إدوارد كورنيليو
أوقفت المحكمة العليا في جوبا هذا الأسبوع انتخابات اتحاد الصحفيين التي كانت مقررة في السابع عشر من سبتمبر، والخبر مرّ كأنه خبر عادي عن خلاف إجرائي، لكن السؤال الحقيقي الذي يجب أن نسأله ليس لماذا توقفت الانتخابات، بل أين الصحفيون أنفسهم الذين يفترض أن ينتخبوا.
من يذهب إلى قاعة الاتحاد في جوبا سيجد مبنى ولافتة وختم وترويسة، لكنه لن يجد قاعدة حقيقية. الصحافة في جنوب السودان اليوم لا تطعم أصحابها. لا توجد صحيفة يومية منتظمة، لا توجد مؤسسة تدفع راتبا يكفي لنهاية الشهر، لا يوجد عقد عمل ولا تأمين ولا حماية. معظم الشباب الذين نسميهم صحفيين يعيشون على القطعة؛ مراسل لمنظمة دولية هنا، منشور على فيسبوك هناك، أو عمل في مكتب علاقات عامة لوزير يسمى مستشارا إعلاميا. هو ليس صحفيا بالمعنى المستقر للكلمة، هو شخص يحاول أن يبيع جهده الفكري في سوق لا يشتري.
وحين لا يملك الصحفي مطبعته ولا إذاعته ولا موقعه الممول، وحين لا يملك حتى راتبه، فكيف نطلب منه أن ينتمي إلى اتحاد؟ الاتحاد يفترض أن يدافع عن أعضائه، أن يضمن لهم أجرا عادلا، أن يوفر محاميا حين يعتقل أحدهم، أن يقف مع صحفية فصلت تعسفيا. هذا لم يحدث منذ سنوات. لذلك لا يشعر الصحفي العادي أن هذا الجسم يمثله، فيبقى بعيدا، ويترك القاعة فارغة إلا من قلة قليلة تتصارع على المناصب.
وهنا ندخل إلى لب المشكلة. لماذا يتصارع الناس أصلا على اتحاد مفلس؟ لأن الاتحاد في بلد يعيش على الريع النفطي تحول نفسه إلى بوابة. من يسيطر على الاتحاد يسيطر على بطاقات الصحافة، وعلى قوائم المدعوين لورش المنظمات التي تدفع مئة دولار بدل حضور، وعلى فرص السفر للخارج باسم حرية الصحافة، وعلى حق الكلام أمام السفارات باسم الصحفيين. الصراع الذي نراه اليوم بين مجموعة تتهم الأخرى بتشكيل لجنة انتخابات غير شرعية ومجموعة تتهم الأولى بعدم تقديم تقرير مالي، ليس صراعا حول حرية التعبير، هو صراع حول من يمسك بهذه البوابة.
والدولة تنظر إلى هذا الصراع وتبتسم، لأنها في العمق لا تريد نقابة قوية. دولة لم تجر انتخابات عامة منذ الاستقلال ولا تملك سجلا مدنيا ولا طرقا لنقل صناديق الاقتراع، كيف ستسمح بانتخابات حرة لنقابة مهمتها مراقبتها وانتقادها؟ إيقاف الانتخابات بقرار قضائي هو أسهل طريقة لإبقاء الاتحاد ضعيفا ومنقسما وتحت السيطرة، مع الحفاظ على مظهر احترام القانون.
أما الصحفيون الحقيقيون فهم موجودون لكنهم خارج الصورة تماما. هم الشباب في بور وياي ومريدي يحملون هواتفهم ويصورون ما يحدث في الأسواق والمخيمات وينشرون الأخبار قبل التلفزيون الحكومي. هم لا يملكون ثمن المواصلات ليصلوا إلى جوبا ليصوتوا، ولا يملكون بطاقة عضوية لأن العضوية نفسها تحتاج رسوما لا يقدرون عليها. نحن نسميهم مواطنين صحفيين لكنهم في الواقع العمود الفقري الوحيد للصحافة اليوم.
الخلل إذن ليس في لجنة الانتخابات ولا في النظام الأساسي، الخلل في أننا نريد أن ننتخب نقابة قبل أن نخلق مهنة. النقابة تحتاج سوق عمل، وسوق العمل يحتاج مؤسسات إعلامية مستقلة قادرة على دفع الرواتب، والمؤسسات المستقلة تحتاج اقتصادا لا يسيطر عليه سياسي واحد يملك المال والسلاح والإعلان في نفس الوقت.
من يملك الإعلام اليوم في جنوب السودان؟ الدولة تملك التلفزيون وتستخدم الصحفي كموظف دعاية، ورجل الأعمال السياسي يشتري موقعا إخباريا ليصفي حساباته مع خصومه، والمنظمة الدولية تمول إذاعة وتطلب من الصحفي أن يكتب عن السلام كما تفهمه هي. في الحالات الثلاث الصحفي لا يملك قراره، لأنه لا يملك لقمة عيشه. فكيف نطلب منه أن يكون مستقلا في صندوق الاقتراع؟
انتخابات الصحفيين المؤجلة هي المرآة الصادقة لواقعنا. لا يمكن أن تنتخب جسما لمهنة لم تتشكل بعد.
