مما لا ريب فيه أن المحكمة الجنائية الدولية بقرارها الأخير بإعفاء الرئيس الكيني أوهورو كينياثا من حضور معظم جلسات محاكمته بتهمة اقتراف جرائم ضد الإنسانية. وأكدت المحكمة في قرارها أن قضاتها قرروا بأغلبية أنه ليس من الضروري أن يحضر كينياثا جلسات محاكمته عدا الرئيسة منها. وذلك في مخالفة صريحة للمادة 63 من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية التي تشترط أن تُجرى المحاكمة في حضور المتهم، مع وعيه بكامل حقوقه، فضلاً عن أن المادة 37 من النظام الأساسي للمحكمة لا تعتد بالصفة الرسمية للمتهم حتى إذا كان رئيساً لدولته. واتضحت ازدواجية المعايير لدى المحكمة الجنائية الدولية، عندما قصرت استثناءها على الرئيس الكيني كينياثا، دون الإشارة إلى الرئيس السوداني عمر البشير، لأن السودان مغضوب عليه من أميركا خاصة ومن الغرب عامة، فلذلك لم تُعِر المحكمة الجنائية في موقفها هذا عدالة الاستثناء بتضمين الرئيس السوداني عمر البشير في قرارها الذي حاولت عن طريقه إرضاء القادة الأفارقة.
وقلتُ في تعليقي على برنامج “عالم المساء” في فضائية الـ بي بي سي العربية أول من أمس إن قرار المحكمة الجنائية الدولية القاضي بإعفاء الرئيس الكيني كينياثا من حضور جلسات محاكمته بتهمة اقتراف جرائم ضد الإنسانية من جراء الأحداث التي أعقبت الانتخابات الكينية في عام 2007 وراح ضحيتها حوالى 1100 شخص وآلاف من المصابين. والغريب في الأمر أن القضاة في قرارهم، أشاروا إلى أنهم منحوا هذا الاستثناء “للتماهي مع المتطلبات الكبيرة لمركز كينياثا بوصفه رئيس كينيا”. وهذه حجية يمكن سحبها على استثناء الرئيس السوداني عمر البشير. وهذا تأكيد لما ذهبتُ إليه في هذه العُجالة من ازدواجية المعايير لدى المحكمة الجنائية الدولية.
وجميل أن يتحدث الأخ الصديق علي محمد عثمان يس وزير العدل الأسبق ومندوب السودان الدائم للأمم المتحدة الأسبق في أن عدم منح الرئيس عمر البشير التأشيرة الأميركية لحضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، يشير إلى أن الولايات المتحدة الأميركية تحسبت لتداعيات وصول الرئيس البشير إلى نيويورك فتدخل في أزمة إما مع مجلس الأمن الدولي إذا ألزمها بتسليم الرئيس السوداني عمر البشير المطلوب للمحكمة الجنائية الدولية، فإن سلمته فتداعيات ذلك خسران مبين لعلاقتها ليس مع السودان فحسب، بل مع دول القارة الإفريقية، وإما أن تستخدم حق الفيتو، فتفقد مصداقيتها مع دول العالم، فقررت بواقعيتها المعهودة عدم منح الرئيس السوداني عمر البشير التأشيرة.
أخلص إلى أن قادة الدول الإفريقية أجمعوا على أن المحكمة الجنائية الدولية تستهدف بلدانهم دون الدول الأخرى، مما اضطر القاضي الكوري سانغ هيون سونغ رئيس المحكمة الدولية الجنائية الدولية يوم الخميس الماضي، إلى أن يعلن أن المحكمة الجناية الدولية ” لم تستهدف مطلقاً أي بلد إفريقي”. يجيء هذا التصريح نتيجة لمضاغطة قادة الدول الإفريقية في اجتماعهم بأديس أبابا في الأسبوع الماضي، من أجل الانسحاب من المحكمة الجنائية الدولية، ولذلك حرصت المحكمة الجنائية الدولية على الاستجابة لهذه المضاغطات الإفريقية من خلال قرارها المتعلق بإعفاء الرئيس الكيني كينياثا من حضور جلسات محاكمته، وفي الوقت نفسه أكدت معاييرها المزدوجة بعدم معاملة الرئيس السوداني عمر البشير بنفس منطق الاستثناء.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم