بقلم: لوال كوال لوال
الكراهية ليست مجرد شعور عابر، بل حالة نفسية مركبة تتجلى في الانسحاب، والاشمئزاز، والنفور، وقد تتطور إلى عداء صريح أو انعدام كامل للتعاطف. وهي في جوهرها تعبير عن رغبة في الإقصاء أو العزل أو حتى التدمير الرمزي أو الفعلي لما يُكره. وغالبًا ما تنشأ هذه المشاعر من خوف متجذر، أو تجربة سلبية سابقة، أو تصورات ذهنية مشوشة تغذيها البيئة المحيطة. وفي كثير من الأحيان، تتشابك الكراهية مع مشاعر أخرى متناقضة، كالحب، في علاقة معقدة تجعل الإنسان أسيرًا لصراعات داخلية لا تهدأ. أما الانتهازية، فهي الوجه الآخر للعملة؛ سلوك واعٍ يقوم على استغلال الظروف لتحقيق مكاسب شخصية، دون اكتراث يُذكر بالمبادئ أو بالعواقب التي قد تلحق بالآخرين. إنها فلسفة نفعية تُقدّس المصلحة الذاتية، وتُبرر كل الوسائل، سواء كانت مشروعة أو غير مشروعة. ولا تقتصر الانتهازية على الأفراد فقط، بل تمتد لتشمل الجماعات والمؤسسات، بل وحتى الأنظمة السياسية بأكملها. في هذا السياق، لم يكن حظنا—نحن أبناء هذا الجيل—أفضل من غيرنا، بل ربما كان أكثر قسوة وتعقيدًا. فقد وُلدنا ونشأنا في ظل بيئات اجتماعية وسياسية مضطربة، شكّلتها عقود من الحروب الأهلية الممتدة من عام 1955 إلى 1972، ثم من 1983 وحتى يومنا هذا. لم يكن هذا الواقع وليد الصدفة، بل نتيجة تراكمات تاريخية عميقة، حيث تزاوجت الصراعات مع المصالح الذاتية، وتغلغلت في نسيج المجتمع حتى أصبحت جزءًا من بنيته. لقد عشنا في ظل مغالطات تاريخية كبرى، تم فيها تزييف الوعي وتجميل القبح، إلى أن انكشف المستور وظهرت الحقيقة عارية: واقع لا يسر صديقًا ولا عدوًا. فجنوب السودان، كدولة حديثة، لم يُتح لها أن تنشأ في بيئة صحية، بل وُلدت في رحم مثقل بالفشل، والقبلية، والجهوية القاتلة. نشأت في مناخ يغيب عنه الصدق والشفافية، حيث يُغض الطرف عن الأخطاء، بل ويُكافأ أصحابها أحيانًا. لقد ارتبطت التجربة السياسية في جنوب السودان، في كثير من محطاتها، بالكراهية والانتهازية، حتى جاءت أحداث عام 2013 لتكشف حجم الأزمة وتعريها أمام الجميع. حينها، أدرك كثيرون أن المشكلة ليست سياسية فحسب، بل هي أزمة ذات جذور تاريخية واجتماعية عميقة. فالمعضلة الحقيقية تكمن في أن مصير شعب بأكمله أصبح رهينة لأفراد قدّموا مصالحهم الضيقة—الاجتماعية والمادية والسلطوية—على مستقبل الوطن. وما يزيد من تعقيد المشهد، أن بعض الأصوات كانت قد حذّرت مبكرًا من احتمال انزلاق البلاد نحو صراع قبلي بعد الاستقلال. فهل كان ذلك ضربًا من التنبؤ؟ أم أنه استند إلى قراءة دقيقة لتركيبة المجتمع وهشاشة بنيته؟ لقد أشار بعض المحللين إلى أن هناك من سعى، بوعي أو بغير وعي، إلى تفكيك النسيج الاجتماعي، والترويج لفكرة أن شعب جنوب السودان مآله الاحتراب الداخلي. لكن المؤلم في الأمر، ليس فقط وقوع تلك التنبؤات، بل كيف تعاملنا نحن معها. ففي إحدى الورش الإعلامية بين السودان وجنوب السودان في سبتمبر 2013، عبّر أحد الإعلاميين عن رفضه لتلك الطروحات، وهاجم من روجوا لها. غير أن الأحداث لم تمهل أحدًا طويلًا، إذ سرعان ما اندلعت اشتباكات الحرس الرئاسي، وتبعها تمرد مسلح واعتقالات سياسية، لتدخل البلاد في دوامة جديدة من العنف. هكذا، لم تكن الكراهية والانتهازية مجرد مفاهيم نظرية، بل تحولت إلى قوى فاعلة ساهمت في ضياع أجيال كاملة. ومع بروز جنوب السودان كدولة مستقلة، لم تتراجع هذه الظواهر، بل ازدادت حدة، مدفوعة بطموحات داخلية وخارجية تسعى إلى تحقيق مكاسب مادية وإعلامية، ولو على حساب استقرار الوطن ووحدته. نواصل…
lualdengchol72@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم