بين الفوبيا والبارانويا، يتخبّط الجنرال عبد الفتاح البرهان، متنقلًا بمواكبه الاستعراضية المصفحة، في هيئة “صاحب الدولة”، وليس الموظف العام الذي يجلس على قمة إدارتها، بصرف النظر عن أن هذا الجلوس جاء عبر وسائل شرعية محترمة، أم بالقرصنة والخطف والسطو المسلح.
غرق السودان في التفاصيل ووقف البرهان بتشنجه وطبعه العنيد ليدير المشهد، فسقطت البلاد في حالة من الجمود، وأمام البحث عن مخرج سياسي تقف البلاد على الحافة مع جميع مشكلاتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وفي الأيام المقبلة من الصعب التنبؤ بمسارات الأحداث في البلد الذي شهد ثورة استمرت ثلاث سنوات دون كلل أو ملل، والمختبر الأخير للإجابة على تساؤلات طرحها كثيرون تضمنت تساؤلات عديدة أبرزها ((هل نحن أهل للديمقراطية؟)).
وبما أن التجربة السودانية لم تلفظ إلى اليوم أنفاسها الأخيرة، فهل يمكن أن نستقصي أسباب النزعة الاستبدادية التي يمارسها معسكر الانقلاب وهو يقبض على السودان والحكم، ولا يظهر توجهاً واضحاً للمرحلة المقبلة، فالوقت كله أمامه في دولة دخلت في مرحلة من التعطيل، التي تتناسب مع شخصية لاعبي الشطرنج الذين يمكنهم إمضاء الساعات متأملين في الحركة المقبلة، البرهان لم ولن يكن يوماً جزءاً من منظومة ديناميكية تسعى إلى مواجهة الأحداث والتعامل معها، والاستجابة لمعطياتها.
ما الذي يمكن أن يشكل العقل الأدواتي لشخصية البرهان، الرجل لم يكن قائدا عسكرياً ناجحا ومميزا يعرف كيف يوظف جنوده بأفضل كفاءة لتحقيق هدف معين، ولم يكن مهندساً تحاصره عوامل التكلفة والحسابات الكثيرة والجمال في مواجهة الاستخدامات العملية، ولا كان طبيباً يعتريه شعور الحالة الطارئة والتأرجح بين الحياة والموت، وليس أكاديمي وفقيه قانوني، يمكنه أن يمضي الأيام والأسابيع أمام نص قانوني يمحصه يميناً وشمالاً، ويستدعي الحالات المشابهة ويدرسها، ثم يخرج بتوصيات يعرف أنها ستثير الجدل، فيحضر نفسه للاستغراق في مزيد من الجدل. ولا أديبا أو قاريء للأدب ليستشعر الجمال ، قضى البرهان ردحاً من عمره في المؤسسة العسكرية السودانية، ودرس العلوم العسكرية بجمهورية مصر العربية التي تشبعت هي الأخرى بالاستبداد وقمع الحريات، فمثله الاعلى هو السيسي الانقلابي الآخر وهو لا يتردد في التغول على الحرية والبطش والقمع والاخفاء القسري وحتى القتل، وممارسة (الشللية) وقمع المواهب والحريات والبرهان ، علاوةً على ذلك، الرجل الهادئ ظاهريا، ابن الطبقة الوسطى المهادنة، المستفيدة من نظام الاسلاميين، ، لم تعرف عنه نبرة معارضة أو موقف وطني واحد ابان حقبة المعزول البشير، ولم يعرف ظلمة الزنزانة وبردها ورطوبتها، أو استطالة المنفى وعبثيته، أو حتى المضايقات الأمنية الروتينية، فكيف يمكن أن نعتبره مناصرا للديمقراطية من حيث المبدأ وكيف نأتمنه على ادارة المرحلة الانتقالية للوصول بها الى الانتخابات النيابية والرئاسية وهو الذي نقض العهود ولم يوف بالوعود والمواثيق ، أين اختمرت نزعته الديمقراطية وقناعاته؟ أين تشكلت شخصيته العسكرية و السياسية؟ وهل تكفي تجاربه ان كان يقراء التاريخ، بما يحمله من طغاة وثوار ليكون قائداً لبلد يقف على الحافة في تحديد هويته خلال العقود المقبلة؟ ويتحمل مسؤولية الشرارة الملهمة للمنطقة العربية والافريقية بأسرها؟ أين هو الأمن القومي السوداني الذي يبرر الاستبداد، أين الجرح النرجسي الذي يجعله بالفعل القائد الذي يقود الشعب ويعطيهم كل المبررات ليتبعوه؟ يتحدث عن انعدام الامن و معاناة الناس والظروف الاقتصادية، وهو المتسبب فيها ولا يبدو أنه يمتلك حلولاً أو يستقدم من يستطيع أن يضطلع بالتحديات، يتحدث عن المشاركة وتوسيع قاعدة المشاركة، في الوقت الذي يحتج فيه الخريجون بشهادات عليا ضيق الحال أمامهم، ولم يجدوا حتى الوظائف البسيطة، وهو لم يكن فقيراً أو عاطلاً عن العمل، أو مهمشاً أو رجلاً تم إقصاؤه من أجل أفكاره، فكأنه يفتقد للحافز الشخصي ويعيش في تصوراته الشخصية المنبتة عن الواقع.
مشكلة البرهان أنه يفتقد أيضاً للكاريزما، لا يمكن تصوره قادراً على التأثير على الشارع أو تبني مشروع وطني كبير، فهو ليس جمال عبد الناصر مع أنه يحاول أن يفرض نموذج المستبد العادل الذي استثمره عبد الناصر في مصر، كما أنه لا يمتلك أي منجزات على الأرض، فلم يكن يوماً في موقع مسؤولية يجعله يقدم إنجازاً واحداً، هذا أمر مقبول، ولعله الحد الأدنى، ولا يمكن أن نتحدث عن مشروع أردوغان في إسطنبول، الذي مهد طريقه للرئاسة وللتفرد بالسلطة، إذ يكفي أن نلتفت لمشروع مطار القاهرة، الذي كان يقدمه الفريق أحمد شفيق في سباقه الرئيسي بوصفه مشروعاً كبيراً تمكن من إنجازه، ولإشاعة صورة ذهنية بأنه رجل العمل والإنجازات.
البرهان لم يطلب شيئاً من الجموع، ومشهده المتكرر وهو يقف قريباً أو بمحاذاة النظام المباد، يعرف أنه يساومهم داخلياً للمحافظة على الوضع الجامد، وينتظر ويترقب ويتخذ قراراً غير منتج وراء الآخر، فيتحرك الشارع ثم للصمت والاختفاء، وكأنه يريد أن يقنع الجميع بأنه هو حارس البلاد في هذه المرحلة.
من منظوره الشخصي لم ينقلب البرهان في السودان، بل ما قام به في 25 اكتوبر الماضي اجراءات تصحيحية لمسار الثورة، وما يفعله هو تعديل مسار الثورة، ولكن واقعيا تلك ردة وثورة مضادة ،هذه الردة تتبدى عميقاً في بحثه المستمرعن صياغة الشعب السوداني في صفوف وراء صفوف تجزل له في الهتاف وهذا لم يحدث، بل جاءت الرياح عكس ما تشتهي السفن ، انقلب الهتاف ضده وهو لم يظهر متضايقاً أو منزعجاً من هتاف السودانيين في كل موكب أو مليونية يخرجون في الشوارع، بل رفع قبضته في الهواء مبدياً عزماً وإصراراً على المضي في طريقه، الطريق الذي لا يعرف أحدٌ معالمه أو مداه أو اتجاهه. الشارع السوداني الذي وجد نفسه يعود إلى تلاعب حتىفي تقويم ثورته لتكون ذكراها كما يريد هو، وليس يوم خلع عمرالرئيس البشير ونظامه، يستشعر أن البرهان يحاول أن يكسب الوقت لفرض سياسة الأمر الواقع، ويحلم أن يتجنب استدعاء الثورة في الشارع من جديد، وكأن الثورة هي فعل لأجل الثورة في حد ذاتها، وليس من أجل التغيير والتقدم للأمام.
لقد استمعنا، واستمع العالم إلى شبابنا، وأصوات ارتطام أحلامهم وتحطّمها في وطن يحترم إنسانيتهم ويتمتع بالحد الأدنى من العدل، فهل استمعت أنت يا برهان وفهمت أنك وضعت وطنًا على حافّة الجنون؟ هل فكرت في اليوم التالي لاختفائك من المشهد؟
نحن فكرنا فوجدنا كوابيس مفزعة من صنع يديك، بدلًا من الأحلام التي تطلب أن نملأ بها الشباب، ورأينا ملامح مستقبل مبلل بوقود الثأرات المجتمعية والاحتراب الأهلي، ويحمل في طياته كل عوامل الاشتعال المروع.
لقد نجحت، يا جنرال، في إنشاء سوق مفتوحة لتجارة الكراهية التي هي سلعة رخيصة، قليلة الكلفة وكبيرة الربح، تجدها رائجةً ومنتعشةً بعد كل إعلان عن فقد الأراوح السودانية واراقة الدماء، سواء كانت من مؤيدي ظلمك وبطشك وطغيانك، أو من الطرف الآخر، المسحوق، المستباح في دمه وماله وسمعته طوال الوقت. فاحتفل واضحك للكاميرا ، واطمئن على المستقبل الذي زرعته بألغام العدم.
وصلنا إلى هذه الحالة من البؤس الكامل، صرنا معها، وبدلا من أن نحتفل بنجاح ثورة الحرية والكرامة الإنسانية واسترداد بلادنا، اصبحنا نعتبر الإفلات من بين أنياب الوطن مناسبةً سعيدةً تستحق التهنئة، غير عابئين بأن الوطن قد غرس مخالبه واقتلع جنسيتنا من جذورها، وأن الوضع كله يدعو إلى الرثاء، لا التهنئة بالنفي الإجباري، فرارًا من براثن وطنٍ لا يشبع من الدماء.
للأسفس يطالُ الحريق كل من تسببوا في إهانة الدولة وقرروا الانْقِضاض عليها وهي في أضعفِ حالاتها.. وسيسقطُ في النار آلاف بل ملايين الأبرياء الذين جلب لهم المغامرون الويلات إلى عتبات بيوتهم وأماكن أكل عيشهم!
ونحن نعلم لمصلحة من يُقرر الطرف الانقلابي استغلال الصراع لتدمير الدولة والعبث بمصائر الملايين؛ لكن سيفيقُ القوم صبيحة أول شمس تشرق وهم في “الصقيعة” بلا دولة.. حينها تكشف الدولة عن وجهها الأقبح؛ غربان على المآذن، جثث تأكلها الكلاب، الذعر والهرب والنواح الجماعي.. أشياء صغيرة تقرر حملها من بيتك وأنت في طريق مستقرك الجديد.. في المخيمات! حينها لن يحرس ما تبقى من أمجاد الدولة المُهانة ، ولن يستعيد أولو العزم أي قطعة من الأرض المُحتلة، وسيبخل عليكنا الجيران و البيض بلقاحات شلل الأطفال وأدوية الملاريا ولن يقطعوا شيئا من لحومهم لإطعامنا. أنا لا أهتم إن كان يُفهم من ذلك أنه نصب لفزاعة الخوف والضجر من ما يجري، أو أن ذلك دعوة لحل سياسي!، أنا لا أهتم.. أنا أفقد موطني.. ثم ماذا بعده! ماذا بعده؟!
نقطة الضوء الأخير في النفق السوداني المظلم تكمن في إمكانية نجاح الوساطة الدولية والإقليمية، وجمع المكونين، المدني والعسكري، في طاولة المفاوضات مجدّداً، وبحث مساراتٍ جديدة للخروج من أتون التشرذم وإنقاذ السودان من السقوط في فخّ الصراعات وقطع الطريق أمام الدول الطامعة في دفعه نحو تمزيقه وتفكيك بنية نظامه العسكري الذي يعد القلعة الأخيرة التي ما إن تهاوت لن يبقى بعدها شيء، وتتساقط أعمدة النظام دفعة واحدة كأحجار الدومينو.
أخيراً، غالباً ما تثور الشعوب في لحظة فقدانها الأمل والانكسار مادياً ومعنوياً، أو الشعوب التي عانت من بطش النظام الدكتاتوري، فالسودان الذي عاش تحت حكم العسكر سنوات عجافاً، وتاق شعبه أخيراً للحرية، يبدو أن خروجه من وحل العسكر ضيق جداً وغير مفروش بالورود، بل لديه حبال الأخطبوط لتثبيت أركان نظام دكتاتوري شخصاني آخر، كما أن بقاء العسكر في هرم السلطة لإدارة الفترة الانتقالية مرتبط بمدى القبول الدولي بهم أمرا واقعا، وتراجع الضغط السياسي الذي يمارس عليهم حالياً للعودة إلى الوثيقة الدستورية وتسليم السلطة للمدنيين، وهو ضغط دولي مرهون بمدى تأثير الفاعلين المحليين والحركات الاحتجاجية التي تواجه حالياً اختباراً صعباً للعودة إلى الشارع، وذلك بعد الانقسام العريض في مكوّناتها وقياداتها، الأمر الذي يؤثر فعلاً على زخم حركة الاعتصامات الرافضة الانقلاب العسكري، وهو ما يجعل السودان يواجه خيارين أحلاهما مرّ: العودة إلى شراكة حقيقية مع المكون المدني لضمان انتقال سلمي سلس نحو انتخابات ديمقراطية عام 2023 أو قمع عسكري يدوس، بأحذيته الغليظة، على التيار المدني، هل كتب علينا أن يبقى شعار الدكتاتوريات العسكرية في أفريقيا “لا حكم إلّا للعسكر” الى أبد الدهر؟!!..
نبضات أخيرة:-
• نحكمكم أو نبيدكم ! رسالة الطغاة إلى الشعوب واضحة لا غبار عليها : إما أن تعيشوا عبيدا تحت أقدامنا أو نخسف بكم الأرض فنحن نملك الجيش والشرطة والسلاح والفن والشيوخ والمخدرات وإعلام العار … وإن نقُصت أسلحتنا فسنستجلب الغزاة والمرتزقة لإبادتكم كما يحدث الآن.
• ويتواصل مسلسل تهريب الذهب عبر المطارات نهارا جهارا !!، على قول الأخ الكوميدي (ودالزلط )البلد دي كلها اتسرقت بعد العشاء (بكسر العين)،الا الذهب اتسرق بالنهار !!.
• المبادرة الأممية لحل الأزمة السودانية هل تحمل جديدا للمشهد السوداني أم هي سياسة فرض أجندة للتطبيع مع العسكر؟! في حقيقة الأمر ليس هنالك مبادرة أممية بل اعلان عن عملية تسهيل بين الفاعلين السياسيين في السودان. لو كانت الأمم المتحدة جادة كان أولي بها اجراء هذا التواصل و التسهيل قبل الاعلان عن عملية في اساسها (دردشة) مع ما يسمي باصحاب المصلحة. يبدو أن الهدف من هذا الضجيج الاعلامي هو ارسال رسالة أن هنالك من يقول بأنني أعمل في شيء ما و ليس بالضرورة أن انتج شيئا. لا حك جلدنا مثل ظفرنا و مواصلة حراكنا برؤية و بصف ثوري ديمقراطي موحد افضل لنا من زعيق اعلامي أممي مقابل قوى غاشمة لا تري فينا سوي رهائن.
• بخصوص تعيينات الخارجيةبشكل سري وبدون اي إعلان تم تعيين مجموعة ال 13 سكرتير أول ومستشار للعمل في وزارة الخارجية وهم الذين كان قد وقع عليهم الإختيار سابقا من جملة الناجحين في مرحلة الإختيار الأولى التي ألغاها رئيس الوزراء، وكون لجنة اصدر قرار بناءا على توصياتها بإستيعاب جميع الناجحين. وللمرة الثانية تم إستبعاد الناجحين الآخرين ومنعهم من مباشرة اجراءات تعيينهم بدون ابداء اي اسباب أو توضيح رغم قرار رئيس الوزراء القاضي بتعيينهم فورا. إستغلت كل من وزارة الخارجية ومفوضية الإختيار للخدمة المدنية ظروف الإنقلاب لتمرير نفس أجندة الاقصاء السابقة لتعيين الاقارب والمعارف على حساب قوانين العمل الاداري ضاربة بنزاهة الخدمة المدنية عرض الحائط، ما ضاع حق وراءه مطالب وطال الزمن أم قصر سيعود الحق لأهله لأنها اولا ثورة من أجل العدالة ولأنها كانت ولا زالت محروسة بالدماء.
• أنظر للفنان حمد البابلي ، عنده أغاني عديدة، صدف إنه وفي لحظة استغراق وفناء صوفي أنتج “يا أغلا من دمي” فخلّدتها ذاكرة تقديس الأمهات، هذا العمل عندي يأتي في المرتبة الثانية بعد رائعة بحر المودة، ثم تأتي “الله يسلمك” ثم “أمي يا أجمل كلمة بقولا”. أعمال بسيطة أو حتى عمل واحد تستذكرك الناس ( بها / به ) أبد الدهر أفضل من مجموعة ضخمة من الأعمال لا قيمة لها فيغمرها غبار النسيان.
إنتي الحنان والضل
يا غالية ست الكل
أعيش دوام لرضاك
واخفض جناح الذل
يا حبيبتي يا أمي
mido34067@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم