(3)
نفسح المجال في هذه الحلقة للدكتور التجاني إبراهيم أبو شناح، أستاذ النحو العربي بالجامعات السودانية والسعودية؛ ليدلي بدلوه المترع ويحلق بنا بين الجزيرة العربية وفصيح الشعر الجاهلي وشعرنا السوداني من حيث دلالة المكان ودوره في تعزيز الانتماء الوطني.
درج الشعراء من قديم الزمان على ذكر الأمكنة شعرهم على مختلف أنواعه وضروبه. ولعلّ المتتبع للشعر الفصيح يجد ذلك ظاهرا وجليّا؛ ففي المطالع البُكائية على أطلال المحبوبة نجدهم يُكثرون من ذكر الأماكن بل يستنطقونها وينادونها فعسى أن تُجيب! فأمير الشعراء الجاهليين يُدبِّج لاميته المشهورة بقوله:
قِفا نبكِ من ذكرى حبيبٍ ومنزلِ بِسِقطِ اللوى بينَ الدَّخول فحَوْمَلِ
فتُوْضحَ فالمِقراة لم يعفُ رسمـها لِمــا نسجتـها من جنـوبٍ وشمــألِ
فذكر (سِقط اللوى) الواقع بين الدَّخول وحومل، واستطرد ذاكراً (تُوْضح، والمِقراة) في بيته الثاني. ودوننا عنترة العبسيّ، الذي أراد الفخر إلّا أنه بادرَ إلى ذِكْرِ (الجَواء) في بيته الثاني من ميميّته المشهورة:
يا دارَ عبلةَ بالجواء تكلّمي وعِمِي صباحاً دارَ عبلةَ واسلمي
وهنا يظهر الانتماء الوجداني للأمكنة إلى تلك الأمكنة التي غادرتها المحبوبة ورحلت عنها حيث رحل الأهل والعشيرة. وحتى الذي ابتدَرَ معلقته بالحديث عن الخمر لم يستغْنِ عن ذكر المكان، ولعلّ ذلك بدافع الانتماء الوجداني النابع من مزاج الشاعر تجاه مشروبه المفضّل (سليلة العنب):
ألَا هُبِّي بصحنكِ فاصْبحينا ولا تُبقي خمور الأندرينا
و(الأندرين) مدينة سورية تقع إلى الشمال الشرقي من مدينة حماة السورية وهي مشهورة بصنع الخمر، وما ذكرها الشاعر إلا حنيناً لها ولمشروبها المميز.
وإذا قفزنا من تلك الأزمنة القديمة إلى عصرنا الحديث، ومن ذاك الشعر الفصيح إلى شعرنا الشعبي السوداني بلغته المحليّة الدارجة، نجد شعراءنا وشاعراتنا قد أكثروا من ذكر الأمكنة، وما ذلك إلا بدافع الانتماء إلى هذه الأماكن؛ فالمكان لا يتوارد على مخيّلة الشاعر إلا إذا كان هناك نوع من العلاقة بين الشاعر وبين ذلك المكان، وهذه العلاقة هي التي تحدد نوع الانتماء بينهما، فمن ذلك انتماء المنْشأ وانتماء الموطن، أو انتماء الوجدانيات العاطفية المختلفة؛ كمنازل الأحباب الدائمة أو المؤقتة، أو حتى مرور المحبوب بهذا المكان أو ذاك، أو انطلاق رحلة الشاعر إلى ديار المحبوبة، وغير ذلك الكثير من الدوافع التي تجبر الشاعر على إيراد مجموعة تقلُّ أو تكثر من الأمكنة؛ ممّا يجعل من الشعر السوداني سجلّاً حافلاً للأمكنة المختلفة شرقاً وغرباً وجنوباً وشمالاً ووسطاً. فهذا شاعر البطانة أحمد ود عوض الكريم ود اب سِن في مسداره المشهور الذي تسمّى باسم المكان الذي انطلق منه الشاعر، مسدار (رفاعة)
رفاعة الرُّبَّة قافـاها البليب طربـــان
ناطح المنو ميزان عقلي مو خربان
مشتول السواقي البي اللدوب شربان
بعيدة بلودو فوق في باديــة العربان
وهناك مسدار (تنبول) كذلك، فقد أخذ اسم المكان الذي انطلق منه الشاعر:
