الهوامل والشوامل: عودة الميرغني وإعادة هوامل النخب الفاشلة

 


 

طاهر عمر
24 نوفمبر, 2022

 

خطر بالبال بسبب عودة الميرغني و يا ليت لو قلنا عودة الوعي لأن الوعي لا يمكن أن يعود مع الميرغني و ما أحوجنا لعودة الوعي كما كتب توفيق الحكيم معنونا كتابه و على أي حال عودة الميرغني و غياب الوعي تربطهما علاقة عكسية اما عودة الوعي أو عودة الميرغني فكانت عودة الميرغني. لكن لماذا عاد الميرغني و تأخرت عودة الوعي؟ يمكن أن تكون الإجابة على سؤال عودة الميرغني و غياب الوعي سببها سيطرة عقل الحيرة و الاستحالة المعشعش على تلافيفه الخوف المرضي الذي يجعل من النخب السودانية أسيرة وحل الفكر الديني.

عودة الميرغني تفتح أبواب مغلقة و قد رأينا كيف سيطر الجهل المؤسس و كيف تكون العقول عليها أقفالها كما يقول محمد أركون و قد إستلف مصطلح الجهل المؤسس من اوليفيه روا الكاتب الفرنسي صاحب كتاب الجهل المقدس و هذا ما حدث مع عودة الميرغني و فقر فكر النخب السودانية المتفرنج و المعمم منهم كلهم قد أصبحوا ينطبق عليهم جهد عالم الاجتماع العراقي فالح عبد الجبار و كيفية عجز النخب العراقية في فك ارتباطها بالعمامة و أقصد جهده في كتابه العمامة و الأفندي و ها نحن نشاهد كيف ترتبط العمامة و الأفندي و عقل النخب السودانية بوحل الفكر الديني.

إرتباط عقل النخب السودانية بوحل الفكر الديني تجلياته كثيرة جدا و هي علاقة الأفندي و العمامة مثلا مثول قادة الحزب الشيوعي أمام شيخ كدباس و تخفي الكيزان خلف مبادرة و بدر و غيرها من جهود المفكرين السودانيين و قد قرأنا مقال الواثق كمير و هو يتحدث عن توحيد الاتحاديين و تدخّل مصر في الأمر و كله يدخل في لوثة فكر يصعب الخروج منها.

لأنها قد أصبحت نتيجة توهان نخب سودانية على مدى قرن من الزمن أي منذ أيام أندية الخريجين و بعده كأتباع لمؤتمر الخريجيين و بعد إنهياره قد سيطرت فكرة العمامة و الأفندي على عقل النخب الفاشلة و هم يتسابقون الى أحزاب الطائفية و الى لحظة عودة الميرغني الأخيرة و غياب الوعي.

العمامة و الأفندي نجدها أيضا في تحلّق الأفندية حول دراويش الصادق المهدي لتخليد فكره و تقف خلفهم جامعة الأحفاد و كلها مؤشرات توضح عجز النخب السودانية و غياب إدراكها الذي يفصل ما بين الدين و الدولة و معروف عداء الصادق المهدي لأي فكر ينزع نحو الأنسنة لدرجة أن في أيامه الأخيرة حاول محاولة خجولة بأن يصف المفكريين ذو النزعة الانسانية بالدهريين قلنا خجولة لأن الصادق المهدي كان يدرك بأن له سطوة على النخب السودانية و خاصة المتفرنجة منهم لكنه لا يتطاول على مفكري الخارج.

نضرب مثل بمهادنة كمال الجزولي للصادق المهدي و الحديث على أن الصادق مفكر بل كان من ضمن من حاولوا تخليد فكر الصادق و هيهات و لا ننسى الحاج وراق و هو من نادى بمهادنة الطائفية و نسخة الشيوعية السودانية فلنترك الصادق رحمه الله و لكن ما يوجع مهادنة أمثال كمال الجزولي و الحاج وراق لأمثال الصادق المهدي و لا نجد لذلك تفسير غير العمامة و الأفندي كما فسر فالح عبد الجبار عدم فكاك النخب من عباءة رجال الدين و لهذا إذا تسألنا من يقف خلف عودة الميرغني و غياب الوعي ستكون الإجابة قد جاء الميرغني من علاقة الأفندي بالعمامة.

نعم قلنا أن للصادق المهدي سطوة على أمثال كمال الجزولي و الحاج وراق و لكن لا يستطيع فتح أبواب الجحيم على غير النخب السودانية الفاشلة و هي مرتبطة بفكرة العمامة و الأفندي.

نقولها بكل وضوح لا يستطيع الصادق المهدي و لا أتباعه مهاجمة فكر محمد أركون و هم مرتكزين على وحل الفكر الديني و تغيب عن أفقهم أفكار النزعة الإنسانية و قد تجلت في شعار ثورة ديسمبر حرية سلام و عدالة و هذا ما جعل الصادق يصفها ببوخة مرقة لأنها قد أوحت له بأن في ثورة ديسمبر تكمن نزعة انسانية مفارقة لعلاقة الأفندي بالعمامة و هذا ما لا يريده الصادق المهدي بل مصدر هم كبير له ان تكون هناك نزعة انسانية تحقق فكرة القطيعة مع وحل الفكر الديني.

و كثر لا يريدون لثورة ديسمبر أن تتدثر بثوبها ذو النزعة الانسانية الواضحة و يحاولون جهد ايمانهم أن تكون علاقة الأفندي و العمامة علاقة أبدية و هيهات لأنهم نسوا أن ثورة ديسمبر ثورة ديمقراطية بمعناها الهائل و لا يستوعبه غير الذي يستوعب التحول الهائل في المفاهيم و قد رأينا شعارات ثورة ديسمبر و كيف توشح الثوار بالعلم السوداني و أنشدوا هذه الأرض لنا و قد اشتروا المجد بأغلى ثمن.

و عندما نقول ثورة ديمقراطية نعني مفهوم صيرورة الديمقراطية و هي تعني أن تكون الديمقراطية بديلا للفكر الديني و عندما نقول أن تكون الديمقراطية بديلا للفكر الديني نقصد بالمعنى الواضح أن ليس مع الديمقراطية مرشد كما للكيزان و لا امام كما للانصار و لا مولانا كما للختمية بل للديمقراطية علاقة فرد بمفهوم الدولة التي يسودها مفهموم السلطة كمفهوم حديث بالتالي عودة الميرغني تعني غياب وعي سببه أن هناك علاقة للأفندي بالعمامة.

و عودة الميرغني لا تبتعد كثير من فكر الشفيع خضر الذي قد نادى ذات يوم بمساومة تاريخية بين يسار سوداني رث و يمين سوداني غارق في وحل الفكر الديني و لا تبتعد عن فكر محمد ابراهيم نقد في حوار حول الدولة المدينة حيث توصل فيه لعلمانية محابية للأديان و ما هي إلا تحورات علاقة الأفندي و العمامة.

و أفكار محمد ابراهيم نقد هي امتداد لأفكار عبد الخالق محجوب منذ منتصف ستينيات القرن المنصرم و هو يبحث لدور للدين في السياسة السودانية و ها هي حقنة السم التي حقنت بها شراين النخب السودانية لتقع في علاقة الأفندي و العمامة تعطي مفعولها مع عودة الميرغني.

بمناسبة عودة الميرغني التي تكشف علاقة الأفندي و العمامة هل ننسى مؤالفة النور حمد بين العلمانية و الدين كما طرحه يوم خدعهم الكوز خالد التجاني النور في لقاء نيروبي و كان معه كل من كمال الجزولي و رشا عوض و قد شارك عبد العزيز حسين الصاوي بفكره من على البعد دون أن يذهب و معهم كثر يعرفون أنفسهم.

عودة الميرغني تتويج لعلاقة نخب فاشلة بعمامة رجال الدين منذ ما يقارب الثمانية عقود. نخب سودانية ليس لها علاقة بثورة ديسمبر كثورة شعب متقدم جدا على نخبه الفاشلة. و نقول عودة الميرغني هي عنوان كبير لغياب الوعي و لا يهم إن جاء ليصطف في صف العسكر أم في صف من يزعمون أنهم أنصار الثورة و هم ليسوا كذلك ما داموا أبناء لأحزاب الطائفية و المرشد و السلفيين الذين فقدوا بريقهم في السعودية.

ثورة ديسمبر ثورة نزعة انسانية أعداءها كثر في الداخل و في الخارج ففي الداخل أعداءها متدنئ الوعي الذين يتحلقون حول الثورة و هي تعاني من فكرهم الديني المتحجر و أعداء الخارج كمصر التي أرسلت الميرغني كآخر محاولة لها لفرملة الثورة المجيدة و السعودية التي لا تريد تحول ديمقراطي في السودان حتى لا يذكر شعبها بأن هناك نظم حكم مصدرها الشعب كمصدر للسلطة. و الإمارات التي تريد أن تصير عملاق باستثماراتها في ظل نخب خايبة يقودهم عسكر يتأهبون للخروج من التاريخ.

سوف يمضي الزمان و تنقضي أحداثه و سوف تنجح ثورة ديسمبر و ستنتصر النزعة الانسانية و تتصدر مشهد الفكر أفكار الثورة آجلا أم عاجل و ستكون الديمقراطية كصيرورة بديلا للفكر الديني من كل شاكلة و لون و يوما سيعود الوعي الغائب لأزمان طويلة و سيختفي الميرغني كما اختفى الامام الصادق و المرشد الترابي و ستنتصر انثروبولوجيا الليبرالية حيث تسود معادلة الحرية و العدالة لأننا في زمن الفرد و العقل و الحرية.

و علاقة الفرد بالدين شأن فردي لا يحتاج لا للميرغني و لا للمهدي لكي يدخلا الهوامل الى زريبة الهوامل فلا الميرغني و لا المهدي بقادرين أن يكونا من الشوامل لكي يعيدوا الهوامل الى زريبة الهوامل.

في الختام كتاب الهوامل و الشوامل هو كتاب متكون من أسئلة ابوحيان التوحيدي الموجهة لمسكويه الذي أجاب عليها و أطلق على الأجوبة الشوامل و هي كما الحيوانات التي تعيد الهوامل من الدواب الى قطيعها.

و قد كان فكر محمد أركون بحث عن قطيعة الفكر الاسلامي مع نزعته الانسانية و قطيعته مع الحداثة و قد وجد في الهوامل و الشوامل نزعة انسانية منقطعة النظير. و ما أحوجنا للنزعة الانسانية التي تخلصنا من نخب فاشلة يعيدهم الميرغني كهوامل لزريبة الهوامل.

taheromer86@yahoo.com

 

آراء

النتائج