المواءمة بين عملية يونيتامس التشاورية ولاءات لجان المقاومة التصادمية .. بقلم: بروفيسور/ مكي مدني الشبلي/المدير التنفيذي – مركز مأمون بحيري


تمهيد:
أطلقت بعثة الأمم المتحدة المتكاملة لمساعدة الانتقال في السودان )يونيتامس( في 8 يناير 2022 عملية تشاورية (Consultative Operation) لمعالجة الاحتباس السياسي في السودان. وشددت البعثة على أنها لم ولن تقدم مشروعاً أو مقترحاً للسودانيين لحل الأزمة، وأكدت أن مهمة يونيتامس تقتصر على تسهيل عملية الحوار ومرافقة الشعب السوداني بمختلف مكوناته للخروج من الأزمة السياسية. وأوضح المسؤول الأممي فولكر بيرتس ممثل الأمين العام للأمم المتحدة أنه سيجري مع فريقه محادثات غير مباشرة مع جميع الأطراف، مشدداً على أن الأمم المتحدة لن تأتي بأي مشروع أو مسودة أو رؤية لحل ولن نتبنى مشروعاً لأي جانب. وأشار إلى أن الحل الناجع للمشكلة متروك للسودانيين والسودانيات. وأكد على أن العملية التشاورية ستبدأ بمشاورات أوّلية مع أصحاب المصلحة بما في ذلك الحكومة والجهات السياسية الفاعلة وشركاء السلام والحركات المسلحة والمجتمع المدني ولجان المقاومة والمجموعات النسائية والشباب. وأفاد بأن يونيتامس على استعداد لتيسير اتخاذ خطوات إضافية في مرحلة لاحقة بحسب الاقتضاء وربما بالاشتراك مع شركاء آخرين غير أنّ هذا يتوقّف على نتائج المشاورات وعلى طلب الأطراف السودانية.

التقنيات السلمية لنزع فتيل الاحتباس السياسي في السودان:
قبل أن تشرع الكيانات المعنية بالعملية التشاورية في اتخاذ مواقف مستنيرة منها ينبغي الوقوف عند التقنيات المتاحة لفض النزاعات حتى تأتي هذه المواقف متسقة مع متطلبات المرحلة الدقيقة التي يمر بها السودان التي تستدعي قدراً عالياً من تعظيم الحكمة وحسن التدبير. وتنبع أهمية هذه الوقفة من هيمنة شعار “لا تفاوض لا مساومة لا شراكة” مع العسكريين الذي تتبناه القوى الشعبية والسياسية منذ انقلاب الجيش على السلطة الانتقالية الشرعية في 25 أكتوبر 2021. ونظراً لأن هذا الشعار يمثل المرتكز للرفض الواسع للانقلاب الذي تقوده لجان المقاومة وتتبعها المكونات السياسية، ينبغي التأمل في التأثير المتبادل بين هذا الشعار والعملية التشاورية التي طرحتها يونيتامس في ضوء الاستيعاب اللازم لجوهر ودلالات تقنيات معالجة الاحتباس السياسي في السودان حتى يتم اتخاذ المواقف من العملية بناء على دراية مستنيرة لتفادي الآثار السلبية المترتبة على الخلط بين المصطلحات. وتشمل هذه التقنيات ما يلي:

الجدال (Argument):
وينطوي على قيام أطراف النزاع في السودان بإجبار بعضهم البعض على قبول وجهة نظرهم. ويتجسد الجدال فيما قام به قائد الجيش في 25 أكتوبر 2021، وما ترتب عليه من قيام لجان المقاومة من فرض رأيها بالطرق السلمية المشروعة التي تشمل التظاهر والإضراب والعصيان.

المشاورات (Consultations):
وتعني تقليب الآراء المختلفة ووجهات النظر المطروحة واختبارها حتى يتم التعرف والوصول التوافقي إلى أصوبها وأحسنها للعمل به لتحقيق افضل النتائج لمعالجة الاحتباس السياسي الماثل. وهذا هو ما ترمي إليه عملية يونيتامس في المرحلة الحالية كمرحلة أولى لتجنيب السودان السقوط من شفير الهاوية.

 

المناقشة (Discussion):
وتشمل استماع أطراف النزاع في السودان إلى بعضهم البعض من أجل فهم جميع وجهات النظر بحيث يتم تقديم الآراء المتعارضة والدفاع عنها بهدف قبول الطرف الآخر لآرائهم الخاصة وينصب التركيز في المناقشة على تحقيق الفوز بدلاً من التعلم وصولاً للحقيقة.

الحوار (Dialogue):
وينطوي على تعبير أصحاب المصلحة في السودان عن آرائهم حول الاحتباس السياسي الراهن ولكن لا يحاولون بالضرورة الوصول إلى فهم وجهة نظر الطرف الآخر أو الوصول لاتفاق بين الطرفين. وهذا هو ما ترمي إليه يونيتامس باستعدادها لتيسير اتخاذ خطوات إضافية في مرحلة لاحقة بحسب الاقتضاء وربما بالاشتراك مع شركاء آخرين غير أنّ هذا يتوقّف على نتائج المشاورات وعلى طلب الأطراف السودانية. ويمثل الهدف الأساسي للحوار توسيع الأفكار المتباينة وليس التقليل منها بحيث لا يتعلق الأمر بالفوز والخسارة ولكن باستكشاف كل خيار والتوافق على فعل الصواب.

التفاوض (Negotiation):
وهو فن جلب أطراف الصراع في السودان إلى نتيجة مقبولة بشكل عام بحيث تبدي هذه الأطراف استعداداً لتقديم تنازلات لتسوية الأزمة السياسية الراهنة. وعادة ما ينتهي التفاوض ينتهي بإبرام صفقات أو اتفاقات ويتم ضمن خطة زمنية محددة.

المساومة (Bargaining):
وهي اتفاق بين أطراف الاحتباس السياسي في السودان فيما يتعلق بما سيفعله كل طرف للطرف الآخر للوصول لصفقة. وهذا ما ترفضه لجان المقاومة وتقدم في سبيل ذلك الشهداء والمصابين والمعتقلين.

الوساطة (Mediation):
تشمل تدخل طرف ثالث محلي أو إقليمي أو أممي محايد ونزيه من أجل حل الخلاف بحيث يكون حكمه ملزم لأطراف النزاع. وهذا ما لا ترمي له عملية يونيتامس، وأثبت فشلاً في محاولات محلية متعددة.

الحوار الميسر (Facilitated Dialogue):
أكدت تجربة الاحتباس السياسي في السودان أن المواجهات الدامية بين العسكريين ولجان المقاومة بوصفهما الفاعلَين الرئيسيين يمكن تحاشيها بالحوار المسؤول للوصول لقواسم مشتركة بين الطرفين. وذلك يحتاج لميسر (Facilitator) يساعد على الانخراط في حوار وطني مسؤول يلبي رغبات ثوار ديسمبر. وفي حالات الاستعصاء بين الطرفين الفاعلين يقوم الميسر بلعب دور الوسيط (Moderator) للمساعدة على تجاوز الجدل غير المنتج والتشجيع على التفكير الإبداعي من خلال تأطير القضايا من خلال ثلاثة مناهج بدلاً من منهجين لمعالجة الاختلاف. وبهذا المفهوم فإن دور الميسر والوسيط في مساعدة لجان المقاومة والعسكريين للوصول لقواسم مشتركة حول القضايا الخلافية بالكفاءة والفاعلية المطلوبة خلال فترة وجيزة. ويمكن أن يقوم بدور الميسر في إطار عملية يونيتامس فريق هجين يضم خبراء أمميين ونظير من مراكز التميز السودانية (Counterpart).

التفاعل المحلي والدولي مع عملية يونيتامس التشاورية:
لاقت عملية يونيتامس التشاورية ردود أفعال متباينة من القوى السياسية والمدنية في السودان. وأبدت بعض الأحزاب ترحيباً بالعملية واستعداداً للتعاون معها، كما أيدها العسكريون وطالبوا يونيتامس بضم الاتحاد الإفريقي لها. بينما رفضتها كيانات أخرى طالبت بسلطة مدنية كاملة. وتضمنت الجهات الرافضة كلاً من تجمع المهنيين والحزب الشيوعي. وأبدت لجان المقاومة رفضها للعملية الأممية إذا لم تؤدِ لإنهاء الحكم العسكري وتسليم السلطة كاملة للمدنيين. أما قوى الحرية والتغيير القيادة المركزية فقد أكدت تعاطيها الإيجابي مع أي جهد دولي يساعد في تحقيق غايات الشعب السوداني في مناهضة الانقلاب وتأسيس دولة مدنية ديمقراطية. وتجدر الإشارة إلى أن تفاعل الكيانات المحلية مع العملية الأممية رهين بموقف لجان المقاومة التي تخشى هذه الكيانات من تبني موقف تجاه عملية يونيتامس لا تؤيده تلك اللجان، حيث أثبتت التجربة منذ قيام انقلاب 25 أكتوبر 2021 أن لجان المقاومة هي صاحبة الكلمة الأعلى في كيفية التعاطي مع الانقلاب.
أما على المستوى الخارجي فقد وجدت العملية التشاورية الأممية ترحيباً إقليمياً ودولياً واسعاً شمل الرباعية المكونة من السعودية والإمارات ومصر والولايات المتحدة، والاتحاد الأوروبي، ودول الترويكا، وجامعة الدول العربية، ومنظمة التعاون الإسلامي.

احتواء التنافر بين بين عملية يونيتامس ولاءات لجان المقاومة:
تمثل لاءات لجان المقاومة الثلاث “لا تفاوض لا مساومة لا شراكة” العقبة الكأداء أمام نجاح عملية يونيتامس لنزع فتيل الاحتباس السياسي في السودان. ويرد ذلك لهيمنة لجان المقاومة المستحقة على الساحة السياسية في السودان في أعقاب انقلاب 25 أكتوبر، حيث أدت صلابتها في مواجهة الانقلاب إلى فشله في تنفيذ وعوده بتكوين حكومة كفاءات وتشكيل المجلس التشريعي واستكمال الهياكل الدستورية رغم انقضاء أكثر من ثمانين يوماً على تسلم الجيش للسلطة. ومن ناحية أخرى تشير الدلائل إلى انقياد كافة الكيانات السياسية في السودان للمواقف التي تتخذها لجان المقومة نحو الأزمة اتي تعيشها البلاد. ومن ثم فإن فرص نجاح العملية الأممية رهين بتواؤم آلياتها مع لاءات لجان المقاومة التي لا تستطيع الكيانات السياسية تجاوزها. ومن ناحية أخرى فقد أفرزت ثورة ديسمبر شعوراً طاغياً بضرورة اضطلاع الكيانات الوطنية بلعب الدور الأبرز في الجهود الرامية لتحقيق أهداف الفترة الانتقالية لضمان الملكية الوطنية (National Ownership) للمخرجات. وحتى يتم إضفاء الطابع المحلي الضروري لنجاح عملية يونيتامس التشاورية بمشاركة الوطنيين في فلاحة آلياتها (Homegrown) ، هناك ضرورة للإشراك الفعلي لمراكز التميٌّز الوطنية في تيسير الحوار المأمول بين المكونات الفاعلة في الاحتباس السياسي الراهن في السودان.
وعليه فإن دور الميسر الأممي (يونيتامس) ونظيره الوطني (مراكز التميُّز) يجب أن يركز بداية على ضرورة اصطحاب لجان المقاومة بوصفهم المفتاح لنجاح أية عملية لنزع فتيل الاحتباس السياسي الراهن. ويتطلب ذلك التوضيح للجان المقاومة بجلاء أن العملية الأممية التشاورية لا تستهدف إجراء “التفاوض” المرفوض بين اللجان والعسكريين، بل اتاحة الفرصة للجان للتعبير عن آرائهم حول البدائل المتاحة لنزع فتيل الاحتباس السياسي الراهن دون التأثير عليهم للوصول لاتفاق مسبق مع الطرف الآخر. كما يجدر أن تتم إحاطة لجان المقاومة بأن العملية الأممية ترمي في مراحلها اللاحقة إلى إجراء “حوار ميسر” يلبي رغبات ثوار ديسمبر في الحكم المدني المؤدي للتحول الديمقراطي المنشود بنهاية الفترة الانتقالية من خلال تأطير الاحتباس السياسي الراهن من خلال ثلاثة مناهج بدلاً من منهجين لمعالجة كيفية تحقيق الانتقال للحكم المدني المكتمل دون إراقة المزيد من الدماء الغالية. ويتطلب النجاح في ذلك الهدف تشجيع لجان المقاومة على الانخراط المباشر في دورات مكثفة لبناء القدرات لتعزيز وعيها السياسي والتنظيمي لتهيئتها للاضطلاع بدور طليعي مستحق بالمشاركة الفاعلة في أجهزة الدولة خلال ما تبقى من الفترة الانتقالية، وما يعقبها من النظام الديمقراطي المأمول. ونظراً للأهمية الكبيرة لبرامج بناء قدرات لجان المقاومة في نجاح العملية التشاورية الأممية ينبغي ليونيتامس وشركائها الدوليين الشروع المباشر في تنفيذ هذه البرامج بالتعاون مع مراكز التميُّز الوطنية، ومن ضمنها مركز مأمون بحيري.

melshibly@hotmail.com


أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!

2 shares