بسم الله الرحمن الرحيم
زورق الحقيقة
أبوهريرة زين العابدين عبد الحليم
اواصل في الإجابة على الصور النمطية التي نسجت عن الحرب يتم ترديدها كثيرا وتحتاج لتفكيك بنيوي، حيث تتواصل المأساة السودانية، وتتمدّد زخات الرصاص فوق رؤوس السودانيين، يقفز سؤالٌ محوري كثعبان، ما هو الموقف الوطني الصحيح من الحرب؟ هل يكفي أن نقف على مسافة واحدة من الأطراف المتحاربة ونسمّي ذلك حياداً؟ أم أنّ الحياد في لحظة الانهيار الوطني الشامل يتحوّل إلى شكلٍ آخر من أشكال التواطؤ الصامت الذي هو ديدن من يقف مع طرفي الحرب ويدعم حبكتهم ودعايتهم العسكرية التي ليست سياسية او عقلانية بالضرورة.
الحقيقة التي يجب تثبيتها بوضوح هي أنّ الوقوف ضد الحرب ليس حياداً، بل هو موقف وطني مستقل يرفض الاصطفاف مع مشاريع القتل والدمار، ويضع مصلحة الوطن فوق مصالح القادة المتحاربين وازلامهم، لو سألت أي مواطن متضرر من الحرب سيقول لك اريد الرجوع لمنزلي واعيش في امان على غير عادة أصحاب الحلاقيم الكبيرة الذين ينفخون كير الحرب. فلا توجد أمة تبنى بالحرب أو في ظل حرب ومهما كثر المطبلون للحرب، فكيف يقتنع من له عقل او القى السمع وهو شهيد ان الحرب خيار ممتاز وعاقل فهي محض شر، ومهما كانت أحاديث دعاة الحرب والذين يستفيدون من اقتصاد الحرب وعيالهم يدرسون في المدارس والجامعات الخارجية بينما بعض الأطفال لم يزوروا ساحة مدرسة لمدة ثلاث سنوات حسوما وأكثر.
الاصطفاف مع أي طرف مسلّح يعني الانحياز السياسي، والمشاركة ولو رمزياً في استمرار الحرب نفسها. فكل خطاب يبرّر العنف، وكل دعم يُقدَّم لطرفٍ من أطراف الصراع، يتحوّل إلى وقودٍ إضافي يطيل عمر المأساة بدل ايقافها.
وطننا اليوم لا يحتاج للمزيد من المقاتلين والمليشيشيات والحشد للحرب الكريهة، بل ما نحتاجه موقف وطني يرفض الحرب بوضوح ويسعى لايقافها فورا، ويعلن أنّ حياة السودانيين أهم من حسابات جنرالات الحرب واتباعهم وانها رجس من عمل الشيطان. فالطرفان متساويان في المسؤولية والقدرة على التدمير الذاتي للوطن ومهما كانت الادعاءات الجوفاء. رفض الحرب يعني رفض المشروعين معاً، ورفض تحويل السودان إلى ساحة صراع إقليمي ودولي، ورفض أن يُختطف مستقبل البلاد بين قوتين مسلّحتين وتدمير مستقبل أجيال كاملة. فالوقوف ضد الحرب هو انحياز للوطن، وليس انحيازاً لطرف من أطراف الحرب العبثية.
والحرب هي سياسة بشكل عنيف كما يقول احد الفلاسفة وهي ليست حدثاً عابراً، بل مشروعاً سياسياً واقتصادياً وأمنياً له مصالحه وشبكاته واقتصاده. لذلك لا يمكن هزيمته بالشعارات، بل بمشروع وطني متكامل يقوم على ثلاثة أعمدة رئيسة:
- سلام شامل يعالج جذور الأزمة ويوقف دورة العنف.
- إعادة بناء الدولة على أساس المؤسسات والقانون، لا على أساس المليشيات والتكوينات دون القومية.
- إعادة الإعمار لإعادة المدن والقرى إلى الحياة، وإحياء الاقتصاد، وعودة النازحين واللاجئين إلى بيوتهم.
هذه الأعمدة ليست ترفاً سياسياً، بل شرطاً لبقاء السودان نفسه والمواطن.
على القوى السياسية والمدنية أن تتجاوز خطاب “النصر العسكري الحاسم” الذي أثبت فشله واستحالته في هذا النوع من الحروب التي لا منتصر فيها، وأن تتبنّى خطاباً وطنياً جديداً يضع السلام في مركزه. كما أنّ على المجتمع المدني والقوى السياسية أن يرفعوا أصواتهم فوق صوت الحرب، وأن يرفضوا تحويلهم إلى وقود لصراع لا يخدم إلا أمراء الحرب وبيادقهم.
اذن الوقوف ضد الحرب ليس حياداً، بل هو موقف وطني شجاع يرفض الاصطفاف مع مشاريع الدمار الذاتي الشامل، ويطرح بديلاً يعيد للسودان بوصلته. فالسودان لا يُنقذ بالقتل والسحل والانتقام، بل بوحدة أبنائه وبناته حول مشروع ينهي الحرب ويعيد بناء الدولة على أسس جديدة. فاذا تعذر إقامة تحالف وطني بديل لمشاريع الحرب يمكن التفكير في تحالف بين التحالفات والاتفاق على البديل الوطني الجامع لهزيمة مشروع حرب داحس وغبراء السودان.
