النداء .. بقلم: منصور الصويّم
29 يناير, 2018
المزيد من المقالات, منبر الرأي
39 زيارة
هذه تجارب شخصية خالصة، شغلتني كثيرا ودفعتني للكتابة عن إحداها من قبل وها أنا الآن أنجر مرة أخرى للكتابة عنها. ربما الدافع لاستدعائها ما يحدث لـ “الأفارقة السود”، في دولة ليبيا من عمليات بيع وشراء وتعذيب بوساطة بعض المرضى وضعاف النفوس، لا علاقة مباشرة بين هذه التجارب والتعذيب والرق، لكنها في العمق ذات علاقة بالأفريقي، وبالأفريقي الأسود بالتحديد. إنه ذلك النداء والحنين المتلازم دائما بين كل أفريقيْن جمعت بينهما غربة ما، فأيا كانت جنسية “الأفريقين” هذين داخل القارة الأفريقية أو من خارجها، فإنك ستلحظ على الفور أنهما إن التقيا في أرض أخرى بعيدة سينجذبان تلقائيا إلى بعضهما وسيسعيان بشتى السبل للتواصل والتعارف، والانفصال عن الجماعة إذا كانا ينتميان إلى جماعة متعددة الأعراق و”الألوان”.
قلت هذه تجارب شخصية؛ على أساسها استنبطت ملاحظاتي هذه. وسأسرد هنا بعض هذه التجارب علها تؤكد ما ذهبت إليه وتمضي في اتجاه التفسير الذي اقترحه. وسأبدأ بهذه القصة لأن بطلها سوداني انجذب إلى سوداني:
في أثناء زيارتي إلى مدينة ليون الفرنسية للمشاركة في مؤتمر أدبي يتعلق بالرواية، كان علي أن أصور فيلما قصيرا عن تجربتي في الكتابة وانطباعتي عن المؤتمر ومدينة ليون. ومن بين المشاهد التي توجب علي تصويرها، مشهد يصور أعلى جسر أنيق، كان علي أن أمضي سيرا وأقف بين الفينة والأخرى لأتأمل معالم المدينة ومياه النهر وما إلى ذلك، في هذه الأثناء عبر قريبا مني شاب يقود دراجة هوائية بسرعة كبيرة، لكنه وبذات السرعة التف وعاد ليقف قربي ويسألني: سوداني؟
القصة الثانية حدثت وأنا في بيروت عاصمة لبنان أثناء احتفالات تكريم الفائزين بمسابقة “بيروت 39″، وهذه تجربة أراها خاصة جدا، لأنني ومنذ بدايتها أحسست بالتمييز المبني على اللون – الجنس، فمن دون المشاركين العرب الآخرين كنت الوحيد الذي فرض عليه حمل “التأشيرة” تحسبا لأي طارئ يتعلق بالشرطة والتوقيف أثناء تجوالي في المدينة. أما “النداء” فحدث أثناء ذهابي مع زملائي العرب للتسوق في أحد الأسواق. هناك التقيت بشخص أفريقي يرافق مجموعة من الأجانب “الخواجات”، وجدتني أعلق نظري به تلقائيا، وهو بمجرد أن لمحني انفصل عن مجموعته وجاء ليسلم علي ويعرفني بنفسه ويسألني أسئلة كثيرة عن زيارتي للبنان، كان فرحا بشكل عجيب!
التجربة الثالثة حدثت في بيروت نفسها، ففي أثناء الاحتفال كان على كل منا تقديم كلمة قصيرة يسبقها تعريف عام عن المشارك. ولسبب ما كان مقدم البرنامج يمنح البعض تعريفا مطولا وآخرين تعريفا مختصرا وكنت من بين الأخيرين. بعد أن انتهيت من تقديم كلمتي تقدم مني شاب “أسمر” اللون غاضبا ومحتجا ويريد مواجهة مقدم البرنامج والاشتباك معه لأنه قدمني بصورة مختصرة جدا في رأيه. عرفت أنه فلسطيني من أصول أفريقية. وأنه جاء إلى مكان الاحتفال لمقابلتي بشكل خاص وهو سعيد جدا بذلك!
هناك تجارب أخرى مشابهة حدثت لي في بلدان أخرى يضيق المجال هنا لسردها، لكنها جميعا تصب في النهاية في ذات الاتجاه: النداء الأفريقي والانجذاب الأفريقي أفريقي – التلقائي.
هل هو إحساس موحد بـ “العزلة” والاستهداف يدفع الأفريقي على الدوام للبحث عن الأفريقي، لملازمته ومناصرته ونقل إحساس الأمان منه وإليه؟
mansourem@hotmail.com