د. أحمد جمعة صديق
جامعة الزعيم الأزهري
المقدمة
· التعليم: من قطاع مستهلك إلى استثمار منتج
يشهد السودان واحدة من أشد الأزمات التعليمية في تاريخه نتيجةً للحرب المستمرة. فقد تسببت في تعطيل تعليم ملايين الأطفال والشباب، وألحقت أضراراً جسيمة بآلاف المدارس أو أدت إلى تدميرها بالكامل، كما تسببت في نزوح المعلمين والطلاب وإضعاف المؤسسات التعليمية في مختلف أنحاء البلاد. وقد تعرضت العديد من المدارس للاحتلال أو النهب، بينما تحولت مدارس أخرى إلى مراكز لإيواء النازحين داخلياً، في حين توقفت مدارس كثيرة عن أداء رسالتها بسبب انعدام الأمن، ونقص الكوادر التعليمية، وغياب الكتب والوسائل التعليمية.
ولا تقتصر آثار هذا الانهيار على توقف العملية التعليمية، بل تمتد إلى فقدان ملايين الأطفال سنواتٍ ثمينة من التعلم، وتعرضهم للعنف والنزوح والجوع والفقر والصدمات النفسية العميقة. وإذا لم يتم التدخل العاجل، فإن السودان يواجه خطر فقدان جيل كامل من الشباب، الأمر الذي ستكون له آثار بعيدة المدى على النمو الاقتصادي، والاستقرار الاجتماعي، والوحدة الوطنية، والتنمية المستدامة.
ويُعد التعليم حقاً أساسياً من حقوق الإنسان، وأحد أهم الاستثمارات التي يمكن أن تقوم بها الدول لتحقيق التنمية الشاملة. فهو الأساس الذي تُبنى عليه عمليات بناء السلام، والحد من الفقر، وتعزيز الحوكمة الرشيدة، وتحقيق المساواة بين الجنسين، وزيادة الإنتاجية الاقتصادية، وحماية البيئة، وترسيخ التماسك الاجتماعي. ولذلك فإن إعادة بناء قطاع التعليم في السودان ليست مجرد أولوية تربوية، بل هي استراتيجية وطنية لإعادة بناء الدولة والمجتمع.
· هل التعليم عبء على الموازنة العامة؟
لا يزال التعليم في كثير من دول العالم النامي يُنظر إليه باعتباره قطاعًا استهلاكيًا يعتمد على الإنفاق الحكومي المستمر دون أن يحقق عوائد اقتصادية مباشرة. وعلى النقيض من القطاعات الإنتاجية، مثل الزراعة والصناعة والتعدين والخدمات، يُنظر إلى التعليم في بعض الأوساط الاقتصادية على أنه عبء على الموازنة العامة أكثر من كونه استثمارًا في التنمية الوطنية. وقد أدى هذا المفهوم الخاطئ إلى تدني الأولوية الممنوحة للتعليم عند إعداد الموازنات العامة، ولا سيما في أوقات الأزمات الاقتصادية.
وتشير البيانات الدولية إلى أن العديد من الدول النامية تخصص أقل من 3–5% من ناتجها المحلي الإجمالي لقطاع التعليم، وهي نسبة تقل عن المستوى اللازم لتحقيق تعليم جيد وشامل ومستدام. وفي المقابل، توجه بعض الحكومات نسبة كبيرة من مواردها إلى قطاعات الدفاع والأمن على حساب القطاعات الاجتماعية الأساسية.
وفي السودان، كما جاء في تصريح لرئيس وزراء الفترة الانقالية الدكتور عبد الله حمدوك بأن الإنفاق على القطاعين العسكري والأمني يستحوذ على الجزء الأكبر من الإنفاق يصل الى (82%) من الناتج القومي – وهي معلومة لا نستطيع اثباتها أو نفيها في الوقت الحاضر اذ ورد هذا التصريح كرؤيةً قدمها رئيس الوزراء السابق في سياق مناقشة أولويات الإنفاق العام. هذا الأمر انعكس سلبًا على تمويل التعليم والصحة والخدمات الاجتماعية.
وعلى الرغم من أن الدول المتقدمة تنفق مبالغ كبيرة على الدفاع، فأمريكا تنفق – فقط – ما بين 3-3.5% أي ما يعادل 15-13% من الميزانية الفدرالية بينما كندا ومعظم الدول الأوربية لا تتجاوز ميزانية الدفاع فيها اكثر من 1-2.5% من مجمل الدخل القومي. في الوقت نفسه فان هذه الدول لا تنظر إلى التعليم باعتباره قطاعًا مستهلكًا، بل تعتبره استثمارًا طويل الأجل في رأس المال البشري. ولذلك تحافظ هذه الدول على مستويات مرتفعة من الإنفاق على التعليم، وتدعمه بسياسات تشجع البحث العلمي والابتكار والتدريب المهني وربط المؤسسات التعليمية باحتياجات الاقتصاد وسوق العمل.
وتعد دول مثل فنلندا وكوريا الجنوبية وسنغافورة من أبرز النماذج التي جعلت التعليم محورًا رئيسيًا لاستراتيجياتها التنموية، حيث تخصص نسبًا مرتفعة من إنفاقها الحكومي للتعليم يتراوح ما بين20-25% من الناتج القومي، وبعض الدول العربية كقطر والسعودية تنفق بسخاء على التعليم، إدراكًا منها أن الاستثمار في الإنسان هو الأساس الحقيقي للنمو الاقتصادي المستدام والتنافسية العالمية.
· التعليم من قطاع مستهلك إلى استثمار منتج
يقترح هذا المشروع نموذج “المدارس كوحدات إنتاج”، ويهدف إلى تحويل المدارس، خاصة في المناطق الريفية والحضرية الفقيرة، إلى مؤسسات تعليمية منتجة تسهم في تمويل جزء من احتياجاتها التشغيلية، وفي الوقت نفسه توفر تدريبًا عمليًا للطلاب، وتخلق فرص عمل للشباب والنساء، وتدعم الاقتصاد المحلي، وتعزز الأمن الغذائي وريادة الأعمال. ولا يهدف هذا النموذج إلى تحويل المدرسة إلى مؤسسة تجارية، بل إلى دمج التعليم بالإنتاج في إطار تربوي يحقق التعلم بالممارسة، ويرسخ ثقافة العمل والإبداع، ويقلل من الاعتماد الكامل على التمويل الحكومي.
ومن خلال توفير قروض تنموية صغيرة ومنح ميسرة من المنظمات الدولية، مثل اليونسكو، والبنك الإسلامي للتنمية، وبنك التنمية الأفريقي، والبنك الدولي، وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، إضافة إلى البنوك الوطنية وصناديق التنمية، يمكن إنشاء مشروعات مدرسية مستدامة في مجالات الزراعة، والإنتاج الحيواني، والصناعات الغذائية، والحرف اليدوية، والطاقة المتجددة، والتقنيات الرقمية، بما يحقق عائدًا اقتصاديًا يسهم في تحسين جودة التعليم، وصيانة المدارس، وتوفير الوسائل التعليمية، ورفع كفاءة المعلمين، وتحقيق التنمية المجتمعية المستدامة. ونواصل
· هده المادة حررت باستخدام الذكاء الصناعي.
aahmedgumaa@yahoo.com
