عدنان زاهر
الوقائع المتبادلة في الوسائط الاجتماعية تقول ، ان حافلة متجهة من شمال امدرمان الى الخرطوم بشارع ” بوابة عبد القيوم ” بالموردة ، و كعادة السودانيين عندما يتجمعون في المواصلات يبدأون في مناقشة المشاكل التي تهمهم ، و هي اما تكون اقتصادية أو سياسية لزوم الاحتجاج و المشاركة الجماعية التي تساعد على التخفيف عن بعضهم البعض.
بدأ الحديث ذلك اليوم ،عن انعدام الأمن و سلوك المليشيات في التعدي على المواطنين حتى أصبحت ظاهرة يتناولها المجتمع بالحديث. كان ضمن الراكبين في الحافلة أحد العساكر و هو جندي منتمى للقوات المشتركة، امر السائق بإيقاف الحافلة بالقرب من أحد الارتكازات أمام جامعة القرآن الكريم ، ثم تم انزال الركاب من الحافلة و تم جلدهم بواسطة جنود الارتكاز و بعد ذلك اطلق سراحهم هذا الحدث المثير للدهشة تم في ” امدرمان بلد الأمان “!
عندما كنا صغار السن في امدرمان خمسينات القرن الماضي، و عندما يعتدى احد الصبية على صبى آخر بدون وجه حق كنا نقول له ( انت قايل الدنيا مهدية )! ، ذلك القول كنا نسمعه من كبار السن دون أن نفهم معناه. عندما التحقنا بالمدارس النظامية عرفنا ان المقولة برزت الى الوجود ،عندما استدعى الخليفة عبدالله جنوده من الغرب أي ” الجهادية ” ابان صراعه على السلطة مع اشراف المهدى للاستقواء بهم، و كان قد وقع منهم كثير من التجاوزات تجاه المواطنين في امدرمان لذلك شاعت تلك المقولة و تمددت في المجتمع، ولا يستبعد ان السلطة الاستعمارية و أعداء الثورة المهدية ، قد ساهموا في انتشارها للتقليل من الثورة المهدية و الحط من قدرها، فهل تنطبق تلك المقولة على واقع اليوم ؟!
2
لست تلك الواقعة لوحدها و التي قمت بروايتها تحكى عن انفراط الأمن في العاصمة الذى تسببه المليشيات المسلحة، بل صار السلاح المنتشر في المجتمع و الاعتداء على المواطنين العزل و اخذ حقوقهم ، متفشي بين الناس كما صار حسم الخلاف بالعنف هو المنهج السائد.
ذكر لي أحد الأصدقاء من سكان امدرمان القديمة و الذين لم يغادروا المدينة منذ وقوع الحرب، انهم لا يخرجون من منازلهم بعد الخامسة مساء خوف الاعتداء عليهم من المليشيات المتعددة التي تجوب العاصمة و المدججة بالسلاح، أو العصابات المسلحة مجهولة الأصل التي تعج بهم العاصمة. ان انعدام الأمن في العاصمة يعنى سيادة قانون الغاب، بل ان ذلك النهج والسلوك سوف يؤدى بالضرورة الى اعادة تشكيل كافة العلاقات ان كانت اجتماعية ،سياسة أو اقتصادية. لتبيان قولنا هذا سوف نعدد السلبيات التي سوف تلحق بالمجتمع من جراء العنف الذي ساد والذى سوف يؤدى بالضرورة الى انهيار المجتمع وقيمه السمحة، تتمثل تلك السلبيات في الآتي :
1- يؤدى انتشار العنف الى الاستهانة و الاستهتار بالقانون و مؤسساته، كما يعمل على سيادة منطق القوة و مقولة ( القوى يأكل الضعيف ) في المجتمع.
2- حسم المسائل بين المواطنين بالقوة يقضى على قيم التسامح الذى عُرف يتصف بها الشعب السوداني.
3- عندما ينعدم الأمن يلجأ المواطن الى التشكيلة الاجتماعية التي تعمل على حمايته و في السودان يعنى ذلك الرجوع الى القبلية من جديد باختصار العودة الى الخلف خطوات.
4- الرجوع الى حضن القبيلة يعنى احياء العرقية الكامنة أصلا في المجتمع و التي لم يعمل على القضاء عليها، و ذلك سوف يؤدى مع منطق السلاح و القوة الى التفكك و التلاشي، كما سيصبح الوطن لقمة سائغة لدول الجوار الطامعة في دولة السودانية الغنية العامرة بالخيرات.
5- انعدام الأمن يؤدى الى فقدان الثقة بين المواطنين و يعمل على بذر الشك، فينعدم الاطمئنان و ينعكس ذلك على صحة المواطنين النفسية فتتفشى الأمراض الاجتماعية.
6- من الناحية الاقتصادية يؤدي انتشار العنف في أرجاء الوطن، الى هروب الاستثمار من السودان ببساطة لأن المستثمر لا يمكنه إنفاق الملايين و هو يعرف أن ماله عرضة الى الضياع ، النهب و السرقة.
و أخيرا ان سيادة ثقافة العنف في المجتمع و تلاشى مؤسسات العدالة و ضعفها من قضاء ، نيابة و بوليس ، سوف يؤدي الى نشوء جيل لا يعرف حل خلافاته الا بالعنف واستخدام السلاح فتسود الفوضى في المجتمع.
3
السؤال الذى يفرض نفسه بقوة دون تزويق و يرتبط بمنطق الأحداث هو كيفية ” المخارجة ” من هذا الوضع المزري و المأساوي الذي يعيشه المواطن اليوم ؟
الحل يتمثل في تكوين جبهة عريضة من أصحاب المصلحة لإيقاف الحرب فورا ، و ذلك من خلال العمل القاعدي الدؤوب ، مع استخدام كافة سبل النضال السلمية في سبيل الوصول الى سلطة مدنية و إبعاد العسكر و المرتبطين بهم من سدة الحكم.
الكل يعلم انه طريق شاق لكن لا بد منه، لمنع تفكك الدولة السودانية و حمايتها من اللصوص و المرتزقة لوردات الحروب.
عدنان زاهر
24 مايو 2026
elsadati2008@gmail.com
