مدخل : لن يكون جمال خاشوجي الأول أو الأخير الذي واجه سيفَ السلطةِ بمبدأ و بيانِ القلم . كان سيف السلطانِ أمضَى ، لكن يبقى أثر ُ القلمُ أكبر تأثيراً كما ستْسفرُ مقبلُ الأيام . آثر جمال خاشوجي المبدأ في أن ينادي بالإصلاح ولا يداهن السلطان ، لكن جبروتَ و غي ّ الجبابرة دوماً يفضل بغير رشدٍ وعر الطريقِ : لا أريكم إلا ما أرى ، وما أهديكم إلا سبيل الرشاد ، فعلى قلوبهم أكنةً أن يفقهو ا قوله وفي آذانهم وقْرا أن يفهموا الواضح الجلي . سيبقى أثرُ جمالَ باقياً كمثالٍ حيٍ لقوةِ المبدأ ضد ضعف وقلة حيلة السلطان الذي لم يسْتطعْ أن يتحمل إرشاد و نقد القلم ففضل كسره وقبْرُه ، ستبقى ذكرى جمال أثراً باقياً بينما ستذهبُ سيوف السلطان البالية لمزبلةِ التاريخ.
الثقافةُ و المثقف مشتقة من مادة ثقف ، و الثقْفُ لغة ًهو الحاذق الفطن ، وثقّف الشيء : صوّب وأقام المعوج منه ، وثقّف الإنسان : أدبه وهذبه بالعلم والأخلاق . ويُعرفُ التثقيف بأنه الفائدة التي تؤدي إلي استنارة الذهن، وتهذيب الذوق وتنمية ملكات النقد المتزن لدى الفرد و المجتمع. وكثيراً ما تترادف الثقافة مع معاني الرقي الفكري ، الأدبي والإجتماعي للأفراد والجماعات بما يترتب معه تغيير في السلوك النمطي. ويشتمل مفهوم الثقافة الجمعي كل ضروب المعرفة من التاريخ ، الفنون ، العلوم الإنسانية ، الديانات ، العادلت والتقاليد.
على مر تاريخ الإنسانية برز دور المثقف وتأثيره في الحياة الإجتماعية والسياسية .ففي الحضارة الإغريقية والرومانية القديمة ، برز دور المثقف الذي يروم البحث عن الحقيقة ويدعو إلي الإصلاح الإجتماعي بشتى السبل ، فدعا أفلاطون تلميذ سقراط وأستاذ أرسطو ؛ إلى صياغة قواعد الحكم بأسس جديدة ترسي نظم الحكم والسياسة ، وعندما يئس حَلُم َ بالمدينة الفاضلة التي يحكمها المثقفون ويتمتع فيها الشعب بأسمى درجات الرفاهية الإجتماعية والثقافية .
حديثاً يتفق أن التعريف الشامل للمثقف هو ذلك الشخص الذي ينغمس في التفكير العميق لدراسة ظواهر المجتمع و التبصر في انعكاساتها القريبة والبعيدة وثَمّ محاولة التأثير على الرأي العام والمجتمع بنشر الوعي و التنوير. وكثيراً ما يتعدى المثقف حواجز العجز لبناء حركة تؤدي إلي التغيير المطلوب. من هذا المنطلق اتّفق كثير من المفكرين و الباحثين أن المثقفين فئة خاصة من المتعلمين ذوي خواص نادرة ، يتمتعون بقدر عالِ من المسؤولية و القيم الأخلاقية و يؤمنون بمبادئ سامية هي لبُّ الإنسانية ثشتمل علي معاني الحرية و العدل واحترام حقوق الإنسان.
حَفِلَ التاريخ العربي والإسلامي بتطور العلاقة الشائكة بين المثقف والسلطة لا سيما عندما اخْتُزل الحكم في شمولية الأفراد لا نظام الدولة . كان عبد الله بن المُقْفَع 1 ( 724-759 م) من أوائل المثقفين المسلمين الذين دعو إلي الإصلاح الإجتماعي و تقويم نظام الحكم ليخدم الرعية، كما دعا صراحة إلي استقلالية المثقف من كنف السلطان . في محاولته نشر حكمة التأثير الأمثل لقلم المثقف تجاه سيف السلطان ؛ كتب عبد الله بن المقفع كتابه السهل الممتنع ” كليلة ودمنة” وفيه صور بدرجة بلاغية متناهية مصانعة وعقلانية حكمة المثقف أمام تسلط وقصر نظر السلطان ، وكأنه يقول أن المصانعة والمداهنة أفضل طريق لأن يحقق المثقف غاياته المنشودة للاصلاح عبر بوابة نفوذ السلطة . لكن ككثير من المثقفين لم يلتزم إبن المقفع بنهجه الذي دعا له ، فلم يطق ذرعاً بجهل وغوغائية الحاكم، فتصادم مع صولجان السلطان ليتم تعذيبه وقتله بوحشية وهو دون سن الأربعين . وحتي تبرر السلطة فعلها ؛ ابتدرت سنةً سيئة لمجابهة حرية القلم والتعبير فرمته بتهمة الكفر و الزندقة مؤسسةً لكسر شوكةِ قلم المثقف أمام الرأي العام . رغم سوداوية الحدث إلا أن ذكر وإرث المثقف فاق أضعافاً مضاعفة كسب سيف السلطة. في المقابل نجد أن مؤسس علم الاجتماع إبن خلدون 2 ( 1323-1406 م) ، دعا أن يلبس المثقف عباءة السلطان وأن يكون معاوناً لنظام الحكم ما استطاع ، فدعا أنه بدون يد وقوة السلطان لا يستطيع المثقف أن يحقق التغيير الاجتماعي المنشود ، ذلك النهج طبقه إبن خلدون حرفياً فعاش طوال حياته الفكرية والعملية في كنف السلطان ، يبذل وقته وجهده في خدمة صولجان الحكم مقابل الدعم المادي الذي وجده ليطوف الأمصار والبلدان فيتعرف علي طبائع وعادات الشعوب ليلخصه علماً ومعرفة علي صفحات كتبه العديدة في علاقة تكافلية بلا ضررِ أو ضِرار .
في كتابه القيّم : المثقف و السلطة ، استعرض المفكر و الأكاديمي الأمريكي الفلسطيني الأصل إ دوارد سعيد 3 (1935-2003) ، مختلف الآراء عن تعريف و دور المثقف في المجتمع خلال القرن الماضي ، وفيه استنبط أن المثقف شخصٌ يتبنى و يؤمن بفكرة أو قضية ولا يخشى أن يبذل حيالها الوقت والجهد لإبرازأثرها في الحياة العامة ، ليس هذا و حسب بل و يناضل من أجل الفكرة حتى وإن ترتّب عليها مواجهة التقاليد ، تكلّس العقول وشمولية السلطة. وذهب المؤلفُ أن المثقفَ لن يستطيع فكاكاً من نير السلطة في العصر الحديث ، فلو حاول الهروب إلي سوح الفكر ، الفن والعمل فلا بد أن يرتطم بظل السلطة التي تتقاطع مع كل ماهو عملي أو معنوي ، إضافة إلى ذلك بيّن أيضاً الفرق بين المثقف التقليدي كالمرشد ، الإمام والأستاذ الذي يحاول التغيير عبر وسائل تقليدية تعتمد علي تكرار الخطاب و المنهج ، وبين المثقف العضوي الفعال الذي يتجاوب مع أحداث المجتمع ليرى الظاهر و المستتر منها و ثمّ يحاول التغيير بطرق مبتكرة لا تشمل نشر المعرفة و التنوير فحسب ، بل تأليب الرأي العام بمختلف الطرق و بناء القيادة و الريادة الرشيدة لتشكيل جبهات ضغط تؤدي للتغيير المنشود.
خير مثال لهذا المنهج الذي وصفه إدوارد سعيد للمثقف الشامل معبراً عن نفسِ السياق و نفس العصر ، تبرز حياة وتأثير الفيلسوف و المفكر الأمريكي نعوم جومسكي 4 الذي نذر حياته لإتخاذ مواقف تنبع عن مبادئه الذاتية و الفكرية ، ولم يتوانَ يوماً من القيام بواجبه تجاه ما يؤمن به حتي وإن ترتب علي ذلك اصطدام سنان قلمه ومبادئه بصخر سيف السلطة الصلب أو السباحة عكس موج الإعلام الهدام . فقد أسس جومسكي هذا النهج قبل مايربو عن الخمسين عاماً عندما فصّل في مقال مفصلي مسؤولية المثقف نحو قضايا المجتمع المعاصر. وفيه بيّن أن للمثقف مسؤولية أخلاقية أساسية تجاه المجتمع ، وأن دوره في المقام الأول أن يصدع بالحق ويكشف الكذب و الخداع الذي يقوم به السياسيون و تتبناه الحكومات لتمرره على الشعوب بلا أسس موضوعية أو أخلاقية.
في محاولة وجيزة لعرض دور المثقفين في تاريخ الإنسانية الحديث ؛ يكفي أن نشير إلي دورهم في محاربة العبودية والرق في أوروبا و أمريكا بعد أن كانت الظاهرة واقعاً ملموساَ تحميها اللوائح و القوانين ، فبعد سنوات طويلة من تأليب الرأي العام واقناع السياسيين الموالين للفكرة ، تم تمرير قوانين في القرن التاسع عشر تحظر الظاهرة المنافية للإنسانية وقبْرُها في المجتمعات الحديثة، ورغم أن الأمر يبدو منطقياً في الوقت الحاضر ، إلا إنه كان دون تنفيذه خرط القتاد في ذاك الوقت ، وفي مطلع القرن العشرين شارك المثقفون من كلا الجنسين في حركة رد حقوق المرأة حتي تبوأت المناصب القيادية والسياسية التي أصبحت حقاً مشروعاً اليوم ، وفي منتصفه شارك المثقفون في رسم خطوط الإجماع لحقوق الإنسان حتي ضمنتها دساتير الدول المختلفة وأصبحت وسماً يشار إليه ، وفي ستينيات القرن الماضي ، ساند المثقفون المستنيرون حركة الحقوق المدنية في الولايات المتحدة التي ردت الحقوق للسود بعد أن هُضْمت حقوقهم لأجيال في مجتمع طبقي يكتب القوانين باليمين ولا يطبقها باليسار ، نتاجاً لذلك الجهد والمثابرة ، أثمرت الأيام أكثر مما توقعه المؤسسون ، فبعد ما يقارب من خمسة عقود من ذاك النصر ؛ انتخبت البلاد أول رئيس أسود ليجلس علي كرسي البيت الأبيض منتصراً للمساواة ،العدالة والحرية، وأصبح التمييز العرقي في الوقت الحاضر جريمةً يعاقب عليها القانون ، وفي ثمانينيات نفس القرن أبرز المثقفون من كل أنحاء العالم الوجه الكالح لسياسة التمييز العنصري في جنوب أفريقيا فرفعوا الشعارات وقادوا المظاهرات ضد زعماء الفصل العنصري حتى انصاع الغرب ليضغط عليهم ليقبلوا بالحل السياسي الشامل الذي أعاد البلاد لأسيادها ومهّد لدولة العدالة ،الديموقراطية ، المواطنة والحريات . حديثاً أجبرت أقلام المثقفين ؛ السياسيين والحكام في أوروبا لقبول مئات الألوف من اللاجئين الفارين من ويلات الحروب في الشرق الأوسط إيفاءاً لمبادئ الإنسانية وحقوق الإنسان علي حسابِ الخوف من مشاكل الهجرة الإجتماعية ، الأمنية والإقتصادية.
رغم أن غالبية أهل السلطة وبعض المتعلمين سيحاولون دوماً اختزال دور المثقفين وتاثيرهم في الحياة الاجتماعية و السياسية ورميهم بعقم الفشل المرئي ؛ إلا أن المثقفين سيواصلون جهدهم مااستطاعوا في المسير المتئد تجاه فجر المستقبل المشرق ، خطوة ، خطوة ، وميلاً فميل : ينيرون ظلام العقول ، ويهدمون قلاع الجهل والتكلس ، وينشرون رايات المعرفة والتنوير . يساعدهم علي ذلك إيمانٌ صلبٌ بالمبادئ ، و مضاء للإرادة و العزيمة و أملٌ دائم لا ينقطع في تنسم رياح مستقبل التغيير. رغم ضعفهم المادي ، يدرك المثقفون أنهم يفوقون شوكة السلطان لإمتلاكهم سلاح المعرفة و الثقافة ومبدأه التفكّر في الماضي والحاضر : حيث تنتهي الآجال و تتداول الأيام و يثلمَ النقصان الكمال فيستحيل دوام الحال .
1- عبد الله بن المقفّع ( 724-759 م) : فارسي الأصل عاش في زمن الخلافة الأموية والعباسية ، إسمه الحقيقي روزبة بن داذوية أسلم وغير إسمه ، و المقفع لقب والده عامِل الحجاج بن يوسف الثقفي بعد أن عاقبه حتي تقفّعت يداه . رغم حياته القصيرة إلا أنه خلف إرثاً ثقافياً وفكرياً تليداً ؛ فألف كتب الأدب الصغير والأدب الكبير. أشهر أعماله كتاب “كليلة ودمنة” والذي يعتقد أنه ترجمه بتصرف من اللغة الهندية السنسكريتية القديمة إلي الفارسية والعربية . رغم أن البعض أشار إلي أن إبن المقفع ألف الكتاب بنفسه ، إلا أن الراجح أنه نقله بعد أن أضاف إليه نكهته الأدبية الرفيعة . والكتاب مجموعة من قصص الحكمة مكتوبة بلغة واضحة ، تدور في إستعارة بلاغية عن عالم الحيوان لكنها تشير بوضوح إلي عالم الإنسان ، كان الكتاب مقرراً دراسياً في الكثير من الدول العربية . تمت ترجمة الكتاب إلي معظم اللغات العالمية المعروفة لما فيه من حكمة لا زمنية تصلح لكل العصور. اختلف المؤرخون حول ملابسات موت عبد الله بن المقفع لكن المؤكد أنه اصطدم بنفوذ السلطة والمرجح إنه قتل بأمر السلطان لكن بعض الروايات تشير إلي أنه انتحر بالسم مستبقاً القبض عليه.
2- عبد الرحمن إبن خلدون ( 1332-1406 م) : مؤرخ ومفكر ولد بتونس ومات بالقاهرة ، يعدّ من أعظم المثقفين المسلمين الذين سبقوا المفكرين الغربين في دراسة علاقة الدولة بالمجتمع . خلد الكثير من الأعمال التأريخية ككتاب المقدمة ، وفيه سطّر ملاحظاته الذكية عن مصادر بناء الدولة وأثر الاقتصاد في الاستقرار والعمران وحركة المجتمع، تعتبر ملاحظاته اللازمنية مواكبة لكل العصور في تأثير الحكم علي الدولة والمجتمع ، يعتبر مؤسس علم الاجتماع بكل مجالاته. عمل إبن خلدون سفيراً و وزيراً في بلاط السلطان في تونس ، الشام و مصر.
3-إدوارد وديع سعيد ( 1925-2003 م ) : أستاذ اللغة الإنجليزية ، التأريخ و الأدب المقارن بجامعة كولومبيا في الولايات المتحدة ، أكاديمي و مفكر من طراز فريد، نال شهرة عالمية عالية في العالمين الغربي و الشرقي ، كانت له روئً قوية عن دور الاستشراق والاستعمار في العالم العربي. كتابه المثقف و السلطة من أهم كتبه وهي مجموعة محاضرات ألقاها بدعوة من مؤسسة ال ب ب سي البريطانية وفيها استعرض الجوانب التأريخية، الاجتماعية والسياسية التي تشكل علاقة المثقف بالسلطة، تمت ترجمة الكتاب للعربية وهو متوفر في الشبكة الإلكترونية.
4- نعوم شومسكي ( 1928- ) : أكاديمي ومفكر أمريكي من أصل يهودي عمل بجامعة هارفارد ثم معهد ماساشوتس للتكنولوجيا و حاليا ً يعمل أستاذاً فخرياً مدى الحياة ، تخصص في اللغويات ،الفلسفة والعلوم الإدراكية ، مثقف جمعي في كل مجالات الحياة ، ذو انتاج فكري خصيب حيث ألّف ما يربو عن المائة كتاب . كانت مواقفه السياسية كثيراَ ما تحسب ضد الدولة و مؤسساتها ، حيث عارض الحرب في فيتنام ، و تمدد الامبريالية الأمريكية في العالم ، وناصر القضية الفلسطينية داعياً لقيام حكم ذاتي ، وعارض الحرب ضد الإرهاب ، تحسب مواقفه الراديكالية علي قوى اليسار لدرجة أن شاع أن الإستخبارات الأمريكية تقوم بمراقبته.كتب جومسكي مقاله مسؤولية المثقف في العام 1967 م معارضاً الحرب في فيتنام وموضحاً دور المثقف في المجتمع ، يجمع كتابه ” أسياد البشرية” أهم مقالاته السياسية والإجتماعية في نصف قرن من الزمان.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم