الميلاد في زمن الانتهازية والكراهية (5-5)

بقلم: لوال كوال لوال

في ختام هذه السلسلة، لا يبدو السؤال الأهم: ماذا حدث لنا؟ بل: ماذا سنفعل بما حدث؟ لأن الأمم لا تُقاس فقط بحجم مآسيها، بل بقدرتها على تحويل تلك المآسي إلى وعيٍ جديد، ومسارٍ مختلف، وإرادةٍ لا تستسلم للتكرار. لقد حاولنا، عبر هذه الحلقات، تفكيك ظاهرتين ظلّتا تتحكمان في مسارنا الجمعي: الكراهية بوصفها طاقة هدم، والانتهازية بوصفها آلية استغلال. ورأينا كيف تداخلتا، وتغذّى كلٌ منهما على الأخرى، حتى أصبحتا جزءًا من بنية التفكير والسلوك، لا مجرد انحرافات عابرة. لكن، ورغم هذا التشخيص القاسي، فإن الاستنتاج لا ينبغي أن يكون سوداويًا. فالتاريخ—مهما كان مثقلًا بالأخطاء—ليس قدرًا مغلقًا. والواقع—مهما بدا متصلبًا—قابل للتغيير، إذا ما توفرت إرادة الفهم، وشجاعة المراجعة، واستعداد الفعل. إن الخروج من هذا النفق لا يبدأ بخطابات كبرى، بل بتحولات صادقة، قد تبدو صغيرة في ظاهرها، لكنها عميقة في أثرها. أن نُعيد الاعتبار للحقيقة، في زمنٍ اعتاد تزييفها. أن نُدافع عن العدالة، في سياقٍ يُكافئ الالتفاف عليها. أن نختار النزاهة، حتى حين تكون مكلفة. هذه ليست شعارات، بل اختبارات يومية تُحدّد إن كنا جادين في التغيير أم لا. ولعل الخطوة الأهم هي استعادة إنسانيتنا المشتركة. فكل مشاريع الكراهية تقوم، في جوهرها، على نزع هذه الإنسانية عن “الآخر”، وتحويله إلى تهديد أو عدو. لكن حين نُعيد النظر، بصدق، سنكتشف أن ما يجمعنا أكثر بكثير مما يفرقنا: الخوف نفسه، الأمل نفسه، الحاجة نفسها إلى الأمان والكرامة. إن بناء وطنٍ متماسك لا يتطلب تطابقًا، بل قبولًا. لا يشترط إلغاء الاختلاف، بل إدارته بوعي وعدالة. فالتعدد، إذا ما أُحسن التعامل معه، يمكن أن يكون مصدر قوة، لا سبب ضعف. أما حين يُستغل في سياق انتهازي، فإنه يتحول إلى وقود دائم للصراع. وفي هذا السياق، يصبح السلام أكثر من مجرد غياب للحرب. إنه مشروع أخلاقي وثقافي، يتطلب إعادة صياغة العلاقة بين الفرد والمجتمع، وبين المواطن والدولة. سلام يُبنى على الثقة، لا على الخوف؛ وعلى العدالة، لا على التوازنات الهشة؛ وعلى المشاركة، لا على الإقصاء. غير أن هذا المشروع لن يُكتب له النجاح ما لم يُدعَم بإرادة حقيقية للمحاسبة. فالإفلات من العقاب لا يحمي الاستقرار، بل يؤجّل انفجاره. والعدالة، وإن تأخرت، تظل شرطًا أساسيًا لأي مصالحة حقيقية. إذ لا يمكن أن نطوي صفحة الماضي، دون أن نقرأها بصدق، ونُقرّ بما فيها من أخطاء، ونتحمل مسؤولياتنا تجاهها. وربما يكون التحدي الأكبر هو الحفاظ على الأمل، في بيئة اعتادت خيبة الرجاء. لكن الأمل هنا ليس ترفًا عاطفيًا، بل ضرورة وجودية. لأنه بدون أمل، لا معنى لأي محاولة، ولا مبرر لأي تضحية. إن الجيل الذي وُلد في زمن الانتهازية والكراهية، ليس محكومًا بأن يموت فيهما. بل يمكنه—إن أراد—أن يكون الجيل الذي يكسر الحلقة، ويعيد تعريف الممكن، ويكتب فصلًا مختلفًا في تاريخ هذا الوطن. قد لا نملك رفاهية البدء من الصفر، لكننا نملك فرصة البدء من الوعي. والوعي، إذا ما تُرجم إلى فعل، يمكن أن يكون أقوى من كل ما سبق. وهنا، لا تنتهي الحكاية… بل تبدأ.

lualdengchol72@gmail.com

عن لوال كوال لوال

لوال كوال لوال

شاهد أيضاً

الميلاد في زمن الانتهازية والكراهية (1-5)

بقلم: لوال كوال لوال الكراهية ليست مجرد شعور عابر، بل حالة نفسية مركبة تتجلى في …