انقلاب البرهان: و(حروب دولة) الفلول لاستعادة حكمهم الضائع !! .. بقلم: أمين محمد إبراهيم


في هذا المقال يقصد بـ “حروب دولة” الفلول، سلسلة الانقلابات العسكرية التي نفذها الاسلامويون، أصالةً أو وكالةً، والتي تتكون من انقلاب 30/6/1989م الذي أطاحوا به بالحكومة الشرعية، و استولوا على الحكم و فرضوا حكمهم بحد السيف، و الانقلابات التي تلته ونفذت للمحافظة على الحكم الذي انتزعه الإنقلابيين غلاباً واغتصاباً. و من بينها بالطبع انقلاب 25 أكتوبر 2021م، الذي قاده الفريق البرهان، كحلقة في سلسلة انقلابات “دولة الفلول” بل هو ـ إن شئنا الدقة ـ النسخة الخامسة من انقلابات الاسلامويين، وذلك باعتبار أن ” مجزرة فض الاعتصام في 3 يونيو 2019م”، كانت هي النسخة الرابعة من تلك الانقلابات. و قصد عسكر اللجنة الأمنية بمجزرة فض الاعتصام بالذات تحقيق “صيغة منتهى اشتهاء”، فلول نظام البشير بتوجيه قاصمة الظهر و الضربة الحاسمة (الكفيلة في نظرهم بهزيمتها و القضاء عليها قضاءً مبرماً) و التي عجز عن توجيهها للثورة المجيدة انقلابا الفريقين عوض بن عوف و عبد الفتاح البرهان “فيلمين في برنامج واحد” (الطبعتين الثانية والثالثة).
و لأن المؤتمر الوطني لم يكن منذ تأسيسه سوى قناع “Mask” يختفي خلفه الحاكم الفعلي وهو جهاز الأمن و المخابرات فإن عسكر اللجنة الأمنية هم رأس الرمح الذي يقود حلف القوى المضادة لثورة 19 ديسمبر 2018م المجيدة والذي يشمل الفلول ونقصد بهم منتسبي (أحزاب المؤتمرين الوطني والشعبي والاصلاح الآن) ومعهم حلفاءهم في حركات صفقة جوبا “التجارية” وقوى اعتصام القصر المدفوع الأجر بالموز و الأحزاب المستأجرة “كشقق مفروشة” لفلول النظام من الباطن و قوى التخذيل والردة والهبوط الناعم داخل وخارج قوى الحرية والتغيير.
و بسبب انتفاء وجود المؤتمر الوطني كفاعل حقيقي وحيوي في الحياة و انعدام تأثيره السياسية والاجتماعية على الناس فإن حلول عسكر اللجنة الأمنية للنظام محل تنظيم الاسلامويين في معركة مواجهات معارضيه من الخصوم الفكريين والسياسيين في ديسمبر 2019م وقبلها في سبتمبر 2013م، لم تكن مصادفة. بل إن تنظيم الاسلامويين الذي ظل على الدوام يدع كذباً الصفوية و يباهى و يفاخر بعدد حملة الاجازات الأكاديمية العليا بين عضويته قد أحل عسكرييه محل مدنييه في قيادة التنظيم. فأورث العسكر كل تاريخ حركة الحزب و كسبه التنظيمي و النظري على عوار الأخير و قلته وضآلة مردوده. و ينهض إحلال العسكر محل المدنيين في تنظيم الاسلامويين السياسي دليلاً على استهانتهم بالنشاط السياسي. كما يؤكِد أن الحزب السياسي لا يعدوا في نظر التنظيم كونه محض أداة و وسيلة للوصول إلي الحكم، تفقد جدوى وجودها وبقائها “في نظرهم القاصر” بمجرَد تحقيقهم تلك الغاية. وهذا النظر هو ما طبقه حرفياً الدكتور الترابي ٌرحمه الله وغفر له” بمسارعته بحل تنظيمه وتسريح قادته بمجرَد وصولهم للسلطة (عبر انقلاب)، وذلك في مشهد درامي مذل لقادته وكادره الذين استفزهم و أحزنهم أن يجمعهم شيخهم و يشكرهم على حسن خدماتهم و يصرف لكل واحد منهم مصحفاً كـ “مكافأة ما بعد الخدمة” و لزوم تجويد التلاوة بعد أداء الواجب. و كل ذلك في إشارة واضحة إلي الاستغناء عنهم و إلي أن دور التنظيم قد انتهى. وكم ساءهم “كما عبر بعضهم” أن قام شيخهم بـ “تحرير شهادة وفاة تنظيمهم” بخط يده و ذيله بتوقيعه.
و نماذج استهانتهم بالتنظيم تكاد لا تحصى و لا تعد و منها ما حكاه القيادي التاريخي الراحل في التنظيم الأستاذ يس عمر الإمام إذا قال: أنه و في مبادرة منه لرأب الصدع في التنظيم بعد مفاصلة 1999م كان قد حاور البشير و اتفق معه على أن يستنير بآراء بعض قياداته التنظيم، و اتضح له فيما بعد أنه فلم يفعل. وعندما استفسر يس الامام البشير، قال الأخير للأول أن الحزب لا أهمية له “أي كلام بعبارة البشير” وأن المهم جهاز الدولة “القوة والسلاح وجهاز القمع”.
و آخر هو استغناء البشير “عملياً” عن المدنيين و إحلال العسكر محلهم في الحزب والدولة (بكري و ابن عوف) تدريجياً بعد هبة سبتمبر 2013م، وبعدها خاصة عندما أحس بدنو أجل نظامه وقرب ساعة مواجهته مع الشعب. وعموما يلحظ أن الاسلامويين بعد استيلائهم على الحكم كانوا قد أهملوا التنظيم و ركزوا كثيراً على فرض سيطرتهم وهيمنتهم الكاملة على قيادة المؤسسة العسكرية. و من نتائج ذلك تركيزهم على بناء جهاز الأمن والمخابرات، الذي راح يكبر و يتوسع حتى ابتلع التنظيم ودولته. فانطبق على قادة الاسلامويين بيت الشعر:
ومن يجعل الضرغام بازاً لصيده تصيده الضرغام فيما تصيدا.
و أشار بعض أخلص أبناء الحركة الاسلاموية و أكثرهم إسهاماً في مجال الفكر والتنظير منهم الدكتور طيب زين العابدين و الدكتور عبد الوهاب الأفندي و الدكتور التجاني عبد القادر والأستاذ المحبوب عبد السلام…… إلخ. إلي حقيقة أن الحزب الذي أفنوا في صفوفه زهرة شبابهم و أنضر أيام أعمارهم قد استحال في خاتمة المطاف إلي جهاز أمني قابض قام بابتلاع التنظيم والدولة معاً. و اجمعوا على أن مصير تنظيمهم “الصفوي افتراضاً أو بالأحرى توهماً” على يد “عسكر” جهاز والمخابرات الأمن لم يكن أفضل ممن جعل الضرغام بازاً لصيده من حيث بؤس المصير وسوء المنقلب المضمر في نص بيت الشعر أعلاه.
في ظل حملة محمومة لتصفية وجود أي شخص مشكوك في ولائه للنظام في جهاز الدولة “بشقيه المدني والعسكري” اختار البشير عسكر اللجنة الأمنية وصعدهم لقمة هرم المؤسسة العسكرية ليمثلوا رأس الرمح في آلية ومنظومة الدفاع عن النظام وحمايته، كما أسلفنا القول. و إذا كان ذلك كذلك، فمن الطبيعي و المنطقي جداً، أن يطمع عسكر اللجنة في خلافة المخلوع و وراثته في الحكم، و عليه فلا غرو أن يصارعوا و يقاتلوا من ثم لأجل تحقيق أحلامهم أو بالأحرى أطماعهم. وهي أطماع قد تحققت لهم بقوة السلاح فحكموا (منفردين) من (11 /4/ 2019م وحتى أغسطس 2019م)، باسم المجلس العسكري الانتقالي، ثم شاركوا في مكونات الحكم الانتقالي، منذئذٍ وحتى 25 /10/2021م باسم المكون العسكري بالمجلس السيادي، ثم انفردوا أخيراً بالحكم بعد استيلائهم على السلطة بانقلاب 25 أكتوبر 2021م. وهو انفراد أكَدت الدلائل والبراهين على أن الفلول أصالةً ( وهم أعضاء التنظيم من المدنيين) و الفلول وكالةً ( وهم منسوبيه من العسكر و حلفائهم) قد سعوا إليه تباعاً وبإصرار محموم منذ انقلابهم في 11 إبريل 2019م.
اتسم سلوك وتصرف قادة نظام الاسلامويين منذ 1989م و حتى سقوط رأس نظامهم و كذلك سلوك وتصرف فلولهم، بعد سقوط البشيرو حتى اليوم تجاه معارضيهم بالغلو و الإسراف في القمع البطش والتنكيل والقتل واسترخاص حياة المتظاهرين والمحتجين السلميين. وسبب ذلك هو أن الفلول أصالةً و و كالةً كانوا قد راهنوا ” وما زال يراهنون” على قدرتهم على قمع معارضيهم وخصومهم و البطش والتنكيل بهم لإخضاعهم عنوةً وجبراً لحكمهم. و ما يحدث الآن من قِبَلْ تحالف عسكر الانقلاب والفلول هو الوجه الآخر لاعتماده على هذا الرهان المعول أصلاً على إمكانية ضرب و زعزعة تماسك وصمود الثوار وكسر شوكتهم و هزيمتهم بالعنف الدموي و الوحشي المفرط.
و نخلص من كل ذلك إلي أن اللجنة الأمنية و بصفتها رأس الرمح في ترسانة الدفاع عن النظام والزود عن بقائه، كانت قد أشرفت على كل معارك النظام المخلوع (رأسه) في مواجهة معارضيه في أي زمان ومكان بين 1989م و 25 أكتوبر 2021م وحتى الآن. وبعبارة أخرى فقد أنابت اللجنة عن نظام حكم الاسلامويين في إدارة الصراع ضد خصومه وبذلك تكون هي المسئولة عن تنفيذ كل عمليات العنف الدموي الفالت ضد المتظاهرين والمحتجين والمعتصمين.
إذن فإن اللجنة الأمنية قد أبدت في تصديها لمعارضي النظام بالعنف الدموي الوحشي أقصى درجات حرصها لتحقيق رغبة النظام وهي الإجهاز على أي تحرك أو إسكات صوت أي محتج أو إخماد أنفاسه بكل السبل ومنها اطلاق قناصي مليشيات دولة الفلول الذخيرة الحية على رؤوس وصدور المحتجين والمعارضين و أردائهم قتلى ومضرجين في دمائهم. و هو ما فعلته مليشيات وكتائب أمن النظام في كل الهبات والانتفاضات الشعبية ونذكر منها، مثالاً دون حصر، انتفاضة سبتمبر 2013م حيث تولت اللجنة الأمنية للنظام ادارة معركة مواجهة الثوار ميدانياً فانتهت بمصرع أكثر من مئتين من الشباب من الجنسين سقطوا صرعى برصاص القناصين في الشوارع. سئل المخلوع البشير عن كيف تمكن من إخماد هبة سبتمبر 2013م فذكر (مباهياً) أنهم جربوا مع المتظاهرين والمحتجين الخطة “أ” فلما لم تحقق نجاحاً قابلوهم بالخطة “ب”. فقال: فتمكنا من ردعهم و اسكات أصواتهم وأخلاء الشوارع في زمن وجيز فلم يبق فيها ـ على حد زعمه ـ هناك محتج واحد.
وتؤكد كل الوقائع والمعطيات وقرائن الأحول و الأقوال بأن نظام الاسلامويين قد اعتمد منذ ذلك الوقت الخطة “ب” التي طبقها المخلوع البشير ضد المتظاهرين في هبة سبتمبر 2013م واستمر من آل إليهم الحكم بعد 11 إبريل 2019م في اعتماد وتطبيق نفس الخطة “ب” و أنهم ما زالوا يطبقونها الآن في الفترة ما بين الانقلابين (2019م ـ 2021م) وبعدها.
لا شك أن اختيار البشير لعسكر اللجنة الأمنية للنظام لم يكن اعتباطاً بل تم في سياق عملية مراجعة وفحص دقيق لقادة المنظومة الأمنية و غربلة شاملة لها بغرض تصفية العناصر غير الموالية وابعادها وتقريب العناصر الموالية و ذلك في إطار عملية إعادة بناء المؤسسة العسكرية لدولة نظامه الثيوقراطية ذات التكوين الحزبي و الأيديولوجي. وبما أن عسكر اللجنة الأمنية قد شكلوا جزءً هاماً من جهاز دولتهم فلا شك أنهم لم يكونوا “بالضرورة” بمعزل عن صراع القوى على كراسي الحكم داخل التنظيم و الدولة. و هذا ما عبَرت عنه قيادات نافذة في الأجهزة الأمنية سابقاً لبداية الزلزال و علامات التضعضع والانهيار في التنظيم و الدولة حيث جاهرت برغباتها في الحلول “بالتضامن أو بالانفراد” محل البشير، و منهم “قوش و ود إبراهيم وآخرين”. و لا شك أن هذه الرغبات قد عاودت وظهرت لتداعب خيالات الكثيرين من عسكر اللجنة الأمنية، لا سيما بعد أن تأكد لهم أن شمس النظام قد بدأت في الغروب، وأن المخلوع البشير بالذات قد أصبح “كرتاً” محروقاً وأن استمراره في الحكم قد أصبح من سابع المستحيلات.
إذن فإن رغبة العسكر في الحلول محل البشير في الحكم هي التي تفسر استيلائهم على الحكم في 11/4/2019م وليس زعمهم الباطل والكذوب والخيدع بأنهم قد انحازوا لخيار الشعب. فمن ينحاز إليك لا يقف موقف الغريم والمنافس والعدو الألد لك و يسعى للاستيلاء على الحكم و الانفراد به طوال مدة الفترة الانتقالية. و لا يعقل أصلاً أن ينحاز لخيار الثوار من كان رأس رمح في حماية النظام المخلوع والدفاع عنه!!! كما لا يعقل أصلاً أن ينحاز لجانب قوى الحرية وللتغيير من كان في موجهتهم يدافع عن النظام!!..
وتؤكِد مواقف عسكر اللجنة الأمنية العملية أن انحيازهم لم يكن لخيار الثوار بل إلي جانب فلول النظام الذي أسقطوه!!. بل أن سعي العسكر كان و لا زال الاستجابة لمطالب فلول النظام المعلنة: وهي: تدخل الجيش والاستيلاء على الحكم و اقصاء الثوار وممثليهم من دوائره و حياضه. علاوةً على ذلك فقد أفصحت “قرارات بيان انقلاب ابن عوف و بديله البرهان” عن نوايا عسكر اللجنة المصممة خصيصاً لتحقيق غرض واحد هو تجريد الشعب يومها من سلاحه الوحيد الذي كان يحارب ويقاتل به نظام البشير لإسقاطه!! فماذا يبقى للشعب بعد حرمانه بموجب إعلان حالة الطوارئ وحظر التجوال وأوامر اعتقال من يخالف أمر الحظر من سلاح يحارب به النظام؟؟!!.
و لا جدال على أن عسكر اللجنة الأمنية قد أجالوا أبصارهم فرأوا نظامهم يتهاوى ويتداعى و قد ضيق عليه الثوار الخناق أحكموا عليه حصارهم من كل جانب فعلموا أنه ساقط ومنهار لا محالة فلم يكن أمامهم خيار آخر سوى اللجوء إلي سناريو انقلابهم واستيلائهم على الحكم باعتباره الخيار الوحيد المتبقي لهم ليحاولوا إنقاذ ما يمكن انقاذه من النظام علهم يحولون دون سقوطه الشامل و التفكيك التام تحت ضربات معاول التغيير وثورة الشباب ” من شفاتة وكنداكات”. وهذه هي الحقيقة الساطعة التي تفسِر قرار العسكر تنحية البشير و ايقافه و التحفظ عليه “في مكان آمن” كما ورد في البيان!!. و لم تفعل اللجنة الأمنية ذلك إلا بنية حلولها محل المخلوع في الحكم؟؟؟!! علها تفلح في المحافظة على بقاء جهاز “دولة الأيديولوجيا” بمكوناته وتشريعاته و سياساته كما هو دون المساس به مع إجراء تعديلات شكلية لا تغير في جوهره، مثل: إحلال الكادر غير المكشوف محل كادره المكشوف، في جهاز الدولة “بشقيه المدني والعسكري”، و البحث عن مشاركة قوى سياسية حليفة في الحكم بدعوى توسيع القاعدة الاجتماعية للنظام … إلخ، مع التشبث قدر المستطاع بالمحافظة على جهاز دولة حزب الأيديولوجية و الشمولية الذي بناه النظام المخلوع طوال ثلاث عقود عليه مع الابقاء عليه على ما كان عليه دون أدنى تغيير يذكر. و المعلوم أن هذا الخيار هو المعروف ” بالهبوط الناعم ” و الذي تتبناه حرفياً قوى مضادة للثورة تتكون من أحزاب و حركات مسلحة و مدعومة من أقطاب دولية غربية و قوى إقليمية بقيادة مصر وحلفائها.
و لأجل المحافظة على المؤسسة العسكرية على ما كانت عليه ودون تغيير رفض عسكر اللجنة الأمنية تبعية وزارتي الدفاع والداخلية لسلطة رئيس الوزراء المدني و ناهضوا مناهضة قوية فكرة إصلاح جهاز الدولة عامة و رفضهم عمليا اصلاح المؤسسة العسكرية و اصرارهم إصراراً شديداً على الحفاظ عليها دون مساس واستماتتهم حتى الآن للإبقاء عليها كما هي منذ 11 إبريل 2019م وحتى انقلاب 25 أكتوبر 2021م. وما لا شك فيه هو أنه لو لا فلاح العسكر في الابقاء على المؤسسة العسكرية على ما كانت عليه في عهد المخلوع دون تغيير ـ بكامل آثار تمكين الاسلامويين منها و هيمنتهم عليها ـ لما كان تنفيذ انقلاب البرهان نفسه ممكناً.
حروب (دولة الفلول) هي في حقيقتها عملية واحدة متشابكة ولها هدف نهائي واحد تضافرت لتحقيقه سلسلة من أحداث تبدو متفرقة و متباعدة ومتباينة، لا رابط بينها ظاهرياً، ولكنها واقعياً وعملياً، مترابطة و متداخلة و متشابهة بل تكاد تكون متطابقة و متماثلة الخطوط الرئيسية في كثير من أجزائها. ولذا تجد أن بيان انقلاب 11/4/ 2019م و خطاب ما بعد مجزرة فض الاعتصام ثم بيان انقلاب 25/10/2021م تشترك كلها بل تتطابق تقريباً في الملامح والسمات الأساسية و تتلخص في إعلان عسكر اللجنة الأمنية رغبتهم في الانفراد الحكم ومن ثم إضمارهم العداء والخصومة لقوى الحرية والتغيير والتدافع الشديد لمزاحمتها ومنافستها (كخصم وغريم). و في المحصلة نجد أن رغبة العسكر التي تستبطن خصومة للثوار تدفعها بالضرورة مصلحتها لهزيمة الثوار و اجهاض شعارات و برنامج الثورة عملياً و ذلك بمجاهرة العسكر جحدهم و عدم اعترافهم بدور قوى الحرية والتغيير في قيادة الثورة التي أطاحت برأس النظام وفرضهم لجنتهم لقيادة الفترة الانتقالية “و لو جبراً”. و إذا تحقق لهم ذلك فإنه يعني ضمناً قبول الثوار إحلال حكم عسكري شمولي جديد “بقيادة العسكر” محل حكم النظام المخلوع الذي أسقطه الثوار، و “كأننا يا زيد لا رحنا و لا جينا”.
و في المحصلة لا يعدو ما أعلنه بيانا 11/4/2019م و 25/10/2021م من وقف العمل أو تجميده بالدستور الانتقالي، أو بعض أحكام الوثيقة الدستورية و إعلان حالة الطوارئ في عموم البلاد وإعلان حظر التجول… إلخ، كونه هي نفس قرارات المخلوع البشير في أيام حكمه الأخيرة من سنوات. أي أنها اعادة انتاج لقرارا واجراءات النظام. فماذا ـ يا ترى ـ كