المسيح المحمدي في الأساطير والأديان القديمة والأديان الكتابية (5)

 


 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

(هَلۡ يَنظُرُونَ إِلَّآ أَن يَأۡتِيَهُمُ ٱللَّهُ فِي ظُلَلٖ مِّنَ ٱلۡغَمَامِ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ وَقُضِيَ ٱلۡأَمۡرُۚ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرۡجَعُ ٱلۡأُمُورُ)

الحلقة الخامسة

الخير والشر (ج)

الشيطان

خالد الحاج عبدالمحمود

 

الشيطان أكبر رموز الشر ولا يمكن انتصار الخير إلا بعد الانتصار على الشيطان، الناس عموما عندما يتحدثون عن الشيطان هم يتحدثون عن الروح الشريرة في الخارج، ولكن الشيطان في الداخل وفي الخارج.. وشيطان الداخل هو الأهم والأخطر، ولا يمكن هزيمة الشيطان في الخارج إلا عن طريق هزيمته داخل النفس.

ونحن هنا نتحدث عن شيطان الداخل، فالحديث كله عنه.. المهم أن نذكر أن هزيمة شيطان الداخل وسيلتها الأساسية هي: منهاج طريق محمد صلى الله عليه وسلم في عبادته وفي معاملته.. والعمل بالمنهاج يؤمن النفس بحيث لا يكون للشيطان عليها سبيلا، أو سلطان "إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ" أو قول إبليس" قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ* إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ" .. الشيطان في الداخل هو إتباع هوى النفس الذي به يكون إتباع الشيطان في الخارج.. العمل ضد هوى النفس هو بداية الإيمان (لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به).. والعملية في السلوك تتم في مراحل، يهمنا منها في جانب المعاملة: كف الأذى عن الآخرين، وهذه هي البداية.. والأذى المقصود، والمطلوب كفه، يكون بالفعل أو القول أو الخاطر- ظن السوء.. والمرحلة التالية هي تحمل أذى الآخرين، ثم توصيل الخير إليهم عن علم ومحبة لهم، فلو تصورنا مجتمعا جميع أفراده يكفون الأذى عن الآخرين، ويتحملون أذى الآخرين، ويعملون على توصيل الخير للآخرين، هذا المجتمع هو مجتمع( أمة المسلمين) _إخوان النبي.. وهو المنتظر له أن يتحقق في ظهور المسيح المحمدي.. ويستطيع الأفراد أن يرشحوا أنفسهم لهذا المجتمع منذ الآن بالأخذ بمنهاج الطريق.. والقدر الذي ينبغي أن يتحقق الآن هو: نزع الضغن وهناك الكثير الذي يحتاج أن يقال ولكننا لسنا بصدده الآن.. ما نحن بصدده الآن هو الحديث عن الشيطان في الخارج _الروح الشريرة التي لا تأمر إلا بشر.. سيادة الخير تقتضي الانتصار على هذه الروح الشريرة، والانتصار على الشيطان.. ولقد سول الجهل لكثير من الناس عبر التاريخ إشراك الشيطان مع الله، وتصويره وكأنه أنه إله الشر، بل الواقع أن كثير من أساطير الشعوب والأديان القديمة صورت الشيطان كإله للشر، فقد تم تضخيم شخصية الشيطان بصورة كبيرة جدا، وأعطي أكثر من حجمه، السبب في ذلك يرجع في تقديري إلى التصور الخاطئ بأن الشر في الوجود مساوي للخير، والأمر بخلاف ذلك تماما.

الواقع إن الشيطان موظف في مملكة الله، وهو موظف صغير وضعيف، وصغره وضعفه، يأتيان من صغر وضعف وظيفته وهي: الإغواء بالشر.. الشر كما ذكرنا مرحلي، ويقع تحت هيمنة الخير، وهيمنة قوى الخير، وهو موظف في النهاية لخدمة الخير، ولا يستطيع أن يفلت من هيمنة الخير عليه.. فالشيطان موظف صغير وصاحب وظيفة مؤقتة ينتهي دوره بانتهاء الحاجة لهذه الوظيفة، فهو كائن مرحلي.. أحب أن أذكر هنا موقف أحد المفكرين المعاصرين، الذي يقوم على تمجيد الشيطان وتفضيله على الإنسان!! وأنا أذكر هذا الموقف لغرابته.. فقد تعرض د. صادق جلال العظم، الماركسي السوري، لقضية الشيطان في إطار نقده للدين والتصورات الدينية، ذلك النقد الذي جاء في كتابه (نقد الفكر الديني).. د. العظم في كتابه هذا ينطلق في تفكيره كماركسي، وهو تفكير يقوم على ما أسماه هو (الفكر العلمي التحليلي).. وهذا الفكر يرفض كل ما هو غيبي، فدكتور العظم في كتابه هذا يرفض: الله والملائكة والجن وإبليس، على اعتبار أنها موجودات غير مادية، فهي عنده لا وجود لها في الحقيقة.. فهو يقول مثلا عن الله تعالى (يقول أصحاب هذا المذهب أن العقل الإنساني قاصر عن أن يعرف طبيعة الإله وأن يحيط به ولو إحاطة جزئية، إنه عاجز عن تصوره وعن التعبير عن طبيعته، عبر البعض عن هذا الرأي بقولهم عن الله: كل ما خطر ببالك فهو خلاف ذلك، توجد عدة اعتراضات على هذا الموقف.. أولا هل بإمكاني أن أقيم أية علاقات جدية بيني وبين هذا الإله الذي تتجاوز طبيعته تجاوزا مطلقا منطقي ومشاعري وأفكاري ومثلي وآمالي؟ هل بإمكاني أن أجد عزاء في إله جل ما أعرف عنه هو أنه مهما خطر في بالي من أفكار وصفات فهو يختلف عنها اختلافا مطلقا؟ إن وجود مثل هذا الإله وعدم وجوده سيان بالنسبة لي، إن هذا الإله ليس إلا تجريدا فارغا من كل معنى ومحتوى).. نحن أوردنا هذا النص بغرض بيان موقف د. العظم من الدين، ولكن ما يعنينا هنا هو موقفه من الشيطان.. وحسب موقفه هذا الذي ذكرناه عندما يتحدث عن الشيطان، هو يتحدث عن قضية ينكر جميع أركانها، فالشيطان عنده شخصية غير موجودة، فهو يتحدث عنه كقضية أسطورية، وهو يقول إنني لا أريد معالجة قصة إبليس باعتبارها موضوعا يدخل ضمن نطاق الإيمان الديني الصرف، ولا أريد أن أتكلم عنه باعتباره كائنا موجودا وحقيقيا، وإنما أريد دراسة شخصيته باعتبارها شخصية ميثولوجية أبدعتها ملكة الإنسان الخرافية، وطورها وضخمها خياله الخصب، وحتى في هذا المستوى كان تناول د. العظم للقضية تناولا ضعيفا ومتهافتا.. وبعيدا كل البعد عن موضوعية دارسي الميثولوجيا، وما تقوم عليه دراساتهم من استخراج القيم الموضوعية من تحليل الدلالات الرمزية.. ولقد بنى د. العظم موقفه على قضية هو لا يفهم أي شيء عن أبعادها، وهي قضية الأمر التكويني والأمر التشريعي وقد أشار للقضية بقوله: (التمييز بين الأمر الإلهي وبين المشيئة أو الإرادة الإلهية فالأمر بطبيعة الحال إما أن يطاع وينفذ وإما أن يعصى، وللمأمور الخيار في ذلك.. أما المشيئة الإلهية فلا تنطبق عليها مثل هذه الاعتبارات لأنها بطبيعتها لا ترد وكل ما يتعلق بالمشيئة الإلهية واقع بالضرورة..).

ويقول (لذلك باستطاعتنا القول بأن الله أمر إبليس بالسجود لآدم، ولكنه شاء له أن يعصي الأمر ولو شاء الله لإبليس أن يقع ساجدا لوقع ساجدا لتوه، إذا لا حول ولا قوة للعبد على رد المشيئة الإلهية).. ورغم هذا القول الواضح إلا أن العظم يعتبر أن التوحيد هو طاعة الأمر التكويني- المشيئة- التي قال بنفسه عنها أنها لا تعصى، ولا يمكن أن تعصى من أي مخلوق من المخلوقات.. وذهب انطلاقا من هذا الخطأ الأساسي، يمجد إبليس ويعتبر أنه هو من حقق التوحيد وليس آدم!! هذا مع أنه هو نفسه قال أن الطاعة والمعصية تقع في إطار الأمر التشريعي، وليس المشيئة، فهو يقول: (لا شك أن إبليس خالف الأمر الإلهي عندما رفض السجود لآدم، غير أنه كان منسجما كل الإنسجام مع المشيئة الإلهية ومع واجبه المطلق نحو ربه)!! هذا خلط شنيع، والواجب يتعلق بطاعة الأمر التشريعي وليس المشيئة.. فالمشيئة مفروضة ولا يستطيع أحد من الخلق أن يخالفها، كما يقول العظم نفسه!! فالملائكة الذين سجدوا كانوا مطيعين للمشيئة، وفضيلتهم على إبليس أنهم كانوا مطيعين للمشيئة وللأمر التشريعي معا.. يقول د. العظم (لو وقع إبليس ساجدا لآدم لخرج عن حقيقة التوحيد وعصا واجبه المطلق نحو معبوده).. هو يقصد بعبارة (عصا واجبه المطلق) طاعة المشيئة، وهو بنفسه ذكر أن المشيئة لا تعصى، فليس لإبليس أي فضيلة في طاعة الأمر التكويني، وهو في ذلك لا يختلف عن بقية الملائكة، ولا عن آدم وحواء، أو أي شيء آخر في الوجود، فليس في الأمر التكويني معصية.. الواجب في الدين هو طاعة الأمر التشريعي.. يقول د. العظم (في الواقع يعتبر اختبار إبليس سؤالا هاما جدا، هو هل تكمن الطاعة الحقيقية في الإذعان للأمر أم الخضوع للمشيئة؟ هل يكمن الصلاح في الانصياع للواجب المطلق أم لواجبات الطاعة الجزئية؟).. هذه الأسئلة تدل على تخبط شديد لا معنى له ولا قيمة له!! فطالما أن د. العظم يقول أن المشيئة لا تعصى فلا معنى لوصفها بأنها واجب، الواجب هو طاعة الأمر التشريعي الذي يمكن أن يعصى.. وقد ذهب د. العظم بناءً على تخليطه هذا، ليقول: (نستنتج إذن أن موقف إبليس يمثل الإصرار المطلق على التوحيد في اصغى معانيه، وأنقى تجلياته..).. هذا القول هو محض عبث، فموقف إبليس من حيث طاعة الامر التكويني، لا يختلف عن موقف آدم وبقية الملائكة، فجميعهم أطاعوا الأمر التكويني، ولا مجال لخلاف ذلك.. يقول د. العظم: (أراد الله للملائكة ان يقدسوه وأن يسبحوا باسمه، لذلك كان السجود لآدم وقوعا فيما يضيفه أهل الشرك إلى الذات الصمدية مما هي منزهة عنه، إذ السجود لغير الله لا يجوز على الإطلاق لأنه شرك).!! ولكن الله تعالى لا يأمر بالشرك!! فالسجود المأمور به هو سجود تسخير، لا سجود عبادة.. فالسجود لغير الله شرك، كما تقول أنت، والله تعالى لا يأمر بالشرك.. ذهب د. العظم في تحليله، إلى ما يذهب إليه الماركسي المتعصب في المواقف السياسية.. أنظر إليه يقول: (بعبارة أخرى واجه إبليس الرب وهو يناقض نفسه بصورة مباشرة ومفضوحة، فذهب ضحية هذا التناقض وضحية الموقف الذي اختاره ووقفه).. التناقض إنما هو في ذهنك أنت، وفي طبيعة التفكير المادي، الذي تتلمذت عليه.. فالمخلوق لا يعرف مسبقا مشيئة الرب، فهذا بالنسبة له غيب، وأنت ترفض الغيب بصورة مبدئية بما فيه الرب نفسه، ولكن المخلوق يعرف إرادة الرب، فهي يجيء بها الأمر التشريعي الظاهر، وعلى هذه الارادة يقوم التكليف، ويقع الحساب.. لقد تعامل د. العظم مع أكبر قضية ظلت تواجه الفكر البشري، طوال تاريخه، وهي قضية الجبر والاختيار، تعامل معها كما يتعامل الماركسي المتعصب مع الأمور السياسية، فجاء تعامله ضعيفا ومتهافتا.. وقد ذهب د. العظم في تعامله السطحي مع أكبر قضايا الوجود، إلى أن يجعل من إبليس بطلا تراجيديا، وآدم انتهازيا!! اسمعه يقوله: (إذا استرسلنا في مقارنة موقف آدم بموقف إبليس نجد أنه إذا كان إبليس أول بطل مأساوي في الكون، كان آدم أول انتهازي، لأنه رفض إتخاذ موقف محدد بين الأمر والمشيئة، رغبة منه بالنجاة كيفما تمت الأمور)!! مرة أخرى، لا يوجد موقف بين الأمر والمشيئة، هذا مجرد سوء تخريج يتعلق بصاحب فكر مادي، يتعامل مع قمة الفكر الديني، تعاملا سياسيا شديد التهافت.. موقف د. العظم هذا يمثل صورة من صور الشر عند البشر الذين يرفضون الدين وفقا لتصوراتهم الخاطئة بصورة مفضوحة.. وشياطين البشر هم أخطر من شياطين الجن.. ولولا طاعة شياطين البشر لشياطين الجن لانتفى دور الشيطان في الشر - ارجو ألا أكون قد بعدت كثيرا عن الموضوع..

اذا رجعنا إلى موضوع الشيطان وعلاقته بالشر، نجد ان المعصوم يقول: (إن الشيطان يجري من أحدكم مجرى الدم فضيقوا مجاريه بالصوم).. يقول تعالى: (الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاءِ ۖ وَاللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلًا ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ).. والشيطان كما ذكرنا، داخلنا وخارجنا.. خارجنا هو الروح الشرير، والذي يأمر بالشر.. وداخلنا هو العقل، الذي ينصت للشيطان، ويعمل على تنفيذ أغراض النفس السفلى، الشيطانية، وهذا العقل في الدين يسمى عقل المعاش.. فالانتصار على الشيطان يقتضي تجاوز عقل المعاش إلى عقل المعاد.

معلوم ان السير في الرجعى إلى الله، وسيلته الوحيدة هي العقل.. وحتى يؤدي العقل هذا الدور لا بد من تربيته وتهذيبه، حتى يتخلص من عيوب الفكر، ويصبح عقلا مستقيما محايدا، يقول الأستاذ محمد عن العقل: (العقل عقلان: عقل المعاش، وعقل المعاد‏.‏‏. فأما عقل المعاش فهو القوة الّدرّاكه فينا، التي استلها من الجسد، الخوف من القوى الرهيبة التي هددت الحياة بالموت الذريع، منذ أول النشأة‏.‏‏. فهو، من أجل ذلك، قلق، مضطرب، خفيف، يجسد الخوف ويجسد الحرص‏.‏‏. وهو موكل بمجرد حفظ حياة الحيوان وحركته ليست فكرا، وإنما هي قلق، وخوف مما يجيء به المستقبل المجهول‏.‏‏. هو غريزي، وليس مفكرا‏.‏‏. هو شاطر، وليس ذكيا، وإدراكه علماني، وليس علميا‏.‏‏. وقد وردت الإشارة لهذين المعنيين قبل حين‏.‏‏. ومن هذا العقل يجيء الجبن، والحرص، وحب الإدخار، والبخل، وكل مذام الصفات‏.‏‏.) هذا العقل هو حليف الشيطان، الذي يجعل له سلطان على الفرد.. وذلك إذا لم يتم تجاوز هذا العقل، ستكون قوى الشر في الداخل وفي الخارج مسيطرة.. فالسبيل الوحيد لهزيمة الشيطان هو تهذيب، وترويض عقل المعاش، حتى يصبح عقل معاد.

الدين لا يفهم بعقل المعاش وإنما يفهم بعقل المعاد.. كل ما يؤديه عقل المعاش هو توفير المعلومات الأساسية في الشريعة التي يقوم عليها العمل في التقوى.. ولكن عقل المعاش وحده لا نصيب له من التقوى.. من أجل ذلك الوسيلة الوحيدة للتخلص من الشر، وتحقيق السير الأمن إلى الله هي عقل المعاد.. وعقل المعاد هو نفس عقل المعاش، بعد أن تتم تربيته وتهذيبه.. يقول الأستاذ محمود عن عقل المعاد: (وأما عقل المعاد فهو أيضا القوة الدّراكه فينا، وهو الطبقة التي تقع بين عقل المعاش، والقلب، هو أيضا خائف، ولكن خوفه ليس عنصريا، ساذجا، وإنما هو خوف موزون بالذكاء الوقاد، الذي يملكه حين يفقده عقل المعاش الشاطر‏.‏‏. عقل المعاد، موزون، رزين، وقور‏.‏‏. وهو أيضا موكل بحفظ الحياة، ولكنه لا يخاف عليها من كل ناعق، كما يفعل عقل المعاش، وذلك لأنه يملك موازين القيم‏.‏‏. فهو قد يستهين بالخطر الماثل، في سبيل الأمن الدائم، وهو قد يضحي باللذة العاجلة، ابتغاء اللذة العاقبة.. هو ينشغل بالحياة الأخرى، أكثر مما ينشغل بالحياة الدنيا.. عقل المعاد هو عقل الدين - هو الروح..). الإشارة إلى عقل المعاد تجيء في قوله تعالى: "فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ".. فالروح الإلهي المنفوخ في الإنسان هو عقل المعاد، ولذلك هو الوسيلة التي تتم بها العودة.. يقول الأستاذ محمود: (وعقل المعاش يتأثر بعقل المعاد، ويؤثر فيه، قال تعالى في العقلين: "الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ، وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاء، وَاللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلًا،وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ.." الشيطان هنا عقل المعاش، والرحمن عقل المعاد‏.‏‏. والشيطان داخلنا، وخارجنا‏.‏‏. خارجنا هو الروح الشرير الذي لا يأمر بخير، وداخلنا هو عقل المعاش، الذي ينصت للشيطان، ويأتمر بأمره‏.‏‏. وإنما هو داخلنا لأننا خلقنا مـن الطين المحروق بالنار، في حين خلق الشيطان من النار‏.‏‏. "خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ* وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ"‏.‏‏. وعقل المعاش حين يؤثر على عقل المعاد يزلزله، ويخرجه من وقاره، ويذهله عن قيمه، وإنما من أجل تهذيب عقل المعاش جاءت الشريعة‏.‏‏. فهي، بوسيلة العبادة، وبوسيلة العقوبة، تسيّر عقل المعاش ليتهذب، ويلتقي بعقل المعاد‏.‏‏.).. وحسب منهاج (طريق محمد) صلى الله عليه وسلم، هنالك برنامج واضح ومحدد الدرجات لتهذيب عقل المعاش، وتقويته.. وهذا البرنامج يقوم على التقوى، وهي كما ذكرنا، علم وعمل بمقتضى العلم.. العلم وهو: علم ما لا تصح العبادة إلا به.. ثم العمل.. والعمل في التقوى يكسب الفرقان، وهو نور في العقل به يتم التمييز بين قيم الأشياء، يقول تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ)، فالتقوى مستويات، والفرقان مستويات.. هذه المستويات تبدأ من درجة المؤمن العادي الذي يكون في مستوى الحلال البيّن والحرام البيّن، ثم درجة الورع، وصاحب اليمين، والبر، والمقرب، وسادستها درجة صاحب الاستقامة.. وهذه الدرجات الست هي في مقابلة النفوس السبع، غير أن النفس الأمارة لا ذكر لها هنا، لأنها دون مرتبة المؤمن العادي.. المهم أن التخلص من شر الشيطان لا يكون إلا بالعمل في الداخل الذي يقوم عليه التخلص من عقل المعاش والتحول منه إلى عقل المعاد.

هنالك وجه آخر للتخلص من الشر، ومن الشيطان، عن طريق العمل بالداخل، وتربية النفس، هذا الوجه يتعلق بموضوع الأنانية.. فالإنسان، كل إنسان، بطبيعته أناني.. بمعنى أنه محب لذاته، ولخير ذاته.. وهذه الأنانية، هي مصدر كمال الإنسان.. فهي التي تدفع للعمل.. ولكن الأنانية تقع في مستويين: مستوى الأنانية السفلى الجاهلة (الأنا).. والأنانية العليا، العالمة، (الأنت).. يقول الأستاذ: (إنما هي نفسك، إذن، ولقد قلنا: إنك ((أناني))، و((مغرض))، وقلنا إن كمالك في أن تكون ((أنانياً))، و((مغرضاً)).. ولكن يجب أن يكون واضحاً فإن الأنانية المحمودة إنما هي الأنانية ((العليا))، لا الأنانية ((السفلى)).. وأن الغرض المحمود لهو ((الغرض)) الذي يكون في ((جنب)) ((الله)).. لا في (جانب) (الدنيا).. وأنانيتك، إذن، تقع في مستويين: مستوى الأنانية ((السفلى)) ـــ ال ((أنا)).. ومستوى الأنانية ((العليا)) ــــ ال ((أنت)).. وأنت إنما يجب عليك أن تسير إلى أنانيتك العليا بمعارضة، ومجاهدة، دواعي أنانيتك السفلى.. وإنما عن هذه الأنانية السفلى جاء قول المعصوم: ((إن أعدى أعدائك نفسك التي بين جنبيك))..) .. فالأنانية السفلى عند الشيطان، والأنانية العليا عند الرحمن.. والسير إنما هو انتقال من معسكر الشيطان إلى معسكر الرحمن.. هذا هو معنى قولهم: (سيرك منك وصولك إليك)..).

 

(وفي السلوك: ((لا إله إلا أنت)) تعني نفي الأنانية السفلى.. والتشمير، والجد، في السير نحو الأنانية العليا.. فإنه، كما قلنا، فإن ((أنت)) في السلوك تعني ((نفسك العليا))، وهذا يعني نفي الهوى من العمل، وهو ما عناه المعصوم حين قال: ((لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به)).. وإنما هذا مأخوذ من إخلاص العبادة لله المطلوب في قوله تعالى: ((نَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ.. فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ* أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ.. وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ: مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَىٰ.. إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ.. إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ)).. ((ألا لله الدين الخالص)).. ((الخالص)) من شوائب أغراض النفس السفلى.. وأنت لا تستطيع أن تتخلص من شوائب أغراض النفس السفلى إلا بإتقان الصلاة في حضرتي ((الإحرام))، و((السلام)).. وقد تحدثنا عن حضرة ((الإحرام))، ونحن هنا في حضرة ((السلام)).. ففي المعاملة: ((لا إله إلا أنت)) تعني العمل من أجل الآخرين.. فإن ((أنت)) هنا تعني: ((صاحبك الآخر))، ابتداءً من زوجتك وانتهاءً بأبسط الأحياء، والأشياء، في بيئتك.. فليكن شعارك ((العمل للغير)) قل: ((أنت)) دائماً، ولا تقل ((أنا))، أبداً.. ((أنت)) دائماً.. ولا تنس: أن أقرب طريق إلى ال ((أنت)) التي هي ((نفسك العليا)) إنما هو العمل لإسعاد ال ((أنت)) التي هي: ((صاحبك الآخر..)).. إن أقرب السبل لإسعاد نفسك هو السبيل الذي يتجه إلى إسعاد غيرك.. فإن أنت اتخذت الطريق ((المباشر)) للبحث عن سعادة نفسك، فإنك من غير أدنى ريب، تصل إلى التعاسة، وبسرعة.. فأنت، إذا كنت زوجاً، فإن طريقك إلى السعادة الزوجية لا يتجه ((مباشرةً)) إلى إسعاد نفسك، وإنما، يتجه إلى إسعاد زوجتك.. وما يقال عن الزوج هنا، يقال عن الزوجة، بل ويقال عن كل إنسان: فإن الطريق إلى سعادة نفسك يقع في اتجاه إسعادك الآخرين.. فلتكن صيغة توحيدك ((الله)) التي تفكر فيها، دائماً، هي: ((لا إله إلا أنت)).. في مضمار العبادة، وفي مضمار السلوك، وفي مضمار المعاملة، على أن يكون فهمك، في كل أولئك، على نحو مما ذكرنا آنفاً.. فإنك إن تفعل تعش، دائماً، بين حضرتي الصلاة، وتكن، إذن، في ((صلاة دائمة)).. وهذا هو المراد منك..)

هذا الحديث عن الشيطان، ونهاية الشر، سيكون المدخل على حديثنا عن تحقيق الخير، والكمال.. فهو أمر إنما تكون بدايته بحل التعارض بين: الإرادة الإلهية والإرادة البشرية.. وبين الفرد وبيئته الطبيعية.. وبين الفرد والمجتمع.. ثم التعارض بين العقل الواعي والعقل الباطن عند الفرد.. حل هذا التعارضات هو السبيل الوحيد لتحقيق الخير، ولتحقيق الكمال.. والتحقيق في المجالين، له بداية وليست له نهاية..

يتبع

رفاعة
/////////////////////////

 

آراء

النتائج