالة.
وذكّر الكاتبان بأن السودان يشهد أسوأ أزمة إنسانية في العالم، وأن هناك أكثر من 33 مليون شخص بحاجة إلى مساعدات أساسية، فيما يواجه نحو 19.5 مليون شخص، غالبيتهم من النساء والأطفال، الجوع الحاد ونزح ما يقرب من 9 ملايين شخص من ديارهم، وفرّ 4.5 مليون آخرون من البلاد، وبلغ عدد القتلى 150,000 شخص على الأقل. ومع ذلك لم تثر هذه الكارثة التاريخية سوى همسات من أضعف مؤسسات الغرب.
وقالا إن قوات الدعم السريع والميليشيات المتحالفة ارتكبت معها جرائم إبادة جماعية، حيث قتلت الرجال والفتيان على أساس عرقي واغتصبت النساء والفتيات.
وتقدر الأمم المتحدة أن أكثر من 12 مليون امرأة وفتاة سودانية، أي ما يقارب نصف عدد النساء في البلاد – معرضات لخطر العنف الجنسي. كما ارتكبت القوات المسلحة السودانية فظائع مماثلة. وأضافا أن أكثر من 150 عاملا في المجال الإنساني قتلوا في الحرب.
واتهما الطرفين بأنهما يقومان بالنهب والسيطرة على المواد الإنسانية، فيما قتل في العام الماضي 2,670 شخصا نتيجة الهجمات بالطائرات المسيرة، وهو ما يمثل زيادة بنسبة 600% في عام واحد. وفقط في خمسة أشهر من هذا العام، قتلت المسيرات أكثر من 1,000 شخص، نسبة المدنيين منهم 80%.
وأصبحت الأسواق والمستشفيات والمدارس وطرق المساعدات أهدافا للطرفين ولمن يملكون أجهزة تحكم عن بعد. لم يسبق أن كان حاجز العنف الجماعي في السودان أسهل مما هو عليه الآن، ومع ذلك، تحكم الأمم المتحدة قبضتها على الصراع بحظر أسلحة صدر قبل أكثر من عقدين، فقرار مجلس الأمن رقم 1591، الذي فرض حظرا على الأسلحة في دارفور عام 2005، أقدم من هاتف آيفون شركة آبل، فضلا عن الطائرات المسيرة التي تحوم فوق السودان اليوم.
ومع ذلك، لم يواكب المجتمع الدولي، كما يقول المبعوثان الأمريكيان، التطورات العسكرية والتكنولوجية المتسارعة ومن عدة نواح.
أولا، هناك ساحة المعركة التي توسعت إلى إقليم كردفان وولاية النيل الأزرق، في وقت يتوقف فيه حظر مجلس الأمن عند دارفور، التي تبعد مئات الأميال عن ساحات الصراع الجديدة.
ثم هناك التدخل الدولي، الذي أدى بلا شك إلى إطالة أمد القتال وزيادة الخسائر الفادحة في صفوف المدنيين. إذ تقدم أكثر من اثنتي عشرة دولة، بدوافع متباينة، شكلا من أشكال الدعم العسكري للأطراف المتحاربة. وتم تجنيد مرتزقة من أماكن بعيدة مثل كولومبيا. كما تزود شبكات أجنبية من مختلف الأطياف الدول بالطائرات المسيرة والأسلحة وقطع الغيار والأموال، فضلا عن خبراتها الخاصة.
فالذخائر لن تكون غير صالحة للاستخدام، ولن تسقط الطائرات المسيرة من السماء، إذا ما تجاوزت خطوط حظر وهمية على الخرائط، مثلا عند بداية كردفان ونهاية دارفور. ولا يقف المهربون مكتوفي الأيدي عندما يكون بإمكانهم نقل الأسلحة من مناطق أخرى في السودان، فلديهم القدرة على التكيف، كما فعلت قوات الدعم السريع والقوات المسلحة السودانية.
ومع ذلك، فشلت الأمم المتحدة بالتكيف. فعلى مدى أكثر من عشرين عاما، حافظ مجلس الأمن الحظر على المجال الجغرافي نفسه، بينما تغيرت ساحة المعركة والأسلحة والجهات الموردة لها تغيرا جذريا. ولهذا السبب، دعت مجموعة الدول السبع، بما فيها الولايات المتحدة، مجلس الأمن إلى توسيع نطاق الحظر ليشمل السودان بأكمله. وهذا ما يجب عمله، كما يرى المبعوثان.
وقالا إن الولايات المتحدة قدمت قرارا إلى مجلس الأمن لتوسيع نطاق حظر الأسلحة ليشمل جميع أنحاء البلاد، مؤكدة أن العقوبات وتطبيق الدول الأعضاء لهذه القواعد ينطبق على جميع الشبكات التي تبقي هذه الحرب مشتعلة، من كلا الجانبين بدون استثناءات.
وأكدا أن هذا الحظر يجب أن يشمل أيضا مهربي الأسلحة ووكلاء التوريد ومجندي المرتزقة والجهات الراعية المدعومة من الدولة والممولين المعروفين وموردي الطائرات المسيرة وقادة الإبادة الجماعية الذين أفلتوا من العقاب لفترة طويلة.
ولهذا بدأ بعض أعضاء مجلس الأمن بالفعل في التظاهر بمعارضة هذا القرار أو الامتناع عن التصويت عليه. وقد يحاولون تصوير هذا الحظر على أنه انحياز لأحد طرفي الحرب الأهلية في السودان، بينما قد يحاول آخرون إنكار تورطهم المباشر في السودان، ملمحين بدلا من ذلك إلى أن التجار والوسطاء من القطاع الخاص هم المسؤولون عن تدفق الأسلحة إلى البلاد.
والمفارقة في كلا الرأيين، أن الحظر الشامل سيشمل قوات الدعم السريع والقوات المسلحة السودانية من جهة، وأي طرف يزود أي من المتحاربين بالذخائر من جهة أخرى.
وأكد المبعوثان أن التأكيد على تهمة الانحياز، تكشف عن تناقض في إلقاء اللوم على التجار المارقين والوسطاء المستقلين باعتبارهم الجناة الحقيقيين، في حين يعارض البعض قرارا مصمما خصيصا لاستهداف هؤلاء تحديدا. وإذا كانت الجهات الخاصة الممولة والمهربون وشبكات التوريد غير الرسمية هم المسؤولون حقا، فيجب على الدول المساعدة في تحديد هويتهم وفرض عقوبات عليهم ومنع تهريب الأسلحة وإغلاق أنشطتهم. وفي هذا السياق، يجب على أي حكومة تزعم أنها لا تخفي شيئا، عدم التردد بمساعدة الأمم المتحدة في مراقبة قنوات الأسلحة التي تدعي أنها تعمل خارج نطاق سيطرتها وإغلاقها.
وأشار والتز وبولس للخطوات التي تمت في عهد الرئيس ترامب، حيث شرعت الولايات المتحدة بالفعل في العمل. فقد فرضت عقوبات على أفراد وكيانات تسهل تجنيد المرتزقة والمقاتلين الأجانب والتوريد وغير ذلك من أشكال الدعم لهذه الحرب. وينبغي على الدول الأخرى أن تحذو حذوها داخل الأمم المتحدة وخارجها. وقالا إن على الدول التعامل مع هذا القرار بمثابة معيار، سيحاسب من يمزقون السودان على أفعالهم، لكن ستبقى الدول الأعضاء هي المسؤولة عن تطبيق العقوبات.
ومن جانبها، ستراقب الأمم المتحدة الانتهاكات وتحدد الشبكات التي تنقل الأسلحة، وتوثق من ينتهك الحظر. وفي نهاية المطاف، يجب على الأطراف المتحاربة في السودان وقف إطلاق النار.
ولن يحدث ذلك بدون التوافق على هدنة إنسانية اقترحتها الولايات المتحدة إلى جانب آلية تابعة للأمم المتحدة لتقديم المساعدات وتهيئة المجال لعملية سلام أوسع. وطالما ظل الحصول على الأسلحة أسهل من الحصول على الغذاء في السودان، فإن سيادة المنطق تظل ضئيلة. ويبدو أن بعض أعضاء مجلس الأمن راضون عن ذلك، وعلى أي عضو في مجلس الأمن يفكر في الامتناع عن التصويت أو التصويت بالرفض أن يفهم ما سيصوت عليه وأنه يعني استمرار الوضع الراهن في السودان وكل ما يترتب على ذلك من عنف عشوائي.
وفي أحسن الأحوال، يتجاهل كل من له حق النقض والامتناع عن التصويت قصف الطائرات المسيرة للمستشفيات والأسواق ومنع وصول المساعدات إلى العائلات الجائعة ودفع ملايين الأبرياء ثمنا لمصالح الآخرين. وفي أسوأ الأحوال، ينبغي على من سيستخدم حق النقض أو يمتنع عن التصويت أن يرحب بالسؤال: لماذا تساعدون وتحرضون أولئك الذين يدمرون السودان وشعبه ومستقبله من كلا الجانبين؟
وأكد الدبلوماسيان على أنه لا يحق لقوات الدعم السريع ولا للقوات المسلحة السودانية حكم السودان بعد انتهاء هذه الحرب. فقد ارتكب كلاهما فظائع بحق الشعب السوداني، وفقد كلاهما أي شرعية سياسية.
ولا يمكن أن يكون مستقبل السودان ملكا لأي فصيل مسلح يخرج من هذه الحرب، بل يجب أن ينبع من حوار مدني مستقل وذي مصداقية، يمنح الشعب السوداني نفسه، لا من يملكون أكبر عدد من الأسلحة أو أفتك الطائرات المسيرة، حق تقرير مصيره.
ولن تسمح الولايات المتحدة بسنة أخرى من الانحدار إلى الجحيم. وستراقب هي والعالم من يقف مع الشعب السوداني ومن يقف ضده.