(تنبول) قافا عشاشا وعِنا الجبّال
قرعب ودوبا هقلوباً لقى التربال
عارف سيدو بايت جِتّة من غير بال
نيتو يماسي فرقان السَّحي الما قال
وإذا تركنا مسادير البطانة وانطلقنا إلى شمال كردفان، نجد نماذج لا حصر لها من الشعر الذي تطرق أصحابه إلى إيراد الأمكنة فيه، شوقاً وحباً واعتزازاً وانتماءً، بل ولجوءاً وارتماءً في أحضان تلك الأمكنة أحياناً هروباً من عناء الغربة أو مشقة السفر والحياة عموماً، فمن ذلك قول أم مقيس الفرحانية:
يا أم زور بعد النيمة
شلع برّاق دار ميمة
شدّ اللّي كزيزيمة
وعقر الهب نسيمة
فـ (دار مِيمة)، في بادية دار فور، هي مكان نشوغ الإبل التي يرعاها محبوب الشاعرة، فوجدان الشاعرة مرتبط بهذا المكان؛ إمّا لأنه تتشوق لرؤيته فترحل إليه مع أنعامها وشريك حياتها ليتم الهناء هنالك، وإمّا خوفاً من ابتعاد حبيبها عنها وقت رحيله مع إبله إلى ذاك المكان. ونجد شاعرنا المرحوم عمر ود أبوشناح يقول:
كان غنيت ما بِتغانا لي الغنّامة
وكان جنيت أبدا ما عليّ ملامة
أب رقبة السكونه (ام سنطة) و(الجمّامة)
ناس حامد بدقّولو الدهب حوَّامة
ويظهر جليا انتماء الشاعر وجدانيا لهذين المكانين: (أم سنطة) و(الجمّامة) الواقعَين في الشمال الغربي لبادية شمال كردفان؛ بسبب موطن محبوبته.
وذات الشاعر ربما حنّ إلى دياره ومضارب حياته الأولى (دار الريح) بشمال كردفان، وهو في غربته في (الدمازين) و(رورو) و(دناقر) ديار الأنقسنا، فقال:
برّاق الدمازين الليلة صبّ القايلة
خبط ناس (رُورو) والموية جاتكم سايلة
يا الحارسين (الكعاكل) المايلة
عودوا بلدكم إن شاء الله الدناقر طايرة
ومما تغنّى به الفنان الطروب، شفاه الله وحفظه، عبد الرحمن عبد الله:
مُر بي بارا وديك أم روابة
والأبيض غرِّبْ حبابا
*** ****
كردفان الصيد في قويزو
والشباب النفخر بي كنزو
والتبلدي الشامخ بعزو
يا حليلا عروس الرمال
فذكر الشاعر جملة من الأماكن حنينا وانتماءً لها، فخص بالذكر (بارا، وأم روابة، والأبيض) وعمّم بذكر الإقليم كاملاً (كردفان) و (عروس الرمال) وما تشتهر من نبات أصبح شعاراً لها (التبلدي).
المكان وتعزيز الانتماء عبر الأغنية السودانية “4”
ذكر الأماكن بغرض تعزيز الانتماء لا يقتصر على الشعر الغنائي، بل هو شائع في كثير من ضروب الفن والإبداع والتراث، بما في ذلك المديح النبوي الذي يفيض ويعبق بذكر الأماكن المقدسة في الحجاز ويورد ذكرا للمواقع التي يمر بها الحجيج أو تلك التي يقيم فيها المشايخ والعلماء والمريدون. وفي حلقة هذا الأسبوع من ومضات يطوف بنا الدكتور المهدي موسى عبد الله أستاذ الأدب الإسلامي بجامعة أم درمان الإسلامية، عبر سياحة تلذ لها أذهان القراء. وبما أنه شاعر مرهف وصاحب ذوق شفيف، تخير لنا الدكتور المهدي نماذج تنبض بالانتماء وتلتزم بموضوع الحلقات سيما وأنها ترتبط بتلك النفخات الروحية المعهودة في شعر المديح النبوي لدى شعراء هذا الفن الرفيع في بلادنا الحبيبة وهم بذلك يرسخون مقولة إن حب الأوطان من الإيمان.
إن المستمع والقارئ لديوان المديح النبوي السوداني، يجد أن أكثر الأماكن ذكراً فيه، هي الأماكن المقدسة؛ “المدينة ومكة وما حولهما والقدس، مسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم”، كيف لا وهي مهبط الوحي ومأوى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومهد الإسلام وقبلة المسلمين! وهذا أسطع البراهين على محبة السودانيين الخالصة لله ولرسوله وللدين وشرائعه. ففي ديوان الشيخ البرعي – رحمه الله – الشيء الكثير من ذلك، يقول في مطلع أحد قصائده:
الشوق للمدينة ومكة
خلي متين نقوم بالسكة
وسائر القصيدة ترغيب في زيارة تلك البقاع الطاهرة، وإنك لتلحظ أنه – رحمه الله – لا يريد أن يستأثر بالزيارة وحده؛ وإنما يدعو صحبه وأخلاءه ليصحبوه إليها فيتحقق لهم الفوز جميعاً. وللشريف يوسف الهندي – رحمه الله – قصيدة آسرة مطلعها:
صليت والسلام
للهادي والكرام
دائماً ما ناح الحمام
يخاطب فيها ما يصوره لنا بأنها ظبيةً أضحت أثيرة لديه محبوبة إليه، فيقول:
يا ظبية السِلام
مرعاكِ في البشام
هل جُزتِ للمقام
الشيح والخزام
يسألها مستفسراً عن سر الطِيب الأخّاذ الذي يفوح منها، ثم يسترسل في أسئلته:
هل أنتِ من الروم
أم توتي والخرطوم
من حسنك المعدوم
أصبحتُ كالمسموم
فالأماكن المذكورة هنا، ارتباط الشيخ الهندي وثيقٌ بها وانتماؤه إليها قوي لدرجة أنه ظنّ أن الحسن الفريد والعَرف الطيب الذي بدا له من تلك الظبية لا يتوفر إلا في هذه الأماكن. لكنها أجابته بما بدد ظنونه بأنها من أماكن أقدس وأعز عليه من أماكنه المذكورة، قال:
قالت فما أنا
من توتي أو هنا
بل جئتُ من مِنى
والشعب الأيمنا
فيهشُّ لها بالبشرِ والترحاب حينما يتبيّن له أنها من أماكن انتمائه الروحي الوجداني الأسمى، يقول:
قُت ليها مرحبا
بالأرض الطيبة
أرضا ً محصبة
بالبيت واللبا!
وكذلك نجد الشاعر ود الفرّاش – رحمه الله – في قصيدته الذائعة المنظومة على وزن الدوبيت والتي مطلعها:
يا بلد الرسول فوقك بجر القافية
يا وطن الرجال أهل السريرة الصافية
لقلبي السقيم فد نظرة منك شافية
شوقي عليكِ زي شوق المريض للعافية
والمستمع لمدائح الشيخ الحاج حمد حياتي والشيخ أب شريعة وحاج الماحي – رحمهم الله جميعاً-وغيرهم مما لا يُحصى من مادحي الحبيب صلى الله عليه وسلم في السودان، يجد ما يفوق الحصر من ورود ذكر المدينة ومكة وما حولهما في مدائحهم. ولا يخفاك الأثر العظيم الذي تحدثه مثل هذه المدائح المصحوبة بروعة الآداء واللحن الطروب الحنين، في تعزيز الانتماء وتوثيق الصلة بتلك الأماكن والمزارات الشريفة. والمكان في المدائح النبوية السودانية لا يقتصر بالطبع على هذه المناطق المقدسة، وإنما تجد ذكراً لأماكن كثيرة يكون للشيخ الشاعر بها صلة وارتباط؛ إما لوجود أخ له في الله فيها، أو أن تكون موطنًا لأحد قدواته وأشياخه في الطريق أو بلداً لمحبيه ومريديه وغير ذلك. وفي ديوان البرعي – رحمه الله – كذلك ذكرٌ كثير لمواطن متعددة، فللشيخ قصيدة عنوانها: الحلّال [جمع حلة وتعني الحي أو القرية] يقول في خاتمتها، بعد دعاء صادق وملح بأن تتنزّل الرحمات وأصناف النعم على تلك المناطق وسكانها:
من غرب الزريبة ولشروق سنار
جملة الساكنين والبي الحواري جوار
أم دم وأم صميمة وسائر الحفار
الروكب وأم ضعينة، مريخة، قول كوفار
جوامعة وجمع، بزعة، وبني جرار
اليرعوا الغنم والإبل والأبقار
دار حامد شرق غربيها واسعة الدار
حلّال الرهد لعند بريمة النار
مجرور والبنية وزايدة للشوقار
كافة المسلمين في سائر الأقطار
هذه المناطق المذكورة كلها من قرى شمال كردفان، عدا سنار المعروفة. الشاهد في ذلك أن ذكر الأماكن في ثنايا المدائح النبوية كثيرٌ ما يرِدُ للأغراض المذكورة وغيرها، ولا يرد بالضرورة من أجل تعزيز الانتماء، لكن هذا – أعني تعزيز الانتماء – يأتي بعد ذلك كنتيجة حتمية لورود ذكر الأماكن والتغني بها.
ذكر الأماكن شائع جداً في قصائد المديح النبوي مثلما نجد في قصائد الشيخ صديق الأزهري الذي يقول:
النسيم من فاس هبّا في المجلد
عطّر الأنفاس بالجلاد والند
وقول الشيخ الهدي:
القدم بالباك فوق ذلول قالوا طالب والد البتول
tijani@hejailanlaw.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم