هناك ملاحظة لا تفوت على القارئ النابه و هي أن حالة المفكرين السودانيين يعكسها كساد فكري منقطع النظير و الغريب أغلبهم لم ينتبهوا لما هم عليه من تخبط. هذا الكساد نتيجة عدم مراقبتهم الى تحول المفاهيم في العالم من حولنا و غياب مسألة مراقبة دور تاريخ الذهنيات و دور الشخصية التاريخية في نقل المجتمع من حالة الجمود الى حالة الحركة المنفتحة على التطور اللا نهائي و هناك شبه اجماع من قبل النخب السودانية في رفضها لفكرة أن الانسان قد أصبح مركز الكون.
و غياب هذه الفكرة كنقطة تمثل مركز دائرة الفكر التي تحدد مساحة الدائرة فمثلا فكرة العقلانية و مسألة الاصلاح الديني و فكرة النهضة لا يمكن أن تكون بغير أن يتدخل العقل الانساني في النص الديني و يستخدم معه فكرة التأويل و التفكيك و تاريخية النص لتجاوز فكرة الايمان التقليدي و ما عليه من تقديس ينطوي على التبجيل و هذا بالضبط ما يرتكز عليه فكر كل من مارتن لوثر و كالفن و نتجت عنه فكرة تأليه الانسان و أنسنة الاله و عبرها لم تعد التجارة عمل غير اخلاقي كما كان يروج لها الفكر المدرسي و أن يدخل الجمل من سم الخياط أسهل من أن يدخل غني الى ملكوت الله. جاءت أفكار مارتن لوثر و جون كالفن و أدخلت أفكار العقل الأنساني لتجاوز فكرة المطلق و تجاوز فكرة الخلاص الأخروي التي كانت بها و عبرها يجمد رجال الدين نزوع الأنسان الى ما يؤكد انسانية الانسان وفقا لتجربته و ضمير الوجود.
ومن هناك أنفتح الطريق الى فكرة العقد الاجتماعي للفلاسفة مثلا نجد هوبز رغم عقده الاجتماعي مرفوض كما رفضت الماركسية لأن عقد هوبز و الشيوعية يفتحان على نظم شمولية إلا أن أفكار هوبز في عقده الاجتماعي أستطاع عبرها أن يبعد الدين نهائيا من أن يلعب أي دور بنيوي على صعيد السياسة و الاقتصاد و الاجتماع و رغم أنه كان معروف في سلوكه كفرد كان يصلي بحرارة للعذراء لأن فكرة سلاسل الجحيم كانت تقلقه و لكنه كان يعرف بأن ممارسة الايمان ممارسة فردية و يجب فصل الدين عن السياسة لولا تدخل هؤلاء المفكريين في أدخال العقل الانساني لتجاوز الفكرة المطلقة و فرض تجربة الانسان لما كانت هناك أمجاد للعقلانية و ابداع للعقل البشري و هذا ما ينتظر المثقف السوداني و هو كيفية ادخال العقل البشري و مساعدته للمجتمع لتجاوز فكرة المطلق و كسر حلقة اعطاء الدين امكانية أن يكون خارج التاريخ بل له مطلق القوة أن يحكم على التاريخ.
أصبح كالفن الأب الشرعي لفكرة سعر الفائدة متجاوز فكرة الثقافة اليهودية المسيحية المتراكمة عبر ألاف السنيين عن فكرة الربا و هنا تكمن جسارة كل من جون كالفن و مارتن لوثر و من هنا جاءت فكرة البروتستانتية و عقلانية الفكر الرأسمالي و هي أن عقلانية الرأسمالية يستدل بها على المجتمعات المتقدمة لأنها لم تظهر بعد في المجتمعات التقليدية كحالة المجتمع السوداني. حديث كالفن عن فكرة سعر الفائدة فيها تجاوز لتراكم ثقافي متراكم عبر آلاف السنيين و مرتكز على فكرة الربا ولكن كان كالفن كما مارتن لوثر متأكد من أن العقل الانساني لابد من أن يتدخل و يفك ارتباط الانسان من فكرة الخلاص الأخروي و هذا ما ينتظر النخب السودانية و إعمال عقلها لفك ارتباط الدين من الاقتصاد و السياسة و الاجتماع.
فما توصل له كالفن في ذلك الزمن البعيد ما زال صعب المنال على النخب السودانية التي تتحدث عن الربا لذلك يعتبر كالفن من الانسانيين الكبار عندما تحدث عن سعر الفائدة متخطيا للثقافة اليهودية المسيحية فهل تستطيع النخب السودانية الآن أن تسلك سلوك كالفن و توما الاكويني فيما يتعلق بتجاوز التراث اليهودي المسيحي؟ و المضحك في ساحة الفكر السوداني نجد أن غالبية المفكرين السودانيين يظنون بأن الفكر الليبرالي فكر رميم و لا يعتبرون الليبرالية فكر منظم و هذا حال كل نخب العالم في أربعينيات و خمسينيات من القرن المنصرم و نجد أن أغلبية النخب السودانية تعتقد في الفكر الأيدولوجي و قد لعب الحزب الشيوعي السوداني دور كبير في حجز و حجر النخب السودانية في حيز لم يغشاه التغيير لذلك نجد أن أغلب المفكريين يغلب عليهم التغبيش في الوعي الذي يمنع رؤية أن الليبرالية فكر منفتح على اللا نهاية.
و لهذا السبب نجد أن أغلبية النخبة السودانية لا تفرق في نقدها للفكر الليبرالي ما بين الليبرالية التقليدية و الليبرالية الحديثة و متى و كيف و لماذا انتهت الليبرالية التقليدية و متى و كيف ابتدأت الليبرالية الحديثة؟ و في ظل هذا الهرج نجد أن المؤرخ السوداني ما زال غارق في وحل المنهجية التاريخية و لم يثري الفلسفة لأنه ما زال أقرب الى وحل الفكر الديني سواء كان من أتباع أحزاب اللجؤ الى الغيب أم من أتباع ايدولوجية متحجرة ما زالت تؤمن بفكرة انتهاء الصراع الطبقي.
و هذا يجعل ساحتنا السودانية و نخبها لا تغشى حقول فكر العقلانية و المسؤولية الأخلاقية و مسألة المعادلات السلوكية و لا فكرة الاستهلاك المستقل عن الدخل لأنها تحت تأثير ضغط عالي من قبل حزب شيوعي سوداني يكرث لأيدولوجية متحجرة لم تعيد النظر فيما تعتقد فيه بسبب ماركسية رسولية لذلك نجد أن أغلب من يدخل لحقول الفكر هوّاب من مهاجمة الحزب الشيوعي السوداني و أغلبهم اكتفوا أن يكونوا مساحة يفيض فيها الحزب الشيوعي السوداني بفكرة انتهاء التاريخ و فكرة انتها الصراع الطبقي و ارتضوا أن يكونوا أصدقاء الحزب رغم أن أفكاره قد تجاوزتها البشرية منذ مطلع ثلاثينيات القرن المنصرم أي قبل قيام الحزب الشيوعي السوداني بما يقارب العقدين.
و هذه واحدة من كوارث الفكر في السودان و أغرب شئ بأن الأغلبية من النخب تتحدث عن الاشتراكية و الاقتصاد التعاوني مما يوحي لك بأنهم يجهلون بأن معادلة الحرية و العدالة شعار الثورة السودانية ثورة ديسمبر المجيدة هو روح الفكر الليبرالي و روح فكر توكفيل في ديمقراطيته و روح فكر الكانطيين الجدد و علم اجتماع منتسكيو و العقد الاجتماعي لجان جاك روسو و عمانويل كانط و آخر عقد الفكر الليبرالي نظرية العدالة لجون راولز و كلهم يتحدثون عن العقد الاجتماعي و لايغيب عن أفقهم بأن الحرية و العدالة لا يمكن تحقيقها إلا عبر الفكر الليبرالي و عبر فكر الليبرالية الحديثة و في نظرهم أن الفكر الليبرالي في عقده الاجتماعي هو كفيل بتحقيق معادلة الحرية و العدالة لأنهم جميعا يؤمنون بأن البشرية قد تجاوزت في نشؤها و ارتقاءها كل من العرق و الدين. فمتى تتجاوز النخب السودانية حاجز أحزاب اللجؤ الى الغيب و هي أحزاب الطائفية و السلفيين و أتباع الحركة الاسلامية و كذلك أتباع النسخة الشيوعية السودانية كدين بشري يجسد الماركسية الرسولية؟
و متى يفهم المثقف السوداني بأن مسألة العدالة يمكن تحقيقها عبر الفكر الليبرالي لأن الديمقراطية ذات علاقة طردية مع الرأسمالية و علاقة عكسية مع الشيوعية و أن الليبرالية الحديثة قد انتصرت انتصار نهائي على الشيوعية كفكر لا يفتح الا على نظم شمولية و متى يفهم المثقف السوداني بأن الفكر الليبرالي هو أقصر الطرق لخلق الثروة و أحسنها لتوزيعها بفضل فلاسفة كتوماس بين و متى يفهم المثقف السوداني بأنه عندما يكون صديق الحزب الشيوعي يكون عامل سخرة لتعبيد الطريق الى العبودية و بأنه يغالط طردية العلاقة ما بين الرأسمالية و الديمقراطية.
نجد جون لوك يتحدث عن التسامح و يؤكد لك بأنه ليس في امكانك أن تتحدث عن التسامح على الإطلاق في ظل خطاب ديني و كان يمقت الإلحاد كما يمقت عدم فصل الدين عن الدولة و الغريب كثير من مفكرينا يتحدثون عن التحول الديمقراطي و في نفس الوقت تجدهم كما المحار يختزن دوما صوت البحار فالمثقف السوداني يصعب أن ينعتق من وحل الفكر الديني و عادي تجد في أحزاب الطائفية استاذ جامعي و يتحدث عن التحول الديمقراطي كما رأينا أتباع الحركة الاسلامية و يصرون بأن الخطاب الديني الاسلامي متسامح يقولها و لا يشعر بأن جملته تنطوي على جهل عظيم بالعقد الاجتماعي لأن أي دين لا يمكن أن نتحدث عن تسامحه اذا اقحم في السياسة كما يصر أتباع احزاب اللجؤ الى الغيب في السودان و هم أتباع الحركة الاسلامية و أحزاب الطائفية و السلفيين و أي اصرار بأن يلعب الدين دور بنيوي على صعيد السياسة و الاجتماع و الاقتصاد من قبل أي كان فعليه الا يتحدث عن التحول الديمقراطي و لا يتحدث عن التسامح.
يمكننا التحدث عن التسامح و الديمقراطية عندما يستطيع أتباع أحزاب اللجؤ الى الغيب من أحزاب طائفية و سلفيين و أحزاب حركات اسلامية الوصول لمستوى فهمم يتيح لهم سهولة فهم فصل الميتا عن الفيزيقيا و هذا ما رسخه فكر عمانويل كانط عندما استلف من فكر أدم اسمث لأنه استطاع أي أدم اسمث أن يفك ارتباط الاقتصاد من كل من الفلسفة و الدين و بالتالي يمكن أن يكون الطريق سالك الى فك ارتباط الدين و فصله عن الدولة فالدين في ساحة المجتمعات الحية سلوك فردي و لا ينبغي أن يلعب أي دور بنيوي في السياسة و الاجتماع و الاقتصاد وفقا لتجربة الانسان.
مسألة السلطة فيما يتعلق بالظواهر الاجتماعية سابقة للدين و جاء زمن أصبح فيه الدين يمثل و يلعب دور السلطة و عندما كانت الأديان تعتقد أن الانسان على الدوام لا يهضم غير لبن الكنيسة و لم يخطر ببالها بان الانسان قد أصبح ناضج و يمكنه أن يستغنى عن لبن الأديان لأن معدته اليوم يمكنها أن تهضم اللحوم و ليس لبن الاديان كما كان الاعتقاد في أفكار الفكر المدرسي على الدوام. قد أصبح الانسان اليوم مركز الكون و يتحدث عن تأليه الانسان و أنسنة الإله فلا يحتاج الشعب السوداني للامام و لا مولانا و لا استاذ قد ولى زمن سلطة الأب و ميراث التسلط و قد ولى زمن وحل الفكر الديني. على النخب السودانية أن تعرف بأن كل من يعارض فصل الدين عن الدولة انه جاهل بتاريخ الانسانية و تراث الانسانية عبر الظواهر الاجتماعية عصرنا الراهن لا يمكن ان يحكمه الدين بالايمان التقليدي لأن الايمان أصبح فردي و لا يمكن أن تحكم المجتمعات بالشرائع فالمجتمعات الآن يمكن أن تحكم عبر مؤسسات اجتماعية نتاج تجربة الانسان و قدرته كنتاج لمجد العقلانية و ابداع العقل البشري و هذا هو طريق الانسانية التاريخية.
على النخب السودانية بدلا من حديثها عن المؤالفة بين العلمانية و الدين و المساومة البليدة بين يمين غارق في وحل الفكر الديني و يسار سوداني رث عليها أن تتحدث عن فكر ناتج عن تجربة الانسانية و تحاول قفل الطريق على أحزاب الفكر الديني في السودان و اجبارها على النزول الى المصهر و هو مصهر الحداثة التي لا تسمح للدين ان يحكم المجتمعات البشرية لأن الدين قد أصبح فردي و متى تحدثنا عن امكانية أن يكون الدين منظم للحياة الجماعية فاننا بدأنا الحديث عن دين كهان كما يقول عالم الاجتماع العراقي علي الوردي منذ عقود.
على أحزاب وحل الفكر الديني في السودان من أحزاب الطائفية و سلفيين و أتباع الحركة الاسلامية الاستعداد للنزول الى مصهر الحداثة الذي يستطيع أن يصهر وحل الفكر الديني و الى الأبد ففي زمن الحداثة ان مسألة الايمان مسألة فردية و متى ما تحدثنا كجماعة تريد ان تحكّم الدين فاننا نتحدث عن دين كهان فلا سبيل غير أن تنصهر أحزاب وحل الفكر الديني في أعلى درجات حرارة الحداثة لتتطهر من وهم أن الدين ما زال يلعب دور بنيوي على صعد السياسة و الاجتماع و الاقتصاد.
و أيضا هناك غياب تام في فكر النخب السودانية بأن الليبرالية هي الأقدر بل أقصر الطرق الى تحقيق التنمية الاقتصادية فعلى النخب السودانية أن تتذكر بأن علاقة الديمقراطية بالرأسمالية علاقة طردية و علاقة الرأسمالية بالشيوعية علاقة عكسية فكما ينبغي على النخب السودانية أن تساعد أتباع أحزاب اللجؤ الى الغيب بقفل الطريق امامهم و اجبارهم أن ينزلوا الى مصهر الحداثة ذو الحرارة التي تتخطى الألف فعليهم أيضا مساعدة اتباع النسخة المتخشبة من الشيوعية السودانية باجبارهم على النزول أيضا الى مصهر الحداثة لأن علماء اجتماع كثر يؤكدون بان الشيوعية و النازية و الفاشية و الحركات الاسلامية كلها أفكار ضد الحداثة لمن يفهم أمواج الليبرالية الحديثة فعلى أصدقاء الحزب الشيوعي أن يكفوا عن الحديث عن التعاونيات و الاشتراكية كمجاملات لا تليق بكم اذا اردتم الحديث عن التتحول الديمقراطي.
نحن في زمن انتهت فيه دولة الارادة الألهية و الى الأبد و ها هي البشرية تتأهب الى الانطلاق باتجاه دولة الحقوق و قد أصبحت حقوق الانسان في ضمير الانسانية تحل مكان فكرة التوحيد التي كانت تمثل قلب الاديان.
taheromer86@yahoo.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم