عبد المنعم عجب الفَيا
المنهج في الدراسات الإنسانية من بحوث ومقالات ومحاضرات وغيرها، ما هو اي طريقة في التناول واسلوب لعرض الفكرة وليس الفكرة ذاتها. المنهج لا ينتج فكرا ولا معرفة فهو ليس أكثر من “خطة عمل” لعرض الموضوع ووسيلة لتنظيم الأفكار وجمع الإستدلالات وترتيب الحجج والاسانيد.
المنهج لا يخلق الموضوع ولا يولد الفكرة ولا يدلل على صحة الطرح وسلامة الحجة ولا يضمن توافق المقدمات مع النتائج. ولذلك إذا كانت الفكرة صحيحة وتستند الي حجج قوية ومتماسكة، فإن اختلاف المنهج في معالجتها أو عرضها لا يغير فيها شيئا.
دعنا نفترض ان الفكرة أو وجهة النظر المراد البحث فيها والتدليل عليها، مدينة نود السفر إليها. في الظروف الطبيعية سوف يوجد اكثر من طريق يقودنا الي هذه المدينة منها الطريق المعبد المستقيم الذي يوصلنا في أسرع وقت ممكن، وهناك الطريق المتعرج الطويل غير المعبد الذي ياخر وصلنا، ولكن في النهاية سنصل المدينة، اي طريق سلكنا، إذا كانت موجودة حقا.
كذلك الفكرة يجوز عرضها والتدليل عليها بأكثر من منهج. فاختلاف المناهج لا يغير في الحقيقة شيئا. الفكرة الواحدة يمكن عرضها ومناقشتها بأكثر من منهج. ولذلك من الخطأ الاعتقاد ان اختلاف المناهج بين الكتاب والباحثين يؤدي إلى اختلاف في الآراء ووجهات النظر. وهذا الخطأ ناتج في أغلب الأحيان عن الخلط بين المنهج والمذهب. المذهب غير المنهح. المذهب هو الإطار المعرفي الذي تستند اليه الفكرة أو النظرية ولذلك من الطبيعي والمنطقي ان يقود اختلاف المذاهب أو النظريات الي اختلاف في وجهات النظر. اما اختلاف المناهج فينبغي الا يؤدي إلى اختلاف في الفكرة ذاتها ذلك أن المنهج كما سبقت الإشارة ما هو الا وسيلة أو أداة اجرائية في عرض الفكرة أو هكذا ينبغي أن يكون. والباحث أو الكاتب ليس في حاجة ان يعلن عن الطريقة أو الأسلوب الذي سيعرض أو يتناول به موضوع البحث. فالمنهج يحدث عن نفسه ، وطريقَة العرض هي التي تكشف عن المنهج الذي اتبعه الكاتب و الباحث في مقاربة الفكرة ومعالجة الموضوع.
ولكن المتامل للحركة الفكرية والثقافية، يلاحظ ان هناك تركيزا مبالغا فيه من البعض على المنهج وادواته، حتى كاد ان يتحول المنهج لديهم إلى غاية في حد ذاته لا مجرد وسيلة لعرض المعرفة. حيث يجرى تجاهل الفكرة والموضوع وينصب الحجاج كله حول المنهج. والبعض يفعل ذلك بغرض تحاشي مناقشة الفكرة وتوظيف قضية المنهج كسلاح لقهر الخصم، وإطلاق دعاوي مثل “غياب المنهج” أو “عدم التزام المنهجية” كذرائع شكليّة لصرف النظر عن جوهر الفكرة. فعندما يعجز المناقش عن تفنيد الفكرة أو الحجج المطروحة، يلجأ إلى التشكيك في “منهجية” الطرف الآخر للهروب من النقاش الموضوعي، أو أن يلجا الي استغلال ادوات المنهج لفرض الوصاية الفكرية وممارسة سلطة إقصائية تجعل التفكير حقًا محتكرًا لمن يستخدمون لغة منهجية معينة أو مصطلحات محفوظة سلفا. فيقاس عمق الطرح وقيمته بكثرة الإحالات والمصطلحات المنهجية المبتدعة، لا بمدى جودة الفكرة وقدرتها على التحليل والاقناع. كما ان بعض الكتاب يتخفى خلف المنهج وادواته لإضفاء شرعية متوهمة على أفكار ضعيفة وحجج متهافتة.
عبد المنعم عجب الفَيا
١٠ أغسطس ٢٠٢٦
abusara21@gmail.com
