المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية والموقف من القاء القبض علي الرئيس السوداني المعزول

 


 

محمد فضل علي
9 ديسمبر, 2022

 

علي الصعيد الشخصي ولاسباب وتحفظات موضوعية حول الطريقة التي تدار بها العديد من الملفات الاقليمية والدولية لم نكن من المتحمسين او حتي الداعمين لمحاكمة الرئيس السوداني المعزول عمر البشير امام المحكمة الجنائية الدولية ...
ماحدث في اقليم دارفور السوداني من انتهاكات وابادة جماعية وجرائم حرب وجرائم ضد الانسانية راح ضحيتها ما يقارب نصف مليون موطن سوداني اغلبهم وقعوا بين مرمي النيران اثناء صراع الاسلاميين علي السلطة بعد انقسام شهير في صفوفهم القيادية ذلك الصراع الذي كان مسرحه اقليم دارفور لاسباب معروفة تتعلق بالاوضاع الداخلية لعضوية الحركة الاسلامية من ابناء ذلك الاقليم المعروفين بالولاء الشديد للدكتور حسن الترابي الزعيم التاريخي والاب الروحي لجمهرة المتاسلمين في دارفور وغيرها من اقاليم السودان.
الحركة الاسلامية المزعومة كانت وظلت تحكم السودان لعقود طويلة وبطريقة مستمرة بشكل او اخر حتي يومنا هذا .
ماحدث بواسطة الاسلاميين والحركة الاخوانية السودانية في اقليم دارفور يعتبر السابقة الاولي من نوعها منذ ان وجدت الدولة السودانية والقضية الاولي التي عبرت حدود الدولة السودانية خلال تاريخها الطويل وتم تداولها عبر المنظمة الدولية ومجلس الامن الدولي الذي قام باحالتها الي المحكمة الجنائية الدولية التي قامت بدورها بتحقيقات وجمعت ادلة مادية عن وقوع الجرائم الدولية المشار اليها اصدرت بموجبها قرار بالقبض علي الرئيس السوداني المعزول عمر البشير وبعض اعوانة من المسؤولين في الحكومة السودانية من المتورطين في جرائم دارفور ليستقر الامر علي قائمة المطلوبين المعروفة حيث وصل الي محكمة لاهاي باختياره المطلق احد المطلوبين الذي تجري محاكمتة في تلك المباني الجميلة التي يقضي فترة احتجازة في مكان ما داخل نفس المباني .
كان من اهم اسباب التحفظ علي محاكمة الرئيس المعزول في محكمة لاهاي هو الخوف من ان يتم التداول وصدور الاحكام في هذه القضية الهامة والشديدة الحساسية والخطورة بناء علي الادلة الجنائية المتوفرة دون الاشارة في حيثيات الحكم الي جذور واسباب ودوافع ارتكاب الجرائم المشار اليها وكيف واين ولماذا ومن هي الجهة التي اطلقت الرصاصة الاولي في تلك الحروب المدمرة ومن هي الجهة التي ردت عليها .
اهمية التفاصيل المشار اليها تنبع من ان السودان الدولة والشعب والمجتمع قد تحول الي المتهم الاول وسط الكثير من اتجاهات الرأي العام الدولية بسبب التزوير في الوقائع ومتاجرة البعض من نفس الاسلاميين وغيرهم بقضية دارفور و تضليل اتجاهات الرأي العام الدولية والكثير من منظمات المجتمع الدولي واستخدام بعض الشعوبيين الذين ليس لديهم اي خلفيات في العمل العام والدفاع عن حقوق الانسان في الترويج لقصص وروايات لتحويل قضية دارفور الي مشكلة قبلية ناتجة من استهداف تاريخي مزعوم لبعض المجموعات العرقية في الاقليم المنكوب .
هناك الكثير من التفاصيل التي لم يحين اوان ذكرها ولكن العودة الي مطالبة المحكمة الجنائية الدولية للتعامل مع قضية المطلوبين الدوليين والرئيس السوداني المعزول عمر البشير تتطلب معاونة المحكمة قانونيا لاكمال تحقيقاتها حول جذور وبدايات هذه الماساة الانسانية من شهود الرأي العام وبعض شهود العيان المفترضين الذين عايشوا ماحدث انذاك في اقليم دارفور معايشة لصيقة وبعضهم يتولون مناصب دستورية في هيكل الدولة السودانية الراهن وذلك من اجل وضع النقاط علي الحروف ومعاونة العدالة الدولية من اجل القيام بواجبها القانوني والاخلاقي المفترض في التعامل مع هذه القضية المتشعبة ..
حضر السيد المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية القاضي كريم خان الي الخرطوم في اغسطس الماضي من العام الحالي وقضي فيها بعض الايام التقي خلالها بمسؤولين في النظام وحكومة الامر الواقع جنرال الدعم السريع محمد حمدان حميدتي والقائد العسكري عبد الفتاح البرهان الذي تمت الاشارة الي وضعيته بهذه الصفة اثناء مشاركتة في اجتماعات الجمعية العامة للامم المتحدة .
ادلت البعثة الاعلامية المرافقة للسيد المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية بتصريحات اعلامية تم تداولها علي نطاق واسع في الصحافة السودانية والدولية مضمونها ان السلطات السودانية قد منعت بشكل او اخر القاضي كريم خان من لقاء المطلوبين لعدالة محكمة لاهاي والرئيس المعزول الذي كان يقضي فترة استجمام ونقاهة في احد المستشفيات الفاخرة بعد ان اصبح مطلق السراح حتي هذه اللحظة علي الرغم من مسرحية اعادته الي السجن واشياء من هذا القبيل ..
ادلي السيد كريم خان بتصريحات اعلامية قبل ساعات من مغادرته السودان في اغسطس الماضي بعد ان التقي عبد الفتاح البرهان الوريث الرسمي للرئيس المعزول في ادارة البلاد وفي مواصلة نفس النهج القديم في الحكم وقال القاضي كريم خان الذي يبدو انه كان يتحدث بمنتهي حسن النية ان البرهان قد وافق علي فتح مكتب للمحكمة الجنائية الدولية في الخرطوم بعد عودته الي السودان مطلع اكتوبر ليتاكد من مباشرة المكتب المجهول المصير للتعامل مع ملفات الانتهاكات وجرائم الحرب والابادة وكيفية التعامل القانوني مع المطلوبين في هذه القضايا بالتعاون بين المكتب المشار اليه والسلطات السودانية حميدتي والبرهان ...
مضي شهر اكتوبر ومن بعده شهر اخر ولم يعود المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية الي الخرطوم حتي هذه اللحظة واصبح الناس يتابعون اخبار جولاته في مسرح الحرب الروسية الاوكرانية وبعض التصريحات المنسوبة له في هذا الصدد ونخشي عليه من مغبة التورط بشكل او اخر في حرب انتحارية ظلت تتحول مع كل ساعة تمر عليها الي تهديد مباشر وخطير للمتبقي من الامن والسلم العالمي في ظل نظام عالمي يفتقر الي الرشد والتعقل والموضوعية وحتي الامانة الاخلاقية في التعامل مع المخاطر والمهددات التي تحيط بالعالم الراهن احاطة السوار بالمعصم ..
نذكر المدعي العام لمحكمة لاهاي في قمة انشغاله بالتعامل مع حروب الكبار ان لاينسي واجباته والتزاماته القانونية والاخلاقية تجاه قضية دارفور والسودان باكملة البلد الذي يعيش في هذه اللحظات اوضاع غير طبيعية وعدوان ليس له مثيل علي العدالة والقيم الانسانية وصدور احكام متوالية ببراءة بعض القتلة المحترفين المتورطين في جرائم منهجية ضد الدولة والانسان السوداني وخير شاهد ودليل المهزلة الحالية ومحاكمة الرئيس المعزول مع نفر من قيادات الحركة الاسلامية الذين قاموا بشن الحرب علي الدولة السودانية وتفكيك مؤسساتها القومية والجيش القومي السابق والشرطة وبقية اجهزة الدولة في يونيو 1989.
المحكمة التي تشهد فصول كوميدية ودرامية في سابقة ليس لها مثيل في تاريخ العدالة والمحاكم السودانية الخاصة والعادية من خلال الاستخفاف المتكرر والطويل المدي بعقول الملايين وليس اخيرا الحكم الصادر ببراءة المتهمين في جريمة الابادة الجماعية لثمانية وعشرين من الضباط المهنيين في الجيش السوداني السابق القرار الذي اصدرته بالامس احد المحاكم التابعة لادارة المتمرد عبد الفتاح البرهان وبعض من معه من التكنوقراط العسكري من الذين شاركوا ميدانيا في جرائم الحرب والابادة والحروب الجهادية الغير مشروعة والمخالفة حتي لشريعة الاسلام والمسلمين تلك الحروب التي شنها الاسلاميين علي رعايا الدولة السودانية في جنوب كردفان وجنوب السودان السابق.
نتمني ان لا يتاثر القاضي كريم خان وعدالة المحكمة الجنائية الدولية باجواء اتفاق التسوية السياسية التي تم توقيعها في السودان بمباركة اقليمية ودولية ونظام عالمي مشهود له بالفشل الخطير والذريع في التعامل مع الكثير من القضايا الاقليمية والدولية وان يحتكم الي ضميرة المهني والاخلاقي وان يثق في نفسه وفي عدالة قضية السودانيين كل السودانيين في دارفور وبقية اقاليم البلاد وان يباشر المهام الموكولة له في هذا الصدد ولا نتوقع له مهمة سهلة اذا حاول مطالبة حكومة الامر الواقع الحالية بتسليم الرئيس المعزول الي المحكمة الجنائية الدولية في ظل اوضاع السودان الراهنة ومناخ الابتزاز المسلح الذي تمارسة فلول الدولة العميقة بالتنسيق مع جهات رسمية في السودان اليوم .
//////////////////////////

 

آراء