الهضبة والدين …. بقلم: د. احمد سبيل

 


 

 

 

الورقة الثالثة

 

 

أسمحوا لي أن أُهمل ما أهمله التاريخ مؤقتاً ، لأقول أن المارد واحد وليس ماردان كما تصوره د. النور وهذا المارد صعد إلي الهضبة ، وأزعم أن إكتمال صعوده كان بين القرنين الرابع والثاني قبل الميلاد ... ولا أقطع في هذا لخلافات كثيرة بين علماء التاريخ وعلماء الآثار حول المادة التاريخية ذات الصلة بهذا الموضوع ولكن ما لخلاف عليه بين العلماء أن سليمان عليه السلام كان ملكاً وإن أحدي الهنداكات كما هو في لغة القعز أو الكنداكات كما هو معروف في السودان وبالتحديد هنداكة ماكيدا والتي درج علي تسميتها ببلقيس - وإسم ماكيدا ورد في قبرانيقست أو تاريخ الملوك العظام- قد تواصلت مع الملك النبي سليمان ما يهم هو أن سليمان كان ملكا نبياً وكان موحداً وأن ملكة الجنوب قد أتت لتأخذ منه الحكمة ومع إختلاف الروايات والمصادر حول دوافع ذهابها ولكن كل المصادر تجمع إنها قد ذهبت إليه ، وأنها كانت تريد أن تنهل من معين حكمته ، وإنها آمنت برب سليمان وآمنت بحكمته .

        وصلت التوراة إلي الجنوب – وأقول الجنوب لا عني هنا الإمبراطورية الأثيوبية بما يشمل الساحل الآخر للبحر الأحمر أي سبأ وممالك اليمن الإثيوبية- ومن الطريف أنه حتى المصادر اليمنية المتوفرة بالوقت الراهن والتي تتحدث عن ملكة سبأ والنبي الملك سليمان تؤكد أن لغة تلك الملكة ولغة مملكتها كانت هي لغة القعز ، لم تكن هناك مصاعب كبيرة في التواصل بينهما لتقارب اللغة العبرية مع لغة القعز وها هو الهدهد يحمل رسالة من سليمان تفهم في الجنوب من غير ترجمان ، الذي يقرأ قبرانقست يقرأ من خلال نصوصه نصوصاً كاملاً من أسفار التوراة الأولي خاصة سفر الملوك ويجد فيه توسعاً لا يجده حتى في الأسفار التاريخية التي كتبها الحاخامات من بعد ذلك وعرفت بالتلمود كما أن قبرانقست في لغته الدينية أقرب كثيراًُ من التلمود إلي الأسفار الخمسة الأولي من التوراة ، أردت من كل ما سبق أن أقول الديانات السماوية عمرها آلاف السنوات في الهضبة بدخول التوراة وزبر داؤود وربما تكون الإبراهيمية قد سبقتهما كما يشير إلي ذلك القرآن إذ تشير المصادر التاريخية والكتب السماوية إلي وصول أفراد موحدين مثل النبي إبراهيم ومثل يوسف عليه السلام، واشارت الى وجود جماعات وطوائف موحدة ولكنها تتقلب أحياناً بين التوحيد وديانات الآخرين مثل قوم موسي عليه السلام ، ولا يخفي علي أحد علاقات مصر في ذلك التاريخ بمملكتي نبتا ومروي الإثيوبيتين في السودان النيلي مما يرجح أن السودان النيلي تعرف علي الإبراهيمية واليهودية في وقت مبكر ويذهب البعض في زعمهم أن يقولوا أن النبي موسي عليه السلام كان أسمراً وكان أصوله ترجع  الي السودان النيلي وهذا الزعم يقوي مزاعم قبائل الفلاشا الإثيوبية والتي تسمي نفسها بيتا إسرائيل وتزعم  بأنها من أسباط إسرائيل وبالتحديد سبط الدان وإنها في شتاتها قبل الهضبة الإثيوبية قد إستقرت في مروي وتتفق المصادر وحتى تلك التي لا تتفق علي سمرة موسي بأن موسي القي علي النيل وانه أنتشل من النيل وهو آت من الجنوب وحتى إسمه موسى يعني المنتشل من الماء بلغة القعز والماء في لغة القعز مو وفي  الأمهرا موها وفى  التيغراوية موى وفى العربية الدارجة مويه.

ونعود للملك النبي سليمان والملكة المؤمنة في الجنوب، لقد ورد ذكر سليمان في التوراة – الأسفار الخمسة الأوائل – أكثر من مائتين وسبعين مرة ويلاحظ أن التوراة لم تسهب في نصوصها بشأن ملكة سبأ وإنما ذكرتها شيئاً ما  في سفر الملوك الأول نذكر من ذلك:-

سفر الملوك الأول 1:10.

وسمعت ملكة سبأ بخبر سليمان لمجد الرب فأتت لتمتحنه بمسائل .

سفر الملوك الأول 4:10 .

فلما رأت ملكة سبأ كل حكمة سليمان ، والبيت الذي بناه .

 سفر الملوك الأول 9:10 وفيه قالت ملكة سبأ :-

وليكن مباركاً الرب إلهك الذي سر بك وجعل علي إسرائيل .

سفر الملوك الأول 13:10

وأعطي الملك سليمان لملكة سبأ كل مشتهاها الذي طلبت ، عدا ما أعطاها إياه حسب كرم الملك سليمان ، فإنصرفت وذهبت إلي أرضها هي وعبيدها .

لقد لاحظت تكاملاً غريباً في الرواية بين القرآن والتوراة فبينما تركز الرواية التوراتية علي الملك النبي سليمان ، تركز الرواية القرآنية علي ملكة سبأ دون ذكر إسمها في الحالتين ، أنظر آيات القرآن :-

سورة النمل الآيات (23،24)     

(إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ * وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ) .

أنظر إلي عبارة وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ وهي تصدر عما عاش في مملكة سليمان – الهدهد – ومعلوم ما حققته من إزدهار وعمران تلك المملكة من أعمال الإنس والجن ، ثم نعود إلي سورة النمل مرة أخري والآية تفيد بكتاب قصير وموجز يلقي علي الملكة وتفهمه :

اذْهَب بِّكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ *

    ثم ينتقل لنا القرآن علي لسان ملكة سبأ سبع آيات متتاليات ، النمل (29-35)

(قَالَتْ يَا أَيُّهَا المَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ * إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ * قَالَتْ يَا أَيُّهَا المَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْراً حَتَّى تَشْهَدُونِ * قَالُوا نَحْنُ أُوْلُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ * قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ * وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِم بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ ) .

   ثم يلحقها القرآن بآيتين آخرتين علي لسانها أيضاً سورة النمل الآيات (42،44)

(فَلَمَّا جَاءتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِن قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ*)

( قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَن سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُّمَرَّدٌ مِّن قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ*) .

وتجتمع الرواية التوراتية مع القرآنية حول حكمة سليمان وفهمه إذ يقول القرآن الكريم في سورة الأنبياء الآية (79) .

(فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلّاً آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ *) .

أما التوراة ففي سفر الملوك الأول 29:4 .

وأعطي الله سليمان حكمة وفهماً كثيراً جداً ، ورحبة قلب كالرمل الذي علي شاطئ البحر .

لقد توسعت قبرانقست (تاريخ الملوك العظام) في رواية سليمان الحكيم مع الهنداكة ماكيدا وشملت حوارات ووصف بلغة دينية رفيعة بالرغم من أني إطلعت عليها في ترجمتها الإنجليزية المترجمة عن اللغة العربية والمترجمة بدورها من اللغة الأم وهي لغة القعز .

أن أول المؤرخين الذين تحدثوا عن اليهودية في أثيوبيا هو الداد الداني أو الداد هداني أو الداد بين ماهل الداني والداني في هذا الإسم نسبة إلي سبط الدان من أسباط إسرائيل ، الداد هذا مؤرخ خرج من أثيوبيا من منطقة بحيرة تانا وهي المنطقة التي تشمل إقليمي غندار وولو في أثيوبيا الحالية الي اليمن ثم الي القيروان وتقول بعض المصادر أنه غادر القيروان الي أسبانيا وقد حمل هذا المؤرخ معه نسخة من التوراة بلغة القعز وهذه التوراة كانت معروفة في أثيوبيا بإسم (قرأيت أو قرأت) . وحول أصول القبيلة التي تسمي نفسها بيتا إسرائيل في أثيوبيا أو الفلاشا كما يسميهم الآخرون يقولون أنهم سبط الدان من قبائل التية وهم أحفاد منليك الأول – إبن سليمان من ملكة سبأ (شيبا)-  وبعض المجموعات التي هاجرت من مصر وسيناء، ويرجع تاريخهم الي ما قبل الميلاد بين القرنين السابع والخامس ، هذا المؤرخ تحدث عن إختلافات بين التوراة والتلمود - أي الرواية الشفاهية التي كتبها الحاخامات وأضافوها الي الأسفار الأخرى فصار ما يعرف بالعهد القديم – ، هذا المؤرخ الذي عرف في القيروان في القرن التاسع الميلادي بإسم الداد بن ماهل الداني والذي إنقطع ذكره بذهابه الي أسبانيا وأرجح أن الداد قد إستوعب بشكل ما في المجتمعات اليهودية المرتبطة بأسبانيا أو السفرديم- في إسرائيل الحالية هم من ترجع جذورهم الي أسبانيا- .

أما المرحلة الثانية من تاريخ تواتر الأديان في أثيوبيا فهي المرحلة المسيحية إذ نجد الكثير من الإشارات الي أن المسيحية في باكر عهدها وسنيها الأولي قد تواصلت مع البلاط الملكي الأثيوبي وأقوي هذه الإشارات ما ورد في إنجيل لوقا 8:27 عن الكنداكة :-

((وعندها قال ملاك الرب لفيليب : سر بإتجاه الجنوب من طريق القدس المؤدي الي غزة . ثم سار وفي الطريق استرعي نظره أثيوبيا ، ذلك الرجل وهو مسئول كبير لدا الكنداكة ملكة أثيوبيا ومسئول عن كل خزائنها )) .

وفي النص الأثيوبي القديم – قبرانقست أو تاريخ الملوك العظام – ذكر أن الكنداكة المقصودة هي هنداكة قريسامؤوت وهي الهنداكة السابعة .

        المسيحية التي وصلت الي أثيوبيا كانت أقرب الي المسيح وحواريه من بقية المسيحية ولم تتأثر بكثير من التأثيرات من حيث العقائد والنصوص التي أتت لاحقة بعد إعتناق القياصرة الروم للمسيحية ومؤتمر فينيقية ، ورغم الاختلاف المعروف بين الكنيسة الشرقية الأرثوذكسية عن بقية الكنائس والمذاهب المسيحية في العالم فإن الكنائس الأرثوذكسية المتوسطية كالكنيسة القبطية والسريانية لم تسلم من تأثيرات الكنائس والمذاهب والأخرى ولقد تأثرت بسبب ذلك الاستهداف المستمر لموقعها المتوسطي الهام ، ولكن الكنيسة الأثيوبية ظلت بمنأي عن كل ذلك وبذلك صارت متميزة حتى عن بقية الكنائس الشرقية الأرثوذكسية أيضاً ، هذا التميز شمل العقائد والطقوس والشعائر والممارسة الإجتماعية أي مجمل التدين ، في العقائد نجد أن الكنيسة الأثيوبية والارترية – تصر علي أن تسمي نفسها الكنيسة الأرثوذكسية التوحيدية وتبرز تميزها العقدي عبر عقيدة التوحيد فيها وتستخدم كلمة توحيدو لغة القعز Tawahido   والتى تعنى أحدية المعبود بالعربية للإشارة الي تميزها العقدي ، أما في جانب الطقوس والشعائر فإن رعايا الكنيسة التوحيدية الأثيوبية يكثرون من الصوم حيث تتجاوز عدد أيام صيامهم الشهرين في كل سنة ولهم في صلاتهم سجود وركوع  ويمتد تدينهم الي بعض العادات والتقاليد الدينية مثل ختان الذكور وزى النساء المحتشم – لا يبرز إلا الوجه والكفين - ويصل الإلتزام بهذه الأمور لدرجة أن الكنيسة تمنع دخول النساء والفتيات المتبرجات اللائي لا يغطين رؤوسهن من الحاسرات تمنعهن الدخول الي حرم الكنائس والمصليات ، وكذلك عاداتهم في الجنائز بحيث يقيمون المآتم لعدة أيام ويتقبلون التعازي وتتلي النصوص الدينية حتى تتوفر الرحمة للميت .... الخ ، ولديهم النصوص الخاصة بالحلال والحرام فى المأكل والسلوك وهدا يجعل تدينهم اقرب الى تدين المسلمين واليهود منه الى طوائف وكنائس المسيحية الاخرىآ.

المرحلة الثالثة في تواتر الأديان هي مرحلة الإسلام ولا خلاف بين كل الذين أرخوا للإسلام أن الإسلام قد وصل الحبشة قبل وصوله الي المدينة (يثرب) ، ولقد وجدت أن الذين هاجروا الي الحبشة هم أكثر من نصف الذين أسلموا في بداية بعثة النبي محمد صلي الله عليه وسلم في مكة ، ووجدت في بعض المخطوطات أكثر من مائة وستين إسماً لأصحاب الرسول صلي الله عليه وسلم الذين هاجروا الي الحبشة ، ولقد ثبت أن قريشاً أرسلت الي النجاشي لإسترداد المهاجرين ، لقد إتضح أن عقيدة الإسلام وشعائره التي عرضها المهاجرون علي النجاشي لم تكن غريبة عليه فالتوحيد والصلوات وبقية الشعائر راسخة لفترة تجاوزت الألف سنة في مجتمعه ، ودعم ذلك أيضاً تناول الديني لتاريخ الملوك الأثيوبي والذي كان علماً ضرورياً للملوك حيث نجد تقارباً كبيراً بين قصص القرآن وقبرانقست كما أشرنا الي ذلك فى قصة النبى سليمان مع ملكة سبأ ويصدق أيضا على الرواية القرأنية بشأن المسيح وأمه ، وتقديري أن قريشاً كانت تعرف مسيحية الروم ومسيحية الطوائف المتوسطية الأرثوذكسية وبنت خطة هجومها لدا النجاشي علي تلك المعرفة وفشلت المحاولة بسبب ما أشرنا إليه في عرض المهاجرون لمعتقدهم وعرضهم للرواية القرأنية .

بعد هذا الاستعراض لتواتر الأديان علي الهضبة الأثيوبية أو الإمبراطورية الأثيوبية القديمة يتضح لنا أن أثيوبيا أو الإمبراطورية الأثيوبية القديمة تكاد تكون المنطقة الوحيدة في العالم التي تواترت عليها الأديان السماوية الكبرى القائمة اليوم وأن كل هذه الديانات قد وصلت الي أثيوبيا مع بداية إنبعاثها ولذلك كانت أثيوبيا قريبة جداً من المصادر الأولي من أنبياء ورسل وبذلك نجد رسوخ العقيدة الدينية القائمة علي التوحيد لما يتجاوز ثلاثة آلاف سنة ولطول الأمد ورسوخ العقائد الدينية وإستمرارها صار الدين هو المصدر للعادات والمعروف والمألوف والقيم وبذلك حدثت مقاربة أقرب الي التطابق بين العادات والتقاليد الإجتماعية والتدين وبالرغم من الاختلافات القليلة الموجودة في أشكال التدين وشعائره بين إتباع الديانات السماوية في أثيوبيا فإن المضامين الدينية أكثر تقارباً إذ تجتمع في عقيدة التوحيد وتجتمع في الشعائر الأساسية الصلاة والصوم والزكاة والحلال والحرام وتتقارب في العادات الإجتماعية كالختان والجنائز والأغاني الدينية ولعل كلمة مزمور معروفة في اللغة الدينية الأثيوبية بذات معناها في العربية والعبرية وتشبه المزمران MAZAMARAN  أو حلقات الذكر الديني حلقات المديح والذكر في السودان مبني ومعني بما في ذلك الطبول والدفوف ، وإذا أتيحت لك الفرصة أن تري المادحة المسيحية زيماريت مرتنش أو بيتي تأمرت فلن تستبين لك مسيحيتها إلا حين تري الصلبان علي صدورهن أو في خلفية التصوير ، وإذا سمعت الي حداق نقاش أو فرقة الأرض الميتمة النحاسية وهم يؤدون إنشادهم الديني بالعبرية فلن تستبين يهوديتهم إلا من خلال اللغة العبرية ومضمون إنشادهم وطريقة أدائهم لا تختلف عن أي منشد مسلم من الجنوب الأسيوي أو شرق أوربا . نخلص من كل ماسبق الى ان المحتوى الحقيقى للاجتماع التاريخى طويل الأمد فى الهضبة مع تواتر الاديان السماوية على دلك الاجتماع هو ما صنع مارد الهضبة،و بطبيعة التطور فى الاشياء والناس أو مايطلق عليه اهل العلوم الدورات الحضارية - والتى ترد فى اشارات أهل الناموس ومنهم الدكتور النور حمد بمسميات استدارة الزمان والصحوة  ونحوه –  سيكون هو مادة التغيير والتطورات الجوهرية فى الاجتماع التاريخى فى الهضبة الاثيوبية .     

أن الكتابة في شكل مقالات لا تفى هذا الأمر حقه من التناول الدقيق ، ولكني أقول إن الزمان ربما تستدير هيئته فى السهل النيلى عبر الناموس الذي يتمظهر في الهجرات الكثيفة في العقدين الماضيين من الهضبة الي السهل والتطورات الإجتماعية والثقافية والدينية التي بدأت تبرز تأثيرات واضحة علي المكونات الإجتماعية والثقافية والدينية في السهل وأبرزها في العاصمة الخرطوم وتبرز أيضا فى المؤشرات المخالفة للسنن دلك أن المقهورين واللاجئين الآن أوقع تأثيراً علي المجتمع المضيف والمألوف أن هؤلاء ينبغي أن يتغيروا ليحصلوا علي القبول والإدماج في المجتمع المضيف ، وتدعم تلك التأثيرات حقيقة أن السودان الدى ألفناه لقرون مضت ربما تدهب بعض أجزائه وتنسحب معها بعض المجموعات السكانية وتحل محلها مجموعات أكبر من الهضبة وتشكل مع ما سبقها المكون السكانى الاكبر فى السهل النيلى ، وعندها ستكون المشاهد التى نرى إشارات الى أن المارد سيعود الي السهل في بضع  عقود .  

ahamed ali [sabeel5588@yahoo.com]

 

آراء