اليوم نرفع راية استقلالنا تحرير الخرطوم 26 يناير 1885م


محمد علي ـ لندن
الذكري الـ 137 لتحرير الخرطوم
واستقلال السودان الأول
في مثل هذا اليوم من مائة وسبعة وثلاثين عاماً مضت قاد الإمام المهدي ثورة جمعت كل أبناء الشعب السوداني واستطاع تحرير السودان من سيطرة الحكم الاستعماري البغيض
وأدناه ما كتب عن الثورة المهدية وتحرير السودان
هناك في السودان غاب عنا ..غاب عنا
هناك .. طأطأت إنجلترا رأسها .. وانكسرت
من هنالك .. من هنالك ..
تفشي نبأ ارتعشت له قلوب كل البريطانيين ..
قُتِلَ بطلنا العظيم .. قُتِلَ بطلنا العظيم .
( من ارشيف الأغاني الشعبية البريطانية
01-25-2015 01:06 PM
تاج السر عثمان بابو
أسباب وعوامل نجاح الثورة المهدية (1881- 1885م)
بقلم:تاج السر عثمان
في 26 /يناير /1885م تم تتويج انتصار الثورة المهدية وانتزاع استقلال السودان من قبضة الاستعمار التركي الذي جثم علي صدر شعبنا 64 عاما سام فيها شعب السودان سوء العذاب، ونتابع في هذه المناسبة وبعد مرور 130 عاما علي تجربة انتصار الثورة المهدية الأسباب والعوامل التي أدت لي نجاح الثورة المهدية، فماهي تلك الأسباب والعوامل؟.
أولا : أسباب الثورة المهدية:-
أشار المؤرخون مثل: نعوم شقير إلى أسبابها التي تتلخص في : الظلم والعنف ، والضرائب الباهظة ، ومنع تجارة الرقيق ، والمحاباة وانتشار عقيدة المهدي المنتظر، .
كما حدد عوامل نجاحها في استخفاف الحكومة في بادئ الأمر بحركة المهدي ، والانشغال بثورة عرابي في مصر ، وضعف الحاميات العسكرية لحظة وقوع الثورة ، وضعف التسليح والتحصين وتعود الجنود على الترف والراحة وتردد الحكومة إذ أنها لم تتخذ سياسة نافذة لإخماد الثورة ( شقير 1981). ) .
ويقول د . مكي شبيكة: “وهنا يجدر بي أن ألاحظ ما كتبه المؤرخون في الأسباب التي أدت إلى الثورة المهدية ويجمعون على أن الأسباب الرئيسية هي فداحة الضرائب وتفشي الرشوة والعنت والظلم والمناداة بإبطال الرق .. وقد تكون هذه الأسباب أو كلها مجتمعة السبب في انضمام البعض إلى راية المهدي ، وقد يكون المهدي استعان بالبارزين ممن كانوا فريسة لواحد أو اكثر من تلك الأسباب لكن الناحية التي يهملونها والتي في نظري المحرك الأول للثورة هي المعتقد الديني وشخصية الأمام المهدي “.( شبيكة : السودان والثورة المهدية :1978 ،63).
إذن المحرك الأول للثورة المهدية في نظر شبيكة كان المعتقد الديني وشخصية المهدي .
ويضيف إبراهيم فوزي إلى ما سبق التدهور الخلقي ويورد مثالا لذلك القصة التي تذهب إلى أن رجلا قد زف إلى رجل في مدينة الأبيض ، وكيف أن المهدي قد ثار عندما وقف على هذا الحادث ( إبراهيم فوزي : 1319ه ،ص73 – 74 ). ) .
ويذكر ثيوبولد ( إن أسبابها تعود إلي اتساع الفتوحات بحيث صارت أكثر من الطاقة الإدارية المتيسرة وإلى طاقة اختيار الموظفين ونظرة هؤلاء إلى الخدمة في السودان وتكالب الدولة على استغلال موارد البلاد). ( Theobold: P . 29)
ويذكر محمد فؤاد شكري: أن أسباب الثورة تعود إلى إلغاء تجارة الرقيق بالقوة ومكافحة الرق والنخاسة ثم ضعف الحكومة المركزية ( محمد فؤاد شكري:1958 ،ص 271).
ويرجع الشاطر بصيلي بها إلى الضغط الأجنبي في مصر والسودان لإلغاء الرق ومباشرة الأجانب للحكم في السودان وتنكيلهم بالاهلين ( الشاطر بصيلي : 1955 ، ص 164 وما بعدها).
ويرى د . أبو سليم: ( والقضية كما نراها هي أن النقاط التي أثارها الباحثون تصف في جملتها الظروف التي تستدعي قيام ثورة أو خلق احتجاج عام ولكنها تقف دون إبراز الظروف الذاتية والملابسات التي جعلت محمد أحمد دون غيره من الناس ممثلا لهذا الاحتجاج وقائدا للثورة على الأوضاع ، وبمعني أخر فإننا محتاجون إلى مزيد من الحقائق والبيانات عن حياة محمد أحمد الأولى ومدى ارتباطه بالحياة العامة وإلى إبراز العوامل التي دفعت به من الحياة السلبية التي يمارسها المريد الصوفي إلى الحياة الإيجابية الهادفة إلى بناء مجتمع جديد ( د . أبو سليم:1970 ،ص 12)
ويتابع د . أبو سليم متابعة دقيقة وجيدة للحقائق والبيانات عن حياة محمد احمد المهدي وتطور شخصيته والتكتيكات السليمة التي اتبعها حتى أعلن الثورة وقادها بنجاح إلى الانتصار . إذن د . أبو سليم يركز على إبراز الظروف الذاتية التي تمثلت في قيادة شخصية محمد احمد للثورة إلى جانب الظروف الموضوعية التي تستدعى قيام ثورة أو خلق احتجاج عام. .
وينتقد هولت تناول شقير ومن بعده للأسباب التي تتلخص في الظلم والقهر وسوء الإدارة ظل لصيقا بالإدارة المصرية واحتمله السودانيون لمدة الستين عاما فلماذا اندلعت الثورة في عام 1881 م ؟ . ولماذا لم تندلع في وقت أسبق ؟ لماذا ضاق السودانيون ذرعا بذلك النظام في ذلك الوقت بالذات ؟ ) Holt ; 1963 , P . 67)
ويصف هولت الأسباب التي ساقها المؤرخون منذ عهد نعوم شقير بأنها عوامل للسخط والتبرم لا تكفي لقيام الثورة في الوقت الذي قامت فيه ( ( Holt : 1958 , P . 25) ، كما يحدد عناصر للنجاح الثورة تتلخص في:
1 – يواكب الشعور بالسخط العام ضعف مادي أو معنوي في النظام القائم يجعل من العسير قمع الثورة إبان نشوبها.
2 –. وجود جيش ثوري على استعداد لاستعمال العنف في سبيل هدفه
3 – .وجود القيادة الثورية التي تطرح البديل للنظام القائم
ويقدم عبد الله على إبراهيم أمثلة لانتفاضات قامت نتيجة السخط مثل انتفاضة المك نمر التى أودت بحياة إسماعيل باشا وتمرد الشيخ البدوي في سنة 1895 وتمرد سليمان الزبير باشا في سنة 1878 ، وعصيان الفقيه إدريس وجماعة من أنصاره في سنة 1878 على النيل الأزرق ومقتله في قرية القراصة.
ومن هذا السرد يبرهن عبد الله على ابراهيم نظرية هولت ويقول ( هذه الانتفاضات المتباينة تشير إلى أن السخط وحده ليس هو الشرط الوحيد للثورة الشاملة ، ولكن بتوفر هذا السخط مع ضعف الكيان الإداري للنظام القائم مع القيادة الملهمة يبدا اندلاع الثورة . ( عبد الله على إبراهيم:1968،ص16- 17).)
كما يسرد تحلل وضعف إدارة الحكم التركي وتطور شخصية المهدي وتفاعلها مع الواقع القائم على الظلم والفساد ليصل إلى دور العامل الذاتي بجانب العامل الموضوعي ويقول ( إذا فالمهدي حين نضج السخط وساد التفكك والضعف في الجهاز الإداري – كان يهب القيادة الثورية التي ذكرها هولت ( نفسه ::ص21). )
. فعبد الله على إبراهيم هنا يوافق ويقدم الحجج التي تبرهن على نظرية هولت ..
ويصف د . محمد سعيد القدال منهج هولت في تناول أسباب الثورة المهدية بأنه منهج شمولي ويقول ( ولكن يبقي هذا المنهج الشمولي الذي يسعى هولت لإضفائه على تناوله لاسباب الثورة المهدية عاملا مساعدا في الوقوف على أسباب تلك الثورة ومراميها ( د . قدال ::1986 ، ص44-45).
ويستند قدال على منهج هولت الشمولي ويعمل على تطويره وتعميقه في مناقشة أسباب الثورة المهدية ويقدم ثلاثة ملاحظات منهجية ويحدد مصادره المنهجية في نصوص لماركس وانجلز ( الأيديولوجية الألمانية ) وبليخانوف ( تطور النظرة ألواحدية للتاريخ ) ، يوغوسلافسكي وآخرين ( في المادية الديالكتيكية والمادية التاريخية ) ولينين وابن خلدون وحسين مروه .. وتتلخص ملاحظاته المنهجية والذي يرى من المهم حضورها لتصور يفسر لنا اندلاع الثورة المهدية في:
1 – مع وجود نظرية علمية محددة لحركة المجتمع ، فإن عملية التغيير الاجتماعي لاتتم بصورة ميكانيكية مبسطة وسيكولوجية المجتمع تكيف نفسها وذاتها مع أوضاعها الاقتصادية ، ولكن ذلك التكيف عملية معقدة يجعل من الضروري التمييز بين الظروف الاجتماعية لعصر معين وبين ظروف أفكاره.
2 – أفكار كل عصر لها ارتباط سواء كان سلبا أو إيجابا بأيديولوجية العصر السابق عليه ، ولهذا فإننا نحتاج عند تحليل الظواهر الاجتماعية كالثورات ، أن نراعي التناسب بين الموضوعي والذاتي ، بين الظروف والإنسان ، بين المقدمات والارادة البشرية ، بين الوجود الاجتماعي والوعي الاجتماعي في أخر المطاف.
3 – الثورات تفرز أفكارا ذات طابع شمولي ، وكل طبقة جديدة تسعي لاحتلال مكان طبقة سائدة قبلها مضطرة ولو بمجرد تحقيق أهدافها إلى تمثيل مصالحها على أنها المصلحة المشتركة لجميع أفراد المجتمع ، وبالتالي فهي تتصور أن انتصارها سيعود بالمنفعة أيضا على أفراد كثيرين من الطبقات التي لم تتوصل بعد للسيطرة ( نفسه:45-47).
استنادا إلى النقاط المنهجية أعلاه يواصل قدال المناقشة، ويمكن تلخيص مناقشته في الأتي : – أ – الظلم وحده لا يكفي لاندلاع ثورة ، والا أضحت عملية التغيير في المجتمع آلية بحتة .. ب – الوعي بالظلم تبلور في إطار مجتمع سوداني له خصوصيته التي تمثلت في تراثه الإسلامي الصوفي وفي شخصية المهدي وفي تقاليده القبلية ، فعندما نتناول الأفكار التي عبر عنها المهدي أو دوره القيادي ، فلأنهما يعبران عن مرحلة متقدمة من تبلور الوعي الاجتماعي بالظلم ، وليس لأنهما سبب الثورة . كما أننا لا ننظر لهذا السبب أو المظهر كل على حدة ، لأن ذلك التناول الأحادي لا يساعد علي الرؤية المتكاملة للتغيير الاجتماعي.
ج – لايرى قدال أن البرنامج السياسي الذي طرحه المهدي كان رفضا مطلقا للحكم التركي بدليل أنه أبقي على الحكم المركزي وأضاف إليه ثقلا مركزيا جديدا هو شخصية المهدي الدينية والخليفة من بعده ، كما لم يكن ضد البنية الاقتصادية الجديدة المتمثلة في نمو السوق والتبادل النقدي بدليل أن المهدية سعت إلى تطويرها ، والعجز عن تطويرها راجع لسوء التطبيق ومواجهة الضغط الاستعماري ، ولأن القوي الاجتماعية التي حملت على عاتقها مسئولية التغيير وبناء الدولة بعد نجاح الثورة كانت ضعيفة التكوين الاجتماعي.
لذا عندما كانت المهدية تعبر عن رفض للحكم التركي – المصري ، كانت أفكارها وبرنامجها وممارستها واضحة ومحددة ، أما عندما تصدت لمهمة البناء الاجتماعي أضحت تعبر عن مصالح محددة . كما كانت تلك المرحلة محفوفة بمخاطر العدوان الخارجي ، فاندفعت الدولة المهدية نحو سياسة حربية مدمرة ، هي في جوهرها تعبر عن الواقع الموضوعي المحدود للفئات الاجتماعية التي أضحت سيدة الموقف في النظام وهم : أولاد العرب الذين تمركزوا في جهاز الدولة وفي نقاطها الحساسة ( يستعمل تعبير أولاد العرب ليعني قبائل غرب السودان تمييزا لهم عن أولاد البلد وهم القبائل التي تسكن أواسط السودان : راجع محمد سيد داؤد : الصراع بين أولاد البلد وأولاد العرب قدال:48).
د – الصورة التي عبر بها الوعي الاجتماعي عن نفسه كانت فكرة المهدي المنتظر ، ويشير إلى ذكر ابن خلدون لدور الدين في انتفاضات العالم الإسلامي عندما ذكر أن العرب لا يحصل لهم الملك إلا بصبغة دينية من نبوة أو ولاية أو أثر عظيم من الدين على الجملة ( ابن خلدون : ص 151 – 153 ) . كما يشير د . قدال إلى تصور انجلز المتكامل لاسباب انتفاضات العالم الإسلامي وأساسها الإسلامي ويري انه تطوير لرأى ابن خلدون.
كما يناقش د . قدال فكرة المهدي المنتظر : أصلها وتطورها كما هو معروف . وحاصل قول د . قدال ( إن دراسة أسباب الثورة المهدية خارج إطار الواقع الاقتصادي لا يساعد في فهم المحرك الحقيقي لها . إذ أن الواقع الاقتصادي يتحكم لحد كبير في مجري الأحداث ، فالبعد الاجتماعي للثورة المهدية لا يستبين مداه خارج إطار التشكيلة الاقتصادية السائدة ) ( د . قدال : ص 51 ) . ويواصل د قدال ويقول : والحركة المهدية كما لاحظ أحد الباحثين اهتمت في بداية أمرها بالجانب الديني وأهملت الجانب الدنيوي ، ولكن بعد استقرارها في أم درمان وتحولها إلى دولة ، لم يعد للعامل الديني نفسه الحماسة والتأثير).
إذن قدال يرى أن دراسة أسباب الثورة المهدية خارج إطار الواقع الاقتصادي لا يساعد في فهم المحرك الحقيقي لها. .
: ويمكن تلخيص ما أورده المؤرخون أعلاه حول أسباب الثورة المهدية في شقين
الشق الأول : محرك أو دافع اجتماعي ويتلخص في : شخصية الإمام المهدي ، والمعتقد الديني ، والتدهور الخلقي ، وعجز إداري وفشل الموظفين وتكالبهم على استغلال موارد البلاد . الضغط الأوربي على العالم الإسلامي واحتلال الأوربيين لبعض البلاد الإسلامية وقصدهم لاحتلال الباقي وإلى ضعف الإيمان بالقرآن والتشبه بالأوربيين ووضع القوانين الوضعية بدل القوانين المنزلة ، تقلص سلطة الخديوية وتضعضع مركزها بعد طرد الخديوي اسما عيل وتمرد الجيش على ابنه توفيق واتفاق ذلك مع الفراغ الهائل الذي خلقته استقالة غردون في السودان ، الظلم وسؤ الإدارة ، مكافحة تجارة الرقيق، وضعف الحكومة المركزية، ومباشرة الأجانب للحكم في السودان وتنكيلهم بالآهلين.
: الشق الثاني : محرك أو دافع اقتصادي
وهذا الاتجاه يرى أن دراسة أسباب الثورة المهدية خارج إطار الواقع الاقتصادي لا يساعد في فهم المحرك الحقيقي لها ، إذ أن الواقع الاقتصادي يتحكم إلى حد كبير في مجرى الأحداث ، فالبعد الاجتماعي للثورة المهدية لا يستبين مداه خارج التشكيلة الاجتماعية السائدة ، كما يشير د . قدال .
من المهم ، أن نلاحظ هنا المحاذير الآتية في تقسيمنا هذا .. إننا نتحدث عن محرك أول أو محرك حقيقي أو إبراز الدافع الرئيسي .. فمثلا عندما يتحدث د أبو سليم عن شخصية الإمام المهدي ، لا يعني أنه يهمل الأسباب الأخرى ولكنه يقصد إبرازها .. وعندما يتحدث د . شبيكة عن المعتقد الديني وشخصية المهدي كمحرك أول لايعني أنه يغفل العوامل التي أشار إليها شقير .
وعندما يتحدث د . قدال عن الدافع الاقتصادي ، فإن ذلك لايعني أن قدال يقع في الفهم الميكانيكي لدور العامل الاقتصادي ، ولكنه يشير بوضوح إلى أن دراسة أسباب الثورة المهدية خارج إطار الواقع الاقتصادي لا يساعد في فهم المحرك الحقيقي وهذا يختلف عن مفهوم العامل الاقتصادي كمحرك وحيد للتاريخ.
هذه المحاذير هامة يجب أن نضعها في الاعتبار ونحن نقدم هذا التلخيص ..
ثانيا: عوامل نجاح الثورة المهدية:
وحول عوامل نجاح الثورة المهدية نشير أيضا إلى اتجاهين:
الأول : اتجاه شقير الذي يعزى عوامل نجاح الثورة إلى أ – استخفاف الحكومة في بادئ الأمر بحركة المهدي ب – الانشغال بثورة عرابي وضعف الحاميات العسكرية لحظة وقوع الثورة ج – تردد الحكومة التي لم تتخذ سياسة نافذة لإخماد الثورة .
ولكن د . أبو سليم في تقويمه وتصويبه لتاريخ شقير في ص 635 يورد التالي ( يقول نعوم أن الحكومة استخفت بشأن محمد احمد ، ولكن الحق أنها لم تستخف وإنما أخفقت فيما اتخذت من إجراءات . ( أبو سليم 1987:1987 ،ص 220 ).
الثاني : اتجاه هولت المنهجي والنظري الذي يحدد عناصر نجاح الثورة في التي : أ – يواكب الشعور بالسخط العام ضعف مادي أو معنوي في النظام القائم يجعل من العسير قمع الثورة إبان نشوبها . ب – وجود جيش ثوري على استعداد لاستعمال العنف في سبيل هدفه .
ج – وجود القيادة الثورية التي تطرح البديل للنظام القائم .
أي أن العنصر ( أ ) يدخل في الشرط الموضوعي والعنصران ( ب ) ، ( ج ) يدخلان في الشرط الذاتي . ويرجع هولت عوامل نجاح الثورة المهدية إلى توفر الشرطين الموضوعي والذاتي أعلاه .
. ويتفق عبد الله على إبراهيم ومحمد سعيد القدال مع طرح هولت المنهجي والنظري .
ويشير د .قدال إلى أن ماركس أول فيلسوف يضع تصورا شاملا لعملية التغيير الاجتماعي، ولكن ما ذكره هولت يلتقي كثيرا مع الشروط التي وضعها لينين لنجاح الانتفاضة إذ اشترط لنجاحها : عجز السلطة القائمة في الدفاع عن نفسها ورفض الناس تماما للاستمرار تحتها ووجود قيادة ثورية ( قدال:ص44). ) .
وقبل مناقشة هذه الآراء وصياغة مفهومنا ورؤيتنا حول أسباب الثورة المهدية ، نطرح القضايا المنهجية التالية :
1 – الثورة المهدية هي حاصل تطور تاريخي ، وهي عملية وحاصل تراكم كمي لانتفاضات وثورات جزئية ظلت مستمرة ضد الحكم التركي – المصري حتى تم تتويجها بالثورة المهدية ، كثورة أو انتفاضة شاملة ضد النظام ، ويمكن تتبع الخط البياني الصاعد لتلك الانتفاضات على النحو التالي:
– .مقاومة الشايقية عند بداية الغزو التركي
– ثورة أهل سنار بقيادة رجب ود عدلان
– ثورة المك نمر – مقاومة أهل العليفون
– مقاومة أهالي مدني – تمرد المواطنين وهجرتهم لأوطانهم نتيجة الضرائب الباهظة على الأراضي والماشية ونتيجة الظلم والفساد.
– عصيان الشيخ خليفة بن الحاج العبادي . – ثورة أهالي التاكا ( الشرق ) عام 1844 . – تمرد زعماء الشكرية على أراكيل بك الحاكم العام . – ثورة الجنود السودانيين في مدني سنة 1844 . – ثورة الجهادية السود في كسلا سنة 1865 والتي أوشكت أن تقضي على الحكم في مديرية التاكا ، وبالتالي على النفوذ الحكومي في شرق السودان. -.
– ثورة هارون الرشيد في دار فور – ثورة صباحي في كردفان – ثورة سليمان ورابح الزبير باشا رحمة في مديرية بحر الغزال في سنة 1879 ( تاج السر عثمان : التاريخ الاجتماعي لفترة الحكم التركي ، مركز محمد عمر بشير 2006م). ) .
ورغم نجاح الحكومة في قمع تلك الانتفاضات والثورات الجزئية وانفرادها بكل منها وسحق المعارضين والتنكيل بهم بالشنق والإعدام رميا بالرصاص وبحملات الإبادة الشاملة ، إلا أن الملاحظ استمرار تلك الانتفاضات ، وما أن يتم إخماد ثورة أو انتفاضة حتى تندلع أخري ، وإذا كانت هذه الثورات قد أخمدت في أوقاتها ، إلا أنها شكلت المقدمة للثورة الشاملة في الثورة المهدية والتي نجحت بفضل شمولها وعجز النظام القائم عن قمعها ووجود القيادة الثورية والجيش الثوري ، أي بعد استكمال الشروط التي تحدث عنها هولت ولينين. .
وبالتالي ، فإنني اتفق مع توفر الشروط الموضوعية والذاتية لنجاح الثورة ، وإن الثورة هى حصيلة وجماع وتراكم انتفاضات وثورات جزئية سابقة. ..
2 – لا يكفي أخذ عنصر واحد من عناصر المحرك أو الدافع الاجتماعي ، واعتباره المحرك الأول للثورة المهدية مثل شخصية الإمام المهدي أو المعتقد الديني أو الظلم وسوء الإدارة أو التدهور الخلقي .. الخ . بل في تقديري أنه لا يكفي حتى لو أخذنا كل العناصر في الشق الأول مجتمعة واعتبارها المحرك الأول أو الرئيسي للثورة المهدية .. وبالمستوي نفسه في تقديري لا يكفي أن نأخذ المحرك أو الدافع الاقتصادي لفهم المحرك الحقيقي للثورة المهدية .
3 – في تحديد أسباب انتفاضات العالم الإسلامي ومنها الثورة المهدية.
كثيرا ما يرد ( كما أورد د . قدال ) تصور فرديرك انجلز لأسباب تلك الانتفاضات وأساسها الإسلامي.
وقد صاغ انجلز ذلك التصور في مقال له بعنوان : (إسهام في تاريخ المسيحية الأولية) والذي جاء فيه : ( أن انتفاضات العالم المحمدي – الإسلامي – بخاصة في إفريقيا تشكل حالة مناقضة فريدة مع هذا ، فالإسلام هو دين صيغ على قدر الشرقيين وعلى العرب بشكل أخص ، أي من جهة سكان مدن يمارسون التجارة والصناعة ، ومن جهة أخرى بدو رحل ، وهنا توجد بذور تصادم دوري : سكان المدن الذين أصبحوا موسرين وباذخين أهملوا مراعاة الشريعة .. والبدو الفقراء وبسبب ذوو العادات الصارمة نظروا بحسد وطمع إلى هذه الثروات وهذه المتع ، اتحدوا تحت قيادة نبي مهدى لمعاقبة الكفار وإقامة حكم الشريعة والإيمان الصحيح ، وللاستيلاء كثواب على كنوز الكفار ..
وبعد مضي مائة عام وجدوا أنفسهم بالطبع في نفس الوضع الذي كان فيه هؤلاء حركة تطهير جديد تصبح أمرا ضروريا ، مهدى جديد يظهر ، وهكذا دواليك ..
جرت الأمور على هذا النحو منذ حروب الفتح التي خاضها المرابطون والموحدون ( المرابطون عائلة مالكة مغربية في أفريقيا الشمالية وجنوب اسبانيا : 1056 – 1146 ه ، والموحدون : عائلة مالكة مغربية أطاحت بالمرابطين عام 1146 ومارست السلطة حتى العام 1269 ه ) الإفريقيون في اسبانيا حتى المهدي الأخير في الخرطوم ظافرا .. كان الأمر كذلك تقريبا بالنسبة لثورات في فارس وغيرها من المقاطعات الإسلامية.
هذه حركات ولدت من أسباب اقتصادية ، رغم أنها ارتدت قناعا دينيا لكنها عند نجاحها تترك الشروط الاقتصادية كماهى لاتغيير البتة إذن والصدام يغدوا دوريا .. وبالمقابل في الانتفاضات الشعبية في الغرب المسيحي ، القناع الديني لا يخدم إلا كراية وقناع ضد نظام اقتصادي اصبح فائتا في النهاية يطاح بهذا النظام ، ينهض نظام جديد ، ثمة تقدم ، العالم يسير .. ) ( انجلز : إسهام في تاريخ المسيحية الأولية ، مجلة العصور الحديثة ، السنة 13 ، 1894 – 1895 ، المجلد 1 ، العدد:22). ) .
ومعلوم أن انجلز أسهم مع كارل ماركس في صياغة النظرية الماركسية ، ذائعة الصيت في القرن التاسع عشر ، وكان معاصرا للثورة المهدية عند وقوعها .. ونلاحظ أن انجلز كان دقيقا عندما أشار إلى أن ( المهدي في الخرطوم الذي جابه الإنجليز ظافرا ) .. وربما كان ذلك يعزى إلى أن إنجلترا بعد هزيمة الثورة العرابية احتلت مصر ، وبالتالي أصبح صراع المهدى عمليا ضد الإنجليز .. ومهما يكن من شئ ، فإنه كان موفقا في تحديد الاستعمار الذي هزمه المهدي الذي هو الإنجليزي.
ومهم هنا ، أن نتناول بالنقد والتحليل مقولة سكان المدن وسكان البدو التي طرحها انجلز كسبب من أسباب الثورة المهدية .. بمعنى إرجاع الثورة المهدية إلى أسباب اقتصادية رغم أنها ارتدت قناعا دينيا ، لتحديد عما إذا كان هذا الطرح ينطبق على الثورة المهدية في السودان ، ولتحديد خصوصية الثورة المهدية وما هي تلك الخصوصيات التي تميزها عن طرح انجلز أعلاه ؟. .
ما ورد في تفسير انجلز لاسباب الثورة المهدية في السودان مثل التصادم بين سكان المدن الذين يمارسون التجارة والصناعة وبين البدو الرحل ، أي ثورة البدو الفقراء الذين اتحدوا تحت قيادة المهدى لمعاقبة سكان المدن الكفار واقامة حكم الشريعة والاستيلاء على كنوز الكفار. ..
هذا التفسير لا ينطبق بشكل دقيق على الثورة المهدية في السودان ، يمكن أن يتفق فيما يختص بإقامة حكم الشريعة والإيمان الصحيح وغير ذلك من أيديولوجية المهدي.
ولكن ربما نخطئ خطأً فادحا إذا تصورنا الثورة المهدية فقط من زاوية أنها ثورة سكان البدو الرحل الفقراء ضد سكان المدن الذين يمارسون التجارة والصناعة والذين أصبحوا باذخين وموسرين وغير ذلك. ..
فبنظرة عامة إلى طبيعة القوى التي اشتركت في أو ساندت الثورة المهدية نجدها تتكون من فئات جماهير المدن والبدو مثل بعض مشايخ الصوفية وفئات من التجار والجلابة وخاصة الذين ضربت الحكومة التركية مصالحهم في تجارة الرقيق .. ومن الطبقات الكادحة والفقيرة من سكان المدن والبدو والذين عانوا من الضرائب واستيلاء الحكومة وكبار الملاك على أراضيهم وبعض فئات الكتبة والموظفين والقضاء والعلماء الذين كانوا عاملين في جهاز الدولة .. وهذه القوى هي أخلاط أو أمشاج من سكان المدن والبدو .. وبالتالي ، فإن وصف هذه القوى الثورية بأنها ثورة البدو الفقراء لا يعبر بشكل دقيق عن طبيعة قوى الثورة المهدية في السودان.
وإذا أخذنا بالمثل القوى التي عارضت الثورة المهدية نجدها أيضا تتكون من سكان بدو ومدن مثل: العلماء والفقهاء الذين ارتبطت مصالحهم بالحكومة التركية ، والتجار ومشايخ القبائل أو أعيان القبائل الذين ارتبطت مصالحهم بالدولة التركية ، ومشايخ طرق دينية ، وكبار الملاك من المزارعين والرعاة.
كما أنه من غير الدقيق إرجاع الثورة المهدية إلى أسباب اقتصادية ، فإلى جانب الأسباب الاقتصادية كانت هناك أسباب اجتماعية مكملة ، وسوف نعالج ذلك بتفصيل في موضع لاحق . ولكن ما أورده انجلز كان دقيقا عندما أشار إلى أنه بنجاح تلك الحركات ( ومنها الثورة المهدية في السودان عندما تصل للسلطة تترك الشروط الاقتصادية كما هي لاتغيير البتة .. فهذا انطبق بشكل كبير على الثورة المهدية والتي أبقى نظامها الاقتصادي – الاجتماعي على التفاوت الطبقي ، وأبقي على الملكية الفردية … الخ. وقد عالجت ذلك بتفصيل في مؤلفي بعنوان:” دراسات في التاريخ الإجتماعي للمهدية”، مركز عبد لكريم ميرغني2010م). .
شهد نظام المهدية التفاوت الصارخ بين الأغنياء والفقراء الذي كان سائدا أيام الحكم التركي – المصري ، وبالتالي شهدت التشكيلة الاجتماعية للمهدية صراعات قبلية وصراعات دينية وصراعات طبقية ، وصراعات من أجل السلطة ، اشترك فيها سكان المدن والبدو ، أي أن التصادم غدا دوريا كما أشار انجلز.
القناع الديني عند بداية الثورة الذي أورده أنجلز ربما انطبق بشكل كبير على الثورة المهدية ، فكما ذكر هولت ( بعد تقلد السلطة كان لوم المهدي لأقربائه نتيجة لنظرتهم الدنيوية وتقلبهم في الترف وتمتعهم بالنفوذ ) ( هولت : ص 9 ) . كما أشار يوسف ميخائيل في مذكراته مرارا إلى مادية الأغنياء من الأشراف والدناقلة. .
أشار هولت أيضا إلى الطبقات الكادحة ( الفقيرة ) من جماهير القبائل وأشهرهم عرب البقارة في الغرب وامتلاك الغنائم ، ولم يهتم هؤلاء ( خلاف عبد الله نفسه والاتباع المخلصين للمهدي ) بالجانب الديني في الثورة ، وكانوا يتركون الجهاد عندما يحصلون على حوائجهم المادية ( نفسه).
وفي تقديري ، أنه بهذا المستوى النقدي أو بشكل أفضل منه .. يمكن أن نعالج تحليل أنجلز لأسباب الثورة المهدية والذي كثيرا ما يورده الماركسيون السودانيون بدون نقد أو تحفظ، ويحشرون الثورة المهدية فيه حشرا ، فانجلز كان يتناول الثورة المهدية من بعيد وبدون معرفة عميقة لخصوصية السودان شأنه في ذلك شأن المستشرقين الذين تناولوا قضايا بلدان الشرق بدون المعرفة العميقة بخصائص وسمات تلك البلدان وتطورها الباطني ، وقد اسهم إدوارد سعيد في مؤلفه (الاستشراق) في تناول بعض تلك الكتابات بطريقة ناقدة. .
وبالتالي أن انجلز لم يتناول واقع السودان والثورة المهدية عن كثب ولم يكن يمتلك المعلومات الكافية و التفصيلية عنها. .
: في أسباب الثورة المهدية
في ضوء ما سبق نقدم هذه المساهمة حول أسباب الثورة المهدية :
وفي تقديري أن المحرك الرئيسي للثورة المهدية كان محركا اقتصاديا – اجتماعيا ، ويمكن تحليل هذا المحرك إلى مكونين: اقتصادي واجتماعي.
المكون الاقتصادي:
والمقصود به أن الحكم التركي – المصري أحدث هزة عنيفة في البنية الاقتصادية والطبقية في المجتمع التي كانت سائدة أيام سلطنتي الفونج ودارفور. .
صحيح أن النظام الاقتصادي في الأيام الأخيرة لسلطنة الفونج كان في طريقه للتحلل والتفكك، ببروز واتساع الطبقة التجارية وصراعها مع سلاطين الفونج الذين كانوا يحتكرون تجارة الذهب والرقيق ، وفي الأيام الأخيرة للفونج غدا النظام الإقطاعي اكثر قمعا للقبائل ، وبدأ يفرض عليها ضرائب باهظة وخاصة بعد فقدان موارد المكوس .. والعائد من التجارة الخارجية نتيجة لانعدام الأمن ، وكان من الممكن أن يتطور هذا الصراع بشكل طبيعي وباطني بحيث ينتج عنه بنية اقتصادية اكثر تقدما من السابقة والتي كانت في طريقها للتحلل والزوال . ولكن الاحتلال التركي قطع التطور الطبيعي للسودان ، وتم فرض بنية اقتصادية كان من أهدافها الرئيسية استنزاف موارد السودان الاقتصادية والبشرية لمصلحة الطبقة الحاكمة في مصر ، وكان من أهم سمات هذه البنية الاقتصادية:
أ – ضرائب باهظة لم يعرفها السودانيون من قبل وعلى نمط ضرائب الإمبراطورية العثمانية الفردية والتي لا تستند إلى أسس عقلانية أو مبررة اقتصاديا واجتماعيا ، فمثلا كانت الضرائب أيام الفونج تقدر على أساس الشريعة والأعراف المحلية .. أي أنها كانت مبررة دينيا وعرفيا ( تاج السر عثمان : لمحات من تاريخ سلطنة الفونج الإجتماعي ،مركز محمد عمر بشير 2004 ) . هذا إضافة إلى أن ضرائب الأتراك كان يتحملها صغار الملاك وفقراء المزارعين والرعاة ، وكان من نتائج تلك الضرائب الباهظة على الأراضي والماشية ومصادرة أراضي صغار الملاك والفقراء وبيعها لكبار الملاك المحليين والأجانب لتسديد قيمة الضرائب منها ، هذا إضافة للنتائج التي ترتبت من انخفاض القوى المنتجة والإنتاج الزراعي نتيجة لترك السواقي وما ينتج عن ذلك من مجاعات وغلاء.
ب – نتيجة لارتباط السودان بالسوق الرأسمالي العالمي فرضت الحكومة على المزارعين وبطريقة قسرية زراعة المحاصيل النقدية ( القطن ، النيلة ، قصب السكر الصمغ ، … الخ ) مما قلل من إنتاج المحاصيل الغذائية وأدى إلى تدهور الأحوال المعيشية للمزارعين.
ج – أطلقت الحكومة التركية العنان لتجارة الرقيق في السودان واتسع حجمها بشكل لم يسبق له مثيل ، وبالتالي زاد حجم ووزن التجار والجلابة العاملين في تجارة الرقيق من السودانيين ، وخاصة بعد اتساع السوق الداخلي وضم المديريات الجنوبية ودار فور ، وعندما حاولت الحكومة التركية أن تقلص أو تقضي على تجارة الرقيق نتيجة للضغوط الأوربية ، دخلت الحكومة في تناقض مع مصالح تلك الفئة .
د – وباختصار ، نقول أن الفئة أو الطبقة التي حكمت السودان خلال فترة الحكم التركي كان هدفها الرئيسي نهب قدرات السودان الاقتصادية والبشرية ، وفي ذلك نجحت نجاحا باهرا ، واعتصرت شعوب وقبائل السودان ، وكان حجم القوى البشرية التي أبادتها أو التي تم استرقاقها كبيرا ( تاج السر عثمان : التاريخ الاجتماعي لفترة الحكم التركي، مرجع سابق ) ، هذا إضافة للأرباح الهائلة التي كانت تحققها الطبقة الحاكمة والتجار الأجانب من احتكار تجارة السودان الخارجية ، أي حدث تدمير وحشي لقدرات السودان الاقتصادية والبشرية ، أي تدمير القوى المنتجة وفرض علائق إنتاج جديدة لمصلحة الملاك والحكام الأجانب والمتحالفين معهم من تجار ومشايخ القبائل والطرق الصوفية.
وفي ثنايا تلك التحولات الاقتصادية لعب المكون الاقتصادي دورا حاسما ولكنه ليس الوحيد ، وهذا المكون كان يفعل فعله ، وكان يعبر عن نفسه في الانتفاضات والثورات المتواترة ضد النظام حتى نجحت الثورة المهدية بفضل شمولها وعجز النظام الحاكم عن قمعها. .
2 – المكون الاجتماعي:
أدخل نظام الحكم التركي بنية ثقافية – فكرية جديدة بدون أخذ ظروف وتقاليد السودان في الاعتبار والتي رسخت لقرون في فترة الفونج ، سواء كانت دينية أو مدنية .. تم تصديرها للسودان من الخارج ، وما جاءت نتيجة لتطور باطني ، وفي هذه البنية ظهرت فئة العلماء والفقهاء المرتبطة بجهاز الدولة وعلى النمط الذي كان سائدا في مصر والإمبراطورية العثمانية ، وأصبحت لها مرتبات ، هذا إضافة لإدخال نظام القضاء الشرعي والأوقاف ، كما ظهرت طرق صوفية جديدة وجدت الدعم والتشجيع من الحكم التركي مثل الختمية والبرهانية وغيرهما .. كما تراجعت الطرق الصوفية القديمة التي كانت سائدة أيام الفونج ، ودخول الطرق الصوفية الجديدة في تناقض وصراع مع الطرق القديمة ومشايخها.
كما تم فرض أنماط حياة أوربية كنمط الحياة الذي كان يعيشه التجار والحكام الأجانب في المدن التجارية مثل الخرطوم والأبيض وبربر .. والذي كان غريبا على مجتمع تقليدي كمثل الذي كان سائدا في سودان القرن التاسع عشر.
هذا إضافة لسوء الإدارة والتخبط في نظام الحكم والتغييرات الكثيرة فيه من حكم مركزي إلى لامركزي ، ثم العودة إلى الحكم المركزي من جديد ، إضافة لفساد الحكام الأتراك والمصريين وعدم رغبتهم في العمل بالسودان والتكالب على جمع أكبر قدر من الثروات ، هذا إضافة لوجود أعداد كبيرة من الحكام الأوربيين في أواخر أيام الحكم التركي ، كما أن هؤلاء الحكام لم يكن لهم من الذكاء والمسئولية لدراسة واقع وظروف السودان الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وغير ذلك قبل تطبيق سياساتهم ، كما أن هؤلاء الحكام لم يأخذوا واقع السودان في الاعتبار عندما فرضوا نظام القضاء والعلماء والأوقاف ، أي فرض نمط الدولة العثمانية الذي كان سائدا في مصر ، ولم يجتهدوا في استنباط نظام دولة عصري مستمد من واقع وظروف السودان.
وفي ثنايا تلك البنية الثقافية – الفكرية التي فرضها الاحتلال التركي ، نبحث عن المعارضة الدينية للنظام ، ونبحث عن ظهور شخصية مثل : محمد احمد المهدي يستفزها تحلل وفساد الحكم التركي ، ورفض الوجود الأجنبي ، كما نبحث عن الأسباب الدينية للثورة المهدية ، ونبحث عن الأسباب القومية وتلك الأسباب التي تتعلق بالظلم وسوء الإدارة .
. أي باختصار نقول الأسباب الاجتماعية أو المكون الاجتماعي
وبالتالي وبهذا الفهم الواسع نقول أن المحرك للثورة المهدية كان محركا اقتصاديا – اجتماعيا ، وبكلمات أخرى أسباب تتعلق بإحلال تشكيلة اقتصادية – اجتماعية جديدة محل التشكيلة السابقة التي كانت سائدة في السلطنة الزرقاء بالعنف ، وتدمير تلك التشكيلة ، وبدون إحلال تشكيلة جديدة محلها مبررة اقتصاديا واجتماعيا .. بل كانت تشكيلة جديدة ذاق فيها السودانيون عذاب وسياط والام الحكام الأتراك وشهد فيها السودانيون اكبر عملية نهب لقدراتهم الاقتصادية والبشرية في تلك الفترة الحالكة السواد في تاريخ السودان ، ورغم ثمرات الحضارة والمدنية التي ادخلها الأتراك في السودان .
وبالتالي وبهذا المعنى نقول أن المحرك للثورة المهدية كان محركا اقتصاديا – اجتماعيا.
: عناصر هولت لنجاح الثورة
المفهوم الواسع الذي صاغه هولت لعناصر نجاح الثورة سليم في جوهره ، ولكنه يصلح لحالة الثورة المهدية المحددة والتي تم فيها استخدام العنف الشعبي المسلح للاستيلاء على السلطة ..
وتتلخص عناصر هولت في الأتي :
1 – وجود استياء وسخط عام لا يكون قاصرا على طبقة أو جماعة معينة ، وانما يمتد إلى كل فئات المجتمع ويكون مصدره إحساسا محددا بالظلم ويتطابق ذلك الإحساس أو الوعي بالظلم بضعف النظام القائم وعجزه عن سحق الثورة في مهدها.
2 – وجود جيش ثوري على استعداد لاستعمال العنف في سبيل هدفه
3 – وجود القيادة الثورية التي تطرح البديل لنظام القائم
وإذا أردنا أن نعمم مفهوم هولت أعلاه ، يمكن أن نعدل في الفقرة ( 2 ) لتكون ( وجود جيش ثوري على استعداد لاستعمال العنف أو الوسائل السلمية في سبيل هدفه ).
وبعد هذا التعديل ، يمكن أن يأخذ مفهوم هولت أعلاه الطابع الشمولي العام ، والذي تم استنباطه من تجربة الثورة المهدية والتي تميزت بحالة خاصة ، وهي استخدام العنف الثوري المسلح للإطاحة بالنظام. .
وهذا المفهوم الشمولي العام لعناصر نجاح الثورة هو نظرية الثورة السودانية والتي تم استخلاصها من التجربة والخبرة العملية.
أما عن تجربة الدولة المهدية والظروف التي أدت الي انتكاستها فقد تم تناولها بتفصيل في مختلف الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والدينية في مؤلفي بعنوان : دراسات في التاريخ الإجتماعي للمهدية ، مركز عبد الكريم ميرغني 2010م، ويمكن الرجوع اليه.
alsirbabo@yahoo.co.uk
في ذكري 26 يناير .. ذكري تحرير الخرطوم و عيد استقلال السودان الاول
01-24-2015 07:18 PM
د. محمد المصطفي موسي
عندما اشتد ساعد الثورة المهدية وتوالت انتصاراتها في دارفور وكردفان وشرق السودان .. قررت بريطانيا بالتوافق مع مصر الخديوية إرسال الجنرال تشارلز غردون حاكما عاما علي السودان .. غردون الذي ملأ الدنيا وشغل اهل بريطانيا بانتصاراته الباهرة لمصلحة الامبراطورية التي لم تكن تغرب عنها الشمس .. والتي زخمت الآفاق امتدادا من ارض الصين البعيدة والتي قمع فيها أكبر ثورة شعبية ضد الاستعمار البريطاني وانتهاءا بانتصارته التي سبقت بارض القرم في أقاصي أوربا .. ويقول البريطاني فيرغس نكول صاحب كتاب ” مهدي السودان ومقتل الجنرال غردون ” .. ” في 26 يناير 1884 عندما استقل غردون القطار جنوبا من القاهرة في رحلته النهائية نحو السودان .. كان يبعد حوالي العام تماماً من حتفه النهائي !” .. ( فيرغس نيكول : مهدي السودان ومقتل الجنرال غردون ، دار سوتون Sutton للنشر ، جلوستارشاير ، المملكة المتحدة 2004، ص 187).
وعندما وطأت قدما غردون ارض مدينة الخرطوم في 18 فبراير 1884 .. كانت توجيهات الامام المهدي قد سبقت للامير عثمان دقنة في شرق السودان بالإسراع في عملية تحرير مدن الشرق وقطع الطريق امام اي تعزيزات بريطانية عن طريق البحر الأحمر .. ووجه المهدي من خلال منشوراته الامير عبدالله حامد بسرعة توحيد قواته مع عثمان دقنة لتحقيق هذا الغرض.. واستجاب شيوخ المجاذيب بقيادة الشيخ الجليل الطاهر المجذوب لنداءات الثورة المهدية فقاتلوا في صفوفها.. كما تقاطر فرسان الهدندوة والامرأر والحباب والحلانقة والبني عامر لقتال المستعمرين تحت إمرة عثمان دقنة ..فكانت انتصارات دقنة الساحقة علي قوات الجنرال البريطاني فالنتاين بيكر واختراق المربع الانجليزي للمرة الأولي في التاريخ .. وأعقب ذلك تحرير طوكر وسنكات .. وإزاء ذلك يقول ونستون تشرتشل ” رئيس وزراء بريطانيا لاحقا” في كتابه حرب النهر : ” احس غردون بان وضعه في الخرطوم صار مهددا بسبب العمليات العسكرية في خط انسحابه المفترض ” ويسرد تشرتشل كيف ان بريطانيا قررت إرسال السير جراهام بقوات بريطانية خالصة من الهند وكيف ان عثمان دقنة احدث وسط قواته خسائراً فادحة شملت خيرة الضباط البريطانيين ولم يخف تشرتشل إعجابه بعثمان دقنة حينما يصفه بالقائد المحنك القادر علي تنفيذ انسحابات ذكية بعد خسائر قاربت ال 400 جنديا بريطانيا من جيش السير جراهام.. ( ونستون تشرتشل : حرب النهر ، Mau Publising , نسخة الكترونية بتاريخ 2013 ، ص 74 ) . الجدير بالذكر ان مناورات عثمان دقنة العسكرية الناجحة مع القوات البريطانية في الشرق قد دفعت الجنرال الاستخباراتي البريطاني ريجنالد ونجت لاحقا علي وصف عثمان دقنة لاحقاً ” بثعبان الماء الزلق” .. كناية علي عبقريته العسكرية ! .. لقد كانت تعليمات المهدي المشددة لعثمان دقنة واضحة تماماً .. وهي البقاء في شرق السودان لمنع اي قوات بريطانية من التقدم ريثما يتم تحرير الخرطوم . لقد طارت أصداء انتصارات الثورة المهدية علي القوات البريطانية .. في شرق السودان.. لاصقاع أوربا البعيدة فكتب شاعر بريطانيا الاول آنذاك ” كبلينج ” .. اروع قصائده عن معارك المهدية مع القوات البريطانية في شرق السودان .. بعنوان Fuzzy Wuzzy ..
في ما وراء البحار جالدنا أقواماً شتى
بعضهم كان باسلاً.. وبعضهم لم يكن
باتان، وزولو، وبورميين
لكن الأشعث كان أعجبهم
لم يمنحنا معشار فرصة
بل لبد راصداً في الحرش.. ثم عقر خيلنا!
مزق أرصادنا في سواكن
ولاعبنا لعبة القطة والفأر
يا أيها الأشعث الثائر في وطنك السودان
يا لك من فارس لعين ومقاتل من النخب الأول
ولو شئت أعطيناك بذلك شهادة إقرار
ولو شئت أتيناك لنحتفل سويا بالإقرار
الأشعث ليس لديه أوراق تمجِّده كأوراقنا
لا ميداليات ولا مكافآت يتلقاها كمكافآتنا
فعلينا نحن إذن أن ندوِّن له كلمات النصر
وهو يقفز كالشيطان بين أشجار الحرش
حاملا .. ترساً وحربة !
خذ القول يا أشعث أنت وأصدقاءك الذين فقدت
برغم أننا لم نشيّع من أصدقائنا قدر ما شيعت
إلا أن الصفقة عادلة يا أشعث
لقد قدمت ضحايا أكثر مما قدمنا
لكنك يا ماكر… كسرت في النهاية صندوقنا
أخيراً إليك يا أشعث في وطنك السودان
أيها الفارس اللعين والمقاتل المصطفى
إليك يا ذا الشعر الثائر..
تهانينا يا أحمق يا مغوار فقد كسرت المربع البريطاني !
( كبلينج : Barrack room ballads by Rudyard kipling ، جامعة اكسفورد، المملكة المتحدة – نسخة الكترونية 2012 ، ص 14 ، ترجم النص للعربية الدكتور غازي صلاح الدين ).
وفي الوقت الذي اصدر فيه المهدي توجيهاته للأمراء الشيخ العبيد ود بدر والأمير الشيخ حمدالنيل احمد الشيخ يوسف ابو شرا ( صاحب الضريح الشهير بأمدرمان ) والأمير علي الشريف محمد الامين الهندي ..بتوحيد الجهود لحصار الخرطوم .. انضم الشيخ عبدالقادر ود ام مريوم حفيد الشيخ حمد ود ام مريوم لركب الثورة المهدية مبايعا للمهدي ومحاصرا للخرطوم من جهة الكلاكلة .. كما قام الامير الشيخ احمد المصطفي الامين ود ام حقين بتشديد الحصار من جهة السروراب .. وأرسل المهدي الامير محمد عثمان ابوقرجة بقوات مقاتلة وعهد اليه مهمة حصار الخرطوم الي حين تحركه هو بباقي الجيش من جهات كردفان نحوها .. وتوافد امراء الرزيقات بقيادة الامير موسي مادبو وكوكبة من فرسان الزغاوة بقيادة الامير طاهر إسحاق الزغاوي وصحبهم امراء المسيرية بقيادة الامير علي الجلة و معهم عدد من فرسان المساليت وتوافد الفلاتة بخيلهم بقيادة الفكي الداداري .. وتقاطر فرسان الحلاويين من الجزيرة تحت إمرة الامير ود البصير والأمير عبدالرحمن القرشي ود الزين وثلة من فرسان الشكرية بقيادة الشيخ عبدالله عوض الكريم أبوسن .. و وفرسان العركيين بقيادة الامير ادريس ود الشيخ مصطفي العركي وقوات من قبيلة الكواهلة بقيادة الامير جادالله ود بليلو.. كما تنادي فرسان كنانة ودغيم والحسنات والعمارنة ودويح بقيادة الامير بابكر ود عامر وود مدرع والفقيه سعيد الدويحي من النيل الابيض .. ثم عُين امير الأمراء الامير عبدالرحمن النجومي قائدا عاما لحصار الخرطوم .. فاحاطوا بالمدينة إحاطة السوار بمعصم اليد ! .. ولعل تاريخ السودان القريب او البعيد لم يشهد تنادي أشتات نخبوية وشعبية سودانية مختلفة لمحاربة الاحتلال تحت راية سودانية موحدة كذلك الذي حدث إبان عملية تحرير الخرطوم.. وفي هذا الشأن يقول البروفيسور الامريكي ريتشارد ديكميجيان استاذ العلوم السياسية بجامعة جنوب كاليفورنيا .. في سفره القيم بعنوان ( كاريزما القيادة في الاسلام ، مهدي السودان ) : ” لقد كانت مقدرة المهدي علي مخاطبة وتحريك الجماهير افضل مثال للبساطة والوضوح المطلوب .. في مجتمع معقد ومتعدد الأعراق والثقافات كما هو حال السودان في القرن التاسع عشر .. كانت الثورة المهدية تمثل نقطة التقاء لمطامح وامال عريضة لقوي قبلية واجتماعية وسياسية مختلفة قاومت الاحتلال الأجنبي . لقد كان لكاريزما القيادة عند المهدي الدور الأكبر في تجاوز تقاطعات تلك القوي و استرضاء اشتاتها المختلفة وتحقيق التجانس والانصهار بينها ثم الوحدة الوطنية ومن ثم الانتصار للثورة ” .. ( ريتشارد ديكميجيان و مارغريت وزموريسكي : كاريزما القيادة في الاسلام : مهدي السودان ، جامعة نيوريورك ، الولايات المتحدة،1972 ، ص 206) .
وفي اكتوبر1884 وصل الامام المهدي الي ضواحي الخرطوم بجيشه فاستقبله كبار الأمراء .. ولحظ الجميع تورم قدميه حيث ان القائد أصر علي قيادة الجيش بنفسه وهو يمشي راجلا من كردفان الي الخرطوم .. تضامنا وتشجيعا لبعض أنصاره من المشاة الذين لا يمتلكون جيادا او دوابا للسفر. ولم يهدر القائد الكثير من الوقت فاصدر منشوره الشهير لقوات الثورة المهدية المحاصرة للخرطوم حاثا علي الانضباط وعدم التعرض للمدنيين ..و الذي جاء فيه : ” حيث لا يخفي عليكم ان الظلم دمار وهو محرم كتب وسنة وليس من دأب الأخيار وإنما هو طريق الكفار الفجار . وانتم أنصار الله وقد خرجتم في سبيل الله ، فاحذروا من فساد هجرتكم وصونوا أنفسكم من التعرض للناس في حقوقهم وأموالهم ونسائهم بالطريق لغاية وصولكم ذهابا وإيابا واعلموا ان من تعدي علي احد في نفسه أو ماله أو نسائه فنحن غير راضين عليه ولابد ان ينتقم الله منه في الدنيا قبل الآخرة” .. ( ابوسليم : الاثارالكاملة للامام المهدي ،دار جامعة الخرطوم للنشر ، 1992، ص 161 ) .
ويسرد فيرغس نكول مجهودات المهدي لحقن الدماء و ومحاولة إقناع غردون بتسليم المدينة حين يقول ” لقد شرع محمد احمد المهدي في حملة مراسلات مطولة امتدت لزهاء العشرة أشهر لإقناع غردون بالعودة الي بلاده مكرماً بدلا من إزهاق باقي عمره في الدفاع عن ما لا فائدة في الدفاع عنه ! ” .. كما بدأ الامير محمد عثمان ابوقرجة حملة مراسلات مع غردون لتحقيق نفس الغرض من دون نجاح يذكر .. وقد أورد المؤرخ البريطاني الفريد هيك صاحب كتاب ” يوميات الجنرال غردون ” أورد .. نص خطاب الامير عبدالرحمن النجومي لغردون والذي نقله نيكول ايضا .. وجاء فيه : ” لقد مضي زمن طويل وانت لا تريد الإذعان والتسليم .. ولقد أمدنا الله الان بالرجال الأشداء الشجعان ومنهم أصحابنا وأحبابنا ..رجال يحبون الموت في سبيل الله تماماً كما تحب انت الحياة ! .. يجاهدونك طمعا فيما عند الله من ثواب .. الموت أحب اليهم من زوجاتهم ومن كل ما يملكون في هذه الدنيا الفانية .. ان المهدي يعمل لخيرك وصلاحك .. وعلي الرغم من ذلك ما زلت انت في عنادك وتكبرك .. تدير ظهرك لذلك وتعتمد علي قواك الزائلة والتي ستتجرد منها قريبا بإذن الله “..( نيكول : مصدر سابق ، ص 189 ، ص 201 ) .. وعوضا عن الرد علي ود النجومي .. ارسل غردون مجموعة خطابات لإمبراطور روسيا وإمبراطور النمسا وملك إيطاليا والبابا ليو الثالث عشر يحثهم علي دعمه في مواجهة الثورة المهدية وخطرها .. ويصور الامر علي انه نوعٌ من صراع الحضارت .( خطابات غردون لملوك أوربا وبابا الفاتيكان بتاريخ16،15-4-1884.. فيرغس نيكول:جلادستون و غوردون وحروب السودان ، Publisher Pen and Sword, نسخة الكترونية 2013 ، ص 284 ) .
وفي الناحية الأخري من شمال الكرة الأرضية.. يذكر “لايتون ستريتشي” في مؤلفه بعنوان ” نهاية الجنرال غردون “.. كيف بدأت حملة الرأي العام البريطاني تضغط جلادستون رئيس الوزراء البريطاني آنذاك .. للعمل علي إرسال جيش إنقاذ بريطاني لاسترداد هيبة بريطانيا التي تمرمغت في تراب السودان.. وفي مارس 1884 ارتجل جلادستون خطبة عصماء في مجلس العموم البريطاني ردا علي هذه الحملة المحمومة وختمها بعبارته الأشهر علي الإطلاق .. ملخصا الوضع في السودان كما يراه هو .. ” ان هذا الشعب يناضل من اجل حريته .. ومن حق هؤلاء ان يناضلوا من اجل حريتهم ! ” ..مما اثار حفيظة صقور مجلس العموم البريطاني بقيادة اللورد هارينجتون وزير الحربية وآخرين.. بينما استبقت الملكة فكتوريا الجميع بخطابها لرئيس وزرائها” جلادستون” الصادر من قصر باكينجهام بتاريخ 1884 ..” ان لجلالة الملكة مشاعر قوية تجاه ما يحدث في السودان .. انها تعتقد انه لابد من توجيه ضربة قوية لهؤلاء المسلمين حتي يعلموا جيدا انهم لم يهزمونا بعد ! هؤلاء الأعراب المتوحشون لن يتماسكوا ليجترئوا علي الوقوف امام جيوش جيدة ومنظمة ..ان جلالة الملكة لترتجف من اجل سلامة الجنرال غردون وان أصابه اي مكروه ستكون النتائج في غاية السوء ” .. ( روبن نيللاندز : حروب المهدية.. غردون وكتشنر في السودان 1880- 1889 ، جون موري للنشر ، لندن 1996 ، ص 112) .. وهكذا اندفعت بريطانيا بقضها وقضيضها لقمع الثورة السودانية الوليدة ! .. فتمخض ذلك عن إرسال جيش حملة الانقاذ البريطاني الشهير بقيادة اللورد ولسلي علي وجه السرعة و دون إبطأ !
عندما لاحت طلائع الجيش الانجليزي بقيادة ولسلي في أقاصي شمال السودان في أواخر اكتوبر 1884 .. رفع امير الشمال .. الامير الشيخ محمد الخير ” استاذ المهدي سابقا” تقريرا مفصلا عن جيش الغزاة لتلميذه السابق وقائده الجديد محمد احمد المهدي .. كما عقد المهدي مجلس شوراه بحضور الخلفاء وكبار الأمراء في منطقة ابوسعد بمحاذاة مدينة الخرطوم حيث كان يعسكر بقواته .. وتقرر استدراج جيش ولسلي لمواجهة واسعة في منطقة ابوطليح يكون الهدف منها تعطيل تقدم الجيش البريطاني الغازي لحين تحرير الخرطوم.. وقد تم وضع خطة محكمة تعتمد علي استدراج الحملة البريطانية من خلال الصحراء الكبري وحرمانها من موارد الماء بالاشتباكات الخاطفة المتواصلة حول الآبار .. ودفن اكبر عدد من الآبار في طريق الحملة .. وأرسل المهدي بدوره خطابا متوعدا لغردون.. أورده المؤرخ الوطني الاستاذ عبدالمحمود ابوشامة في مؤلفه القيم ” من ابا الي تسلهاي” :
” واعلم انني حضرت بجيوشنا المنصورة وأصحابنا وأحبابنا المؤيدين بالنصر من عند الله .. وكن علي يقين اني علي علم بحضور عساكر الانجليز بجهة دنقلا ، ولكن لست مباليا بهم ولا بغيرهم بفضل الله .. وسيكون لهم أسوة بجيوش هكس والشلالي ، ولا تغرنك نصرتك المتوالية فكل من استشهد عن أمرنا رأفة بهم لينالوا درجة الصالحين تصديقا لقوله تعالي ” ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل احياء عند ربهم يرزقون ” ولولا مراعاة حسم دماء المسلمين لضربت صفحا عن مخاطبتك وبادرتك بالهجومات التي لا أشك في نجاحها . فسلم تسلم انت ومن معك ، وقد نصحتك وأنصحك وإلا فالحرب بعد ذلك والسلام علي من اتبع الهدي ” .. ( ابوشامة : من ابا الي تسلهاي ، الخرطوم، 1986 ، ص 192) .
ويقول نيكول ان الامام المهدي قد وجه الامير محمد الخير بتجميع قوات من قبائل الجعليين والدناقلة والبشاريين والعبابدة تحت قيادة الامير عبدالماجد محمد لمواجهة الغزاة في ابوطليح .. كما اقتطع قوات مقدرة من فرسان دغيم وكنانة من جيشه المحاصر لمدينة الخرطوم وأرسلهم كتعزيزات لهذه القوات بقيادة الامير موسي ود حلو شقيق الخليفة علي ود حلو علي رأس فرسان الراية الخضراء وأمراء اخرين .. علي ان تبقي البقية الباقية من الراية الخضراء تحت إمرة الخليفة علي ود حلو لحصار الخرطوم .. ويتوافق كلام فيرغس نيكول مع منشور المهدي بخط يده للخليفة عبدالله بتاريخ 11 يناير 1885: ” حبيبي ، ان امر جيش الانجليز مهم ، كون تعزيز الجيش فيه فوائد كثيرة وتثبيت للقلوب ، واطمئنان لاهل البلد وتشجيع لهم .. فليكن تجهيز اخوان صناديد كنحو حسن حسين وجماعته وبيرق ابن التويم المادح وبيرق اخي محمد العريق وبيرق علي بن الهاشمي وتشهيلهم بما يلزم من آلة وجباخين وليصير التنبيه علي جماعة الصديق بتشهيلهم ولا يكون في هذا الامر تأني والسلام ” .. ( ابوسليم ، مصدر سابق ، ص 206) .
اما اللورد ولسلي قائد جيش الانقاذ البريطاني فقد استهل حملته بخطاب غرور لغردون في الخرطوم.. تعبر كلماته عن صلف استعماري بريطاني مقيت .. وهو القائد المزهو بقيادة جيش قارب تعداده الأربعة عشرة الف جندي بريطاني ! وجاء في الخطاب ” وصلني كتابك بتاريخ 4 نوفمبر وهو اول كتاب أخذته منك وسأكون في دنقلا بعد أربعة ايام ، ويكون الجيش بين الدبة وأمبقول في 7 يناير 1885 ولست أعطيك تفصيل القوات التي يتألف منها الجيش ولكن تأكد انها كافية لسحق محمد احمد المهدي وأنصاره ومحو ذكره من الوجود وكلما زاد عدد مقاتليه زاد سرورنا لانه بذلك يزيد عدد قتلاهم ” .. ( ابوشامة: مصدر سابق، ص 196 ) .. ولكن اللورد البريطاني المتعجرف لم يكن يعلم حجم الأهوال التي تنتظر جيشه في السودان ..فقد كان التنسيق علي اعلي مستوي بين أمراء الثورة المهدية والمهدي نفسه لتلقينه درسا تاريخيا.. مما حول مهمته الي كابوس ظل يطارده طوال حياته.
عندما تحرك طابور الصحراء بقيادة الجنرال ستيوارت الي الامام من آبار الجقدول وجد قوات المهدية قد احتلت ابار ” ابوطليح” في ليلة 16 يناير 1884 .. فكان لزاما عليه ان يتحرك لآبار ابوطليح حتي يصل مورد الماء ليبقي علي قواته التي أنهكها الظمأ وكادت ان تحترق بفعل شمس صحراء السودان القاسية ..فكانت موقعة ابوطليح الفاصلة بتاريخ 17 يناير 1884 .. ذلك الفخ الذي عملت قوات المهدية علي استدراج حملة الانقاذ اليه ببراعة فائقة ..وهكذا وصل الامير موسي ود حلو بقواته لتعضيد قوات الجعليين الباسلة في المتمة بقيادة الامير علي ود سعد والأمير عبدالماجد محمد خوجلي .. فعقد لواء القيادة للامير موسي ود حلو وبعد ترديد دعاء الحرب ثلاثا كما أوصاهم الامام المهدي .. انطلقت قوات الانصار لمهاجمة المربع الانجليزي المتقدم .. ونترك المجال للمؤرخ الاستاذ عبدالرحمن الحلو ليرسم لنا لوحة المعركة : ” قام الانصار بهجوم عاصف علي مؤخرة وواجهة المربع الانجليزي فكسروا ضلع المربع وأجبروه علي التراجع . وتلي ذلك قتال مواجهة رجل لرجل . اغتنم الامير موسي ود حلو الفرصة واخترق المربع الانجليزي وسط ذهول أعدائه حتي وصل الي وسطه ممسكا برايته الخضراء في يده اليسري والمصحف في يده اليمني .. فأسرع رجاله خلفه فثبتوا الراية بالحجارة في داخل المربع الانجليزي! ..” ( عبدالرحمن ابراهيم الحلو :الخليفة علي ود حلو : صاحب الراية الخضراء، مطابع العملة ، الخرطوم 2012 ، ص 107 ).. وجري اشتباك دامي بالرماح والسيوف مما قلل من فعالية النيران الانجليزية ونتيجة لذلك ..خّر الكولونيل البريطاني برنيبي صريعا برمح الامير البشير عجب الفيا مع 17 من خيرة ضباط الحملة وقُتل ما يقارب ال 368 من الجنود البريطانيين وسقط 1069 جريحا منهم. ( ابوشامة : مصدر سابق ، ص413 ) ..وعلق المؤرخ البريطاني تشارلز رويال علي احداث ابوطليح قائلا: ” لقد قاتل السودانيون ببسالة عجيبة وأبدوا استهانة مذهلة بالموت “.. ( تشارلز رويال : حروب المهدية، السودان 1884-1898 ، Leonaur Publishing ، لندن 2013 ، ص364 ) .. استشهد من قوات المهدية عدد مقدر وكان أبرزهم الامير الشجاع موسي ود حلو والذي ابر بوعده للامام المهدي بغرس راية الثورة المهدية الخضراء في قلب المربع الانجليزي ! واستشهد أيضاً الفارس محمد بن الامير علي ود سعد والذي لم يبلغ العشرين بعد ! بينما جرح والده الامير علي ود سعد في كتفه .. لقد الهم ثبات السودانيين في “ابوطليح” الشاعر البريطاني السير هنري نيوبولت فنظم قصيدته الشهيرة بعنوان Vitai Lampada ..التي ترثي ابياتها الحزينة قتلي الجيش البريطاني وفي مقدمتهم الكولونيل برنيبي .. وجاء فيها:
ها هي رمال الصحراء قد تخضبت باللون الأحمر ..
حمراء هي .. بلون حطام المربع الانجليزي المنكسر !
لقد صمت المدفع .. و قُتِلَ الكولونيل !
قُتل الكولونيل .. قُتل الكولونيل !
( نيللاندز : مصدر سابق ، ص 126)
تلت ابوطليح اشتباكات اخري في المتمة والشبكات تكبدت فيها حملة الانقاذ خسائر فادحة ما بين جرحي وقتلي .. واشتدت المواجهات مع قوات الاحتلال بعد التعزيزات التي ارسلها الامام المهدي بقيادة الامير النور عنقرة ..وهكذا تحققت اهداف الثورة المهدية بتعطيل حملة الانقاذ التي تأخرت لتلعق جراحها وتدفن موتاها وسط أنين الجرحي البريطانيين !
وتناقلت بريطانيا أنباء موقعة “ابوطليح ” الخالدة .. فاستشاطت الملكة فكتوريا غضبا وسطرت خطابا شديد اللهجة للجنرال ولسلي قائد جيشها في السودان والذي عقدت عليه الامال لإنقاذ غردون .. عبرت فيه سخطها التام لما بلغها من أنباء صادمة عن عجز قواتها عن التقدم امام بسالة وتصميم السودانيين في مقاومة الغزاة .. وفي الأسبوع الثاني من يناير 1885 كتب ولسلي المحبط لزوجته في بريطانيا ما هو نصه : ” انني اشعر بغاية الحنق والضيق من خطاب جلالة الملكة ( والذي أرفقه لك في هذه الرسالة) .. فمن النادر جدا ان تكتب الملكة خطابا مؤذيا كهذا لقائد عسكري مثلي في الميدان. لقد كانت كلماتها تعبر عن منتهي الفظاظة وعدم التقدير ! ولكن بما انها ملكة بريطانيا فإنني لا أستطيع ان اجادل جلالتها لذلك قررت ان أتوقف عن الكتابة والرد عليها ” .. ( نيكول : أوراق اللورد ولسلي ، خطاب بتاريخ يناير 1885، مصدر سابق ، ص 290 ) .
اما جنوبا .. وتحديدا بداخل أسوار مدينة الخرطوم المحاصرة .. وعندما اشارت عقارب الساعة الي الحادية عشرة من مساء 25 يناير 1885 .. كانت انامل الجنرال غردون المرتعشة تختط اخر اسطر مذكراته .. والتي جاء فيها : ” اذا لم تصل القوات البريطانية علي وجه السرعة ، فان مدينة الخرطوم ستسقط في يد المهدي.. لقد فعلت كل ما بوسعي فعله من اجل شرف وكرامة بريطانيا … وداعا .. وداعا .. مخلصكم تشارلز غردون ” … وفي تمام الثالثة من صباح 26 يناير 1885 عقد الامام المهدي مجلس شوراه الأخير قبل تحرير الخرطوم مع الخلفاء وكبار الأمراء وخلص الاجتماع الي ضرورة الهجوم علي الخرطوم لتحريرها علي ضوء إصرار غردون علي عدم التسليم وحقن دماء الناس .. ولتتفرغ قوات الثورة المهدية لمواجهة حمله الانقاذ في الشمال .. وجمعت قوات المهدية للمهدي ليخاطبها قبل المعركة.. ويورد فيرغس نيكول في سفره ( مهدي السودان ومقتل الجنرال غردون) .. وصايا المهدي المشددة الاخيرة لجيش الثورة المتأهب لتحرير المدينة .. ” اذا نصركم الله .. الغردون لا يُقتل .. الفقيه محمد الامين الضرير لا يُقتل.. .. كل من استسلم و رمي سلاحه لا تقتلوه.. كل من أغلق باب بيته عليه لا تقتلوه ” .. ثم كبر المهدي بسيفه في اتجاه الخرطوم إيذانا ببدء الهجوم لتحرير عاصمة البلاد ..( نيكول : مصدر سابق ، ص 218 ) .. استطاعت قوات الامير النجومي والأمير ابوقرجة والأمير ود نوباوي احتلال الخرطوم في وقت وجيز .. وفي خضم هذه اللحظات التي عادة ما يصحبها الكثير من الانفلات الثوري الذي يصعب السيطرة عليه.. قتُل غردون خلافا لأوامر المهدي الصريحة بالحفاظ علي حياته .. وحدثت العديد من التجاوزات التي نهي عنها القائد وكبار الأمراء .. ويقول نيكول انه علي الرغم من ذلك فان المهدي وود النجومي كانا من الحرص بمكان علي حياة المدنيين .. وعندما دخل المهدي المدينة ظافرا وجه الامير احمد ود سليمان امين بيت المال .. بإرجاع كل امرأة من اهل المدينة الي اهلها او اي قريب لها قبل غروب الشمس ( نيكول: مصدر سابق ، ص 223 ) .. وفي هذا الشأن أيضاً .. اصدر المهدي منشوره الشهير بعد تحرير الخرطوم :” ان النساء الخارجات من ققرة الخرطوم جميعا قد أحببنا ان يعطين لازواجهن ولا يجوز لأحد من أصحابنا وأحبابنا ان يتزوج منهن .. فذوات الأزواج يسلمن لازواجهن وكل من لا زوج لها تكون لدي امين مأمون( المقصود شخص محرم ) ويجري راحتهن.. فالحذر من التزويج لأحد من نساء ألقياقر المذكورة صغيرة او كبيرة .. ثيبا او بكرا ومن تزوج بواحدة من المذكورات بدون نظر حكم الله فهو الجاني علي نفسه والسلام ” .. ( ابو سليم : مصدر سابق، ص 286-287 ). وبوقوع الخرطوم في قبضة الثوار شرع الامام المهدي في تشييد العاصمة الوطنية ” ام درمان” وابتني لنفسه منزلا طينيا متواضعا وتبعه الثوار فأعلنت تلك اللحظات ميلاد السودان المستقل الموحد .
ثم بدأت مرحلة مطاردة جيش حملة الانقاذ البريطاني المنهزهم والذي مُني بالمزيد من الخسائر الدامية .. فسقط الجنرال الانجليزي الأبرز ” وليام أيرل” قتيلا في موقعة كربكان في فبراير 1885 . وكتب ولسلي للورد هارينجتون وزير الدفاع البريطاني آنذاك ليصف حملة التعبئة الناجحة للثورة المهدية والتي أدت الي اشتعال الشعور القومي السوداني ووحدة ابناء الوطن في مواجهة الغزاة : ” انهم ينظرون إلينا الان بكراهية عمياء.. فنحن في نظرهم كفار وغزاة جئنا الي بلادهم تلبية لرغباتنا الانانية ويعتقدون اننا ان انتصرنا عليهم .. سنأتي بحاكم اجنبي .. يسومهم عسفا وظلما ويفرض عليهم الضرائب الباهظة كما كان يفعل الباشوات المصريون” ويعلق نيكول علي هذا الخطاب قائلا : ” لقد كانت القوات البريطانية بلا صليح ليقف الي جانبها في السودان “.. ( نيكول: خطاب ولسلي للورد هارينجتون وزير الدفاع البريطاني 1885 ، مصدر سابق ص 308) .
وبانسحاب قوات جراهام من شرق السودان تحت ضغط عمليات عثمان دقنة العسكرية العبقرية الماكرة.. تم تحرير معظم أراضي السودان من اي قدم انجليزية وفي أواخر ابريل 1885 رفع الامير عثمان دقنة تقريره للامام المهدي قائلا : ” لقد قذف الله الرعب في قلوب أعداء الله الانجليز بفضل ثبات الأصحاب وولوا الأدبار هاربين ” .. ( نيللاندز : مصدر سابق ، ص 150). ويعلق نيكول علي هذه الأحداث قائلا : ” ان حملة بريطانيا العسكرية في السودان التي فاقت تكلفتها السبعة ملايين من الجنيهات الاسترلينية قد انتهت الي الفشل التام ” ! .. وفي فبراير 1885 كتب اللورد ولسلي قائد حملة الانقاذ لزوجته الليدي لويز ولسلي .. بمرارة..قائلا : ” لقد انتصر المهدي .. وها نحن نبدو جميعاً.. كالاغبياء !” .. ( The Mahdi has won , and we all look very foolish ) .. ( نيكول: مصدر سابق ، ص 224 و225).
ويحلل المؤرخ البريطاني والمحلل العسكري دونالد فيثرستون أسباب انتصارات الثورة المهدية علي جيوش الاستعمار.. حيث يرجع ذلك لملكات المهدي القيادية وتخطيطه العسكري المتميز المستمد من اطلاعه ودرايته التامة بتاريخ حروب الاسلام الأولي ومقدرته علي اختيار ما يناسب ظروفه من تكتيكات عسكرية منها ويصف عبقرية تكتيكاته العسكرية في مواجهة الجيوش البريطانية ..بكلمات قصار موجزات .. ” لقد كان قادرا علي الاستفادة من هذا الإرث في الصبر علي العدو والانتظار بتأن حتي تحين اللحظة المناسبة لتوجيه الضربة القاضية .. لقد كان بارعا في الاستفادة القصوي من لحظات الارتباك الكامل في صفوف عدوه .. ان المرء منا ليجد قرارته العسكرية والسياسية المصيرية – في معظم الأحيان- مصحوبة بحدسٍ عبقري قلما يخطئ ” ثم يستطرد قائلا .. ” لقد كانت تكتيكات الانصار العسكرية تعتمد علي عنصري المفاجأة والصدمة .. والإحاطة الدائرية بالعدو من اتجاهين “.. ولا يخفي فيثرستون اعجابه الشديد بفكر القادة العسكريين للمهدية حين يقول عنهم : ” علي الرغم من عدم تلقيهم تدريبا عسكريا نظاميا الا ان تكتيكاتهم العسكرية والقتالية المتأصلة قد جعلت منهم مقاتلين رائعين”.. ( فيثرستون: الوقفة الاخيرة للجنرال غردون، Osprey Publishing ،أوكسفورد ، المملكة المتحدة 1993 ) .. اما عن عبقرية الامير عثمان دقنة العسكرية فيقول المؤرخ البريطاني وليام رايت : ” من الممكن القول بان عثمان دقنة كان اكبر عبقرية عسكرية تكتيكية واجهتها الامبراطورية البريطانية في حروب الصحراء علي الإطلاق ! . لقد كان بارعا في الإبقاء علي تماسك جنوده .. يعرف جيدا كيف يقوم بالاختراقات العسكرية المباغتة الناجحة فيضرب مؤخرة المربع العسكري للعدو .. ويعرف جيدا متي ينسحب بقواته .. كان يفهم جيدا أهمية رفع الروح المعنوية لرجاله فيؤكد لهم ان الانجليز قد فروا وولوا الأدبار فيلهمهم ( اي رجاله ) مزيدا من الثبات والاخلاص في القتال . لقد كان دقنة رائعا في إلهاب حماس جنوده بالخطب الحماسية التي تستحسنها اذان الرجال قبل المعركة “.. ” William Wright: The Battle story , Omdurman 1898 , by William Wright ,The History Press , e-book, P64 ” .. ولعل هذه التكتيكات هي التي قادت السودانيين لانتزاع استقلالهم من المحتل عنوة واقتداراً .
أصداء انتصارات الثورة المهدية في العالم
في بريطانيا حلت اخبار الهزيمة المدوية التي تلقتها جيوش الامبراطورية التي لا تغرب الشمس في السودان ومقتل غردون .. كحلول الصاعقة تماماً ! وينقل المؤرخ البريطاني روبن نيللاندز ..كيف وثق اللورد بونسونبي سكرتير الملكة فكتوريا الخاص لهذه اللحظات حينما كتب ليصف حال الملكة فكتوريا عند تلقيها تلك الأنباء .. ” لقد كانت في حالة سيئة تماماً بعد سقوط الخرطوم وبدت كالمريض الذي كان طريح فراشه.. لقد كانت تتأهب للخروج للتو عندما أتانا تلغرافا يحمل الأنباء ..وعندها توجهت ( اي الملكة) الي مسكني الخاص كان باديا علي محياها الشحوب فوجدت زوجتي التي أفزعها منظر الملكة وهي بتلك الحالة حين خاطبتها وهي ترتعش : فات الأوان .. Too late ! ” .. ثم يستطرد نيللاندز .. ” لم تكن الملكة وحدها! .. عندما وصلت أنباء مقتل غردون للندن ..عمت حالة الحداد جميع أنحاء بريطانيا ونُكست الاعلام وأعلن ذلك اليوم كيوم حداد قومي وسرعان ما تحولت حالة الحزن العام الي غضب جارف موجه لرئيس وزراء بريطانيا جلادستون ” . ( نيللاندز: مصدر سابق ، ص 142،143 ).
وعلي المستوي الشعبي راجت تلك الاغنية الشعبية الحزينة عن مقتل غردون وهزيمة القوات البريطانية علي يد قوات الثورة المهدية بعنوان Too late to save him ..فصارت لحنا شعبيا معروفا يعزف في حانات لندن القرن التاسع عشر بأمسيات الانس أواخر الأسبوع ..
هناك في السودان غاب عنا ..غاب عنا
هناك .. طأطأت إنجلترا رأسها .. وانكسرت
من هنالك .. من هنالك ..
تفشي نبأ ارتعشت له قلوب كل البريطانيين ..
قُتِلَ بطلنا العظيم .. قُتِلَ بطلنا العظيم .
( من ارشيف الأغاني الشعبية البريطانية، National Library of Scotland،ادنبرة، نسخة الكترونية 2012).
الجدير بالذكر ان حكومة جلادستون سقطت بعد اقل من أربعة اشهر بفعل احداث السودان والتي تلتها احداث سياسية اخري بأيرلندا . اما اللورد ولسلي قائد جيش الانقاذ البريطاني المنهزم فقد عوقب بالحرمان من قيادة اي قوة عسكرية الي حين مماته في 1913.
اما في الجانب الاخر من الجزيرة البريطانية .. فقد تلقي القوميون الأيرلنديون اخبار انتصارات الثورة السودانية علي بريطانيا باحتفاءٍ مشهود .. وطفقت صحافتهم في تخليد تلك الانتصارات ..فقد كانت الجزيرة الأيرلندية ما زالت ترزح تحت نير الاحتلال البريطاني حينما حررت المهدية السودان.. فكتبت صحيفة Waterford Daily Mail.. في 1884 ” ان أمانينا الحقيقية هي ان لا يضع المهدي أسلحته الا بعد ان يحصل هو و رجاله المخلصون الأوفياء علي نعمة الحرية التي لا تقدر بثمن .. يا أيها المهدي ..يا أيها المهدي .. ان مبلغ آمالنا ان تقضي كل واحدة من هجماتك بالسيف علي عشرة من أعداء الحرية ” .. اما صحيفة Irish World فقد خصصت صفحاتها الرئيسية بالكامل لاخبار السودان .. وفي 7 فبراير 1885 كتبت ذات الصحيفة : “ان الثورة السودانية الباسلة تستحق التعاطف الكامل من كل أصدقاء الحرية في شتي بقاع العالم”.. (الارشيف الالكتروني للصحافة الايرلندية 1884-1885 ) . ويقول البروفيسور مايكل دي ني في سفره القيم ” أسرعوا بالمهدي .. الصحافة الأيرلندية وصراع الامبراطورية في السودان( 1883-1885)”..” لقد عملت الصحافة الأيرلندية ذات الميول القومية علي تصوير المهدي و وتقديمه كمناضل وبطل قومي سوداني في ثورته ضد الامبراطورية البريطانية.. بينما عملت علي وصف رجال المهدية كمحاربين من اجل الحرية اكثر من ميلها لوصفهم كرجال دين لهم قداستهم “.
اما عن صدي المهدية في العالم الاشتراكي الذي كان في مرحلة التخلق آنذاك ..فقد كتب فردريك انجلز مفكر الاشتراكية الأبرز عن “المهدي .. الزعيم السوداني الذي جابه الانجليز ظافرا في الخرطوم ” .. ( انجلز : مجلة العصور الحديثة ، المجلد 1 ، العدد 22 ، 1894) . كما كتب كارل ماركس لصديقه انجلز في أواخر أيام حياته حين كانت جيوش الثورة المهدية تستعد للزحف من كردفان نحو الخرطوم في 1883 : ” إن الأخبار التي تأتينا من السودان، في هذه الأيام، أخبار مثيرة للفكر، وإنها ستدفع بنا إلى أن نحيل النظر في مجمل بنية المذهب الشيوعي، الذي ندعو إليه، وستجبرنا على إعادة التأمل في حديثنا عن أن الدين إنما هو مجرد إفراز للوضع الطبقي،” ثم يستطرد قائلا …” فإن الدين الإسلامي، بهذه الصيغة الثورية المهدوية المتفجرة في السودان، أصبح، وسيضحى وقوداً للثورة العالمية ضد الإمبريالية” .. ( قراءة عصرية في منشورات المهدية ، الدكتور محمد وقيع الله، 2011 ) .
اما المؤرخ و البروفيسور الروسي سيرجي سمرنوف فقد كتب عن تحرير الخرطوم قائلا .. ” ان الثورة المهدية وان كانت حركة دينية لدي نشوئها الا انها أضحت بعد انتصارها علي حملة هكس و استيلائها علي الابيض وحصار وتحرير الخرطوم ، ثورة وطنية تقدمية ضد الاستعمار البريطاني والحكم التركي المصري وعملائه من كبار الإداريين مثل غردون و بيكر وأمين ولبتون وسلاطين وغيرهم ” .. كما يذكر سمرنوف ان ” عملية حصار وتحرير الخرطوم- المركز الاقتصادي والسياسي للبلاد – جاءت تتويجا لسلسة انتصارات الشعب السوداني الساحقة علي الإمبرياليين البريطانيين ” ويصف حراك الثورة المهدية ” بالحركة التقدمية التي وحدت ملايين السودانيين للكفاح من اجل الاستقلال في مواجهة الاستعماريين ” .. ( سمرنوف : المهدية من وجهة نظر مؤرخ سوفييتي ، دار الجيل ، بيروت ، ترجمة هنري رياض ، 1994.. ص 8، ص 76 ) .
اما عن أصداء تحرير الخرطوم و انتصارات الثورة السودانية علي بريطانيا في شمال الوادي .. فقد كتب احمد عرابي باشا قائد الثورة العرابية من منفاه في مدينة كلمبو بجزيرة سريلانكا في 2 مارس 1885 خطابا الي الليدي آن بلنت ( Anne Blunt ) .. جاء فيه : ” لم تكسب بريطانيا شيئا من محاولتها غزو السودان .. لقد خسرت كل شئ .. خسرت اسمها وسمعتها و خسرت كل المسلمين . لقد فقدت بريطانيا غردون وستيوارت وهكس و أيرل وكم وكم غيرهم من الضباط البريطانيين . كما فقدت ايضا تعاطف كل القلوب بسبب حربها علي ثورة التحرر في السودان .. ان السودانيين الشجعان اخذوا بالثأر لاخوانهم المصريين وحموا بلادهم ضد الغزاة ومنهم رجال يفضلون ان يتجرّعوا كأس الموت علي ان يروا مستعمرا دخيلا عليهم داخل حدودهم . لقد بايع الشعب السوداني المهدي بالملايين علي الموت من اجل الحرية و كلما ازداد العدوان الانجليزي عليهم كلما ازدادت قوتهم “.. ( ارشيف الصحافة البريطانية ، صحيفة The Western Daily Press ، عدد بتاريخ 3 ابريل 1885 ) .
وتتوافق رسالة احمد عرابي مع ما خلص اليه البروفيسور ريتشارد ديكميجيان و مارغريت وزموريسكي حيث قالا : ” لقد كان عرابي باشا من ابرز المتضامنين مع الثورة المهدية ضد البريطانيين وحلفائهم من الأتراك العثمانيين .. وقد عمل المهدي علي مبادلته بغردون قبل مقتل الأخير في الخرطوم .. كما كان ثناء الشيخ محمد عبده علي محمد احمد المهدي وحركته ظاهرا ومعروفا تماماً كمجاهرة الشيخ المصلح جمال الدين الافغاني بمساندته للثورة ايضا .. ولو قدر للمهدي ان يعيش اكثر .. لكان من الممكن جدا ان تشكل الحركة المهدية تهديدا حقيقيا علي سيطرة بريطانيا علي مصر “.. (ريتشارد ديكميجيان و مارغريت وزموريسكي: مصدر سابق ، ص 209) .. ومع توالي انتصارات الثورة المهدية في السودان كتب جمال الدين الافغاني ثلاثة مقالات نارية باللغة الفرنسية في صحيفة ( L intransigent )الفرنسية .. تعبر في مجملها عن اعجابه الشديد بالثورة التحررية السودانية وقائدها .. بل وانه من فرط اعجابه بالمهدي فقد ادعي ان المهدي كان تلميذه في الازهر! .. ( د. علي شلش: جمال الدين الافغاني بين دارسيه، دار الشروق ، القاهرة ، 1987، ص 122 ) .. واتبع ذلك الافغاني بمقال مطول عن وصول أنباء انتصارات الثورة المهدية لقارة اسيا القصية .. ” وردت برقية من تاشكند( طشقند) إلى جريدة الساندر الإنجليزية مفادها أنه حصل اضطراب عظيم في أفكار المسلمين سكنة بخارى عندما سمعوا بانتصار أعراب السودان وظفرهم الأول وظهر فيهم داع جديد وهو الشيخ محمد احمد صاحب الحركة المهدية يحث على الحرب ومقاتلة الذين ينتهبون الأراضي الإسلامية لتوسيع ممالكهم” .. الي ان يقول ” أن الدعوة المهدية في السودان لهذه الأوقات التي قام المسلمين فيها بأشباه الحوادث الماضية ستدعو إلى حركة عامة يصيح منها الشرقي بالغربي ويصعب على الإنجليزي وهو في مجراها أن يتنكب عنها دون ان تعروه هزة من مفزعاتها “.. ( جمال الدين الافغاني : مجلة العروة الوثقي، الاعداد من 1884- 1885، نسخة الكترونية ) .
رحم الله ذكري هؤلاء الرجال البواسل فقد حرروا الوطن بوحدتهم واتفاق كلمتهم وزلزلوا عرش امبراطورية بريطانيا التي لم تكن تغرب عنها الشمس .. فمتي يعود هذا الوطن حرا ابيا كما كان !؟
Ana_omdurman@hotmail.com
من أوبريت الشريف زين العابدين الهندي
حباب البقعة مبروكة الاله والدين
حباب السودنوك سمارة وزين
حباب مهرك ضبح غردون من الاضنين
حباب المهدي كبر فيك حرارة ودين
حباب اسد العرين عبدالله ود تورشين
حباب دقنة سواكنه في الدورين
حباب يعقوب وشيخ الدين

 


أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!

0 تعليقات