مشكلة النخب السودانية لاحقة للأحداث و مترددة في اللحاق بمواكب الانسانية غارقة في أفكار المجتمعات التقليدية لا تعرف فكاك من الاوهام الأربعة لأفكار فرانسيس بيكون و قد باتت النخبة ذات جرح نرجسي لا يندمل و لهذا غير قادرة على إستشراف المستقبل و دوما متفاجئة بأنها غير قادرة على السير و عاجزة و قد أصابها الدوار و غير قادرة على تصحيح مسارها بل رازحة تحت نير عقل الحيرة و الاستحالة و الخوف المرضي الذي يمنعها من رؤية ما يتعلق بالارتباط إلا ان عقلها يستجيب للعلة و المعلول بمنطق الامام الغزالي المرفوض و رافض لفلسفة جون لوك و ديكارت.
و لهذا السبب تجد أكبر المفكرين في السودان في جفوة مع أفكار جون لوك و ديكارت و إلفة الغافل مع تهافت الفلاسفة و النافر من تهافت التهافت لابن رشد و لهذا يتساوى حميدتي في دعوته للشعب السوداني للرجوع الى حيز القبائل و العشائر و الادارات الاهلية و الطرق الصوفية لانه يتساوى في عقله التقليدي مع عقل النخب المتعلمة مثلا على ذلك أستطاع حميدتي أن يقنع حمدوك بأن يؤدي القسم على مصحف يعتقد فيه بان من يحنث سوف و سوف و كذلك حديث الوليد مادبو عن مذهب التجانية الذي يسلكه و قد رأينا في ندوة قطر كيف بدأ الوليد بدعاء مذهبه مذهب التجانية بنبرة لا تختلف عن نبرة علي كوشيب قبل أن يسلم نفسه الى محكمة لاهاي و هو يردد ما ردده الوليد مادبو و الغريب هذا الدعاء لم يمنع علي كوشيب من ان يقوم بجرائم قد أوردته الى ما أوردته إليه و حديث النور حمد عن مؤالفة العلمانية و الدين و علمانية محمد ابراهيم نقد المحابية للاديان هذا العقل السوداني الخائف دوما و مشغول بفكرة الخلاص الأخروي لا يمكن ان ينعتق من نومه الأبدي بسهولة و لهذا نجده عقل متردد في إنتاج أي فكر يؤدي الى إزدهار مادي لأنه عقل لا يرى في الحياة غير جيفة و يتجاوزها الموت الحق و ينفي مفهوم ان الحياة أيضا حق.
و هذا العقل السوداني المشغول بالخلاص الأخروي مشغول بالخوف من الموت عقل دوما يبحث عن فكرة المخلّص و دوما في انتظار المهدي و المسيح و غير قادر على الانعتاق مثلا شوف الوليد مادبو قد خرج من كهنوت الامام الصادق المهدي كما كان ينتقده و وقع في الطريقة التجانية لأن عقله لا يبحث عن الحرية لأنه نتاج ثقافة سلطة الأب و ميراث التسلط و هذه ثقافة لا تنتظر منها أن تنتج فكر ديمقراطي على الإطلاق فانها دوما تسير تحت سطوة الأب فالوليد كان يرزح تحت سطوة الامام الصادق المهدي تخلص منها ذهب الى سطوة الشيخ و الطريقة التجانية و لا يخطر بباله بأننا لا يمكننا أن ندخل للحداثة بديننا و قبائلنا و طرقنا الصوفية و الادارة الاهلية.
و بالمناسبة ذكرت الوليد مادبو و له كل الأحترام و التقدير لأنه نشط جدا و يتحدث عن الفكر في السودان على طريقته أي طريقة المثقف السوداني القادر على التوفيق الكاذب و عليه قس بقية النخب السودانية التي لم تصل بعد الى مستوى وعي يفصل ما بين عقلها التقليدي و يفتح على العقل الحديث عقل الأنوار و أفكار الحداثة التي قد قضت على جلالة السلطة و قداسة المقدس كما يقول بودلير.
و نفس حالة الوليد الهارب من حيز الامام و الرازح تحت قيود الطرق الصوفية يمكنك ان ترى حالة كمال الجزولي كأكبر مثقفي اليسار السوداني الرث فهو ما زال رازح تحت غائية و لاهوتية و دينية الهيغلية و الماركسية و بالمناسبة لا فرق بين عقل الوليد مادبو الخاضع للتجانية و عقل كمال الجزولي كلاهوتي غائي دينيى يؤمن بنهاية التاريخ و إنتهاء الصراع الطبقي. فالوليد ينتظر جنة مذهبه الصوفي في بحثه عن الخلاص الأخروي و كمال الجزولي يؤمن بجنة قد وعد بها ماركس ذو الثقافة اليهوديمسيحية للمضطهدين و هي نفس نداء ماركس المسروق من نداء السيد المسيح تعالوا الي يا جميع المتعبين و ثقيلي الأحمال أني أريحكم.
الفرق بين جنة ماركس و جنة المسيح بأن جنة ماركس أرضية و جنة المسيح سماوية و كذلك الفرق بين جنة عقل كمال الجزولي الماركسي اللاهوتي الغائي الديني و الوليد التجاني في مذهبه. و من هنا نجد حيرة النخب المتفاجئة دوما بحرب الكل ضد الكل لأنهم يوما لم يتحدثوا عن العقد الاجتماعي الذي يتحدث عن فكرة العيش المشترك و في ظله ويصبح المعتقد الديني سلوك فردي أما ما ينظم صراع الفرد مع مجتمعه فهو مضبوط بمعادلة الحرية و العدالة التي تفصل الدين عن الدولة كعلاج لحالة الوليد مادبو و يتحدث عن العقلانية و الأخلاق لمعلاجة كمال الجزولي المؤمن بإطراد العقل و التاريخ المفضي الى جنة ماركس و إنتهاء الصراع الطبقي و نهاية التاريخ و هيهات و من هنا ينفتح الباب لعقل الأنوار الذي يزيح عقل العسكر و المغامرين و الانقلابيين من مسرح الأحداث.
أخذت المقارنة بين حالة الوليد مادبو و كمال الجزولي لأنهما يختلفان في مسألة البناء الأسري و دوره في إنتاج نظم الحكم مثلا كمال الجزولي يمثل تاريخه الاجتماعي و الاقتصادي تاريخ الأسرة النووية في تاريخ كوش ضارب الجذور و لكنه بسبب الثقافة العربية و الاسلامية الطارئة على مشهده في الخمسة قرون الاخيرة قد فقد بريق تاريخ الأسرة النووية و لكنه يمكن معالجته لكي يرجع مرتبط بتاريخ الأسرة النووية التي تستطيع انتاج نظام ليبرالي ديمقراطي أما الوليد مادبو فهو نتاج تاريخ الأسرة الجذعية و لا ينتج غير نظم حكم تسلطي و هذا التاريخ للأسرة الجذعية ينتج لنا أمثال حميدتي و لوتتذكرون نائب المخلوع البشير حسبو و عبد الله مسار ذاك الذي كان يقترح ترشيح البشير بان يكون رئيس مدى الحياة و كذلك ينتج جبريل الخانع لسطوة المرشد لجماعة الاخوان المسلمين و مناوي مجسد تاريخ الأسرة الجذعية التي لا تنتج غير مفهوم السلطة بمعنى التسلط.
أنظر لتاريخ دارفور ملئ بالسلاطيين و الملوك حتى اللحظة الراهنة و هكذا و سببه تاريخ الأسرة الجذعية و يحتاج لدراسات عميقة و معالجة لحالة التقوقع في مفهوم السلطة التي لا تعني غير التسلط و لهذا السبب نجد أحداث دار فور الآن و هي إعلان حالة حرب الكل ضد الكل و هذا ما تحدث عنه هوبز في عقده الاجتماعي. مشكلة دار فور لا تحلها إتفاقية جوبا و لا غيرها يجب ان تفكر فيها النخب على أساس تاريخ الأسرة الجذعية و مفهوم السلطة التي لا تعني غير التسلط و كيفية إخراج دار فور من حالة حرب الكل ضد الكل و إدخالهم الى فكرة العيش المشترك.
لهذا السبب وجود حميدتي بجانب البرهان كنائب له في قيادة الجيش و حالهما كأعمى يقود أعمى سيفاقم من حالة حرب الكل ضد الكل في دار فور و حالة الكساد الفكري في وسط النخب السودانية لا يفتح الباب لمعرفة أسباب الموت المجاني في دار فور و يفسر سببه و هو تاريخ الأسرة الجذعية و لا يمكن التخلص من تاريخ الأسرة الجذعية بغير تفكيكه و هدمه و تجاوزه الى فكرة العيش المشترك و هذا يحتاج لجهد فكري كبير و خاصة في حالة مجتمع مشتعل كحالة دار فور مجتمع في حالة حرب الكل ضد الكل و كذلك في ظل ظرف مسألة إدخاله الى ثقافة الأسرة النووية التي تسود عند قبائل السودان الأصيلة مسألة تحتاج لنخب واعية و غياب الرايادات الوطنية الواعية هو ضياع مفتاح الدخول الى العقلانية و ابداع العقل البشري في حالة نخب كاسدة قد شغلها التفكير في البوتقة الصاهرة و الحديث عن حقيبة الفن بدلا عن طرح فكر يورث التفكير النقدي.
هناك كثير من المجتمعات كحالة المجتمع السوداني في أجزاءه تسود ثقافة الأسرة النووية كحالة الثقافة الكوشية عند شعوب السودان الأصيلة و ذات إرتباط بتاريخ كوش الواعي و هناك أجزاء ذات ثقافة الأسرة الجذعية كحالة دار فور و لكن في الشعوب الحية قد فطنت لأدخال الشعوب ذات ثقافات الأسرة الجذعية الى حيز ثقافات الأسرة النووية و هي الثقافة القادرة على إنتاج نمط حكم ليبرالي ديمقراطي و هذا نجده في فرنسا حيث هناك ثقافة الاسرة النووية في بعض أجزاءها و هناك جزر لمجموعات فيها ثقافة الأسرة الجذعية و لكن فلاسفة فرنسا عرفوا كيف يغلّبون ثقافة الأسرة النووية التي تنتج النظم الليبرالية كنظم حكم تضبطها معادلة الحرية و العدالة و نرى المانيا و تسيطر عليها ثقافة الأسرة الجذعية و كيف جرّتها الى نظام النازية و كيف وقعت روسيا تحت نظام ماركسي شمولي بسبب هيمنة ثقافة الأسرة الجذعية للشعوب الروسية و كيف كانت اليابان ذات ثقافة أسرة جذعية و قد دفعت ثمنها هزيمة في الحرب العالمية الثانية و لكنها عوضتها بنجاح اقتصادي.
كل ذلك نجده في فكر عمانويل تود عن فكرة البناء الاسري و دوره في انتاج نظم الحكم فاما أسرة جذعية تنتج نظام شمولي أو اسرة نووية تنتج نظام ليبرالي. نشر ثقافة الأسرة النووية يساعدنا أيضا في التخلص من أحزاب اللجؤ الى الغيب و أحزاب الطائفية مثلا أنظر أغلب أتباع حزب الأمة من مناطق تسود فيها ثقافة الأسرة الجذعية لذلك نظرتهم للامام المهدي أو الصادق تأتي من ثقافة الخنوع لدور سلطة الأب و ميراث التسلط. مثلا شوف برمة ناصر أول من هندس إتفاق حمدوك و البرهان بعد إنقلاب البرهان لأن برمة ناصر لا يحس بحرج من الانقلاب لأنه سليل ثقافة الأسرة الجذعية مثله مثل الوليد مادبو الذي خرج من حزب الأمة و أصبح يجاهر بمذهبه التجاني.
و في الأخير يجب ان نقول بأن وجود كمال الجزولي في ثقافة ماركسية لا يدخل في حزبها غير أتباع ثقافة الاسرة الجذعية سببه تأثر تاريخ الكوشيين بالثقافة العربية الاسلامية و هي أكبر حاضنة لثقافة الاسرة الجذعية. لذلك نجده قد تقاطع مع الوليد مادبو و حيث تتقاطع الخطوط تتساوى رغم إختلاف تاريخ كمال الكوشي و تاريخ مادبو ذو ثقافة الاسرة الجذعية إلا أنهما يلتقيا في غوصهم في وحل الفكر الديني فمادبو صوفي تجاني و كمال الجزولي في وحل فكر دين بشري ماركسي هيغلي لاهوتي غائي ديني و من هنا ندعو النخب السودانية الى الانتباه لغوصهم في وحل الفكر الديني سواء كان دين سماوي او دين بشري كالماركسية فهو سبب و حاضنة فكرة الدكتاتوريات.
taheromer86@yahoo.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم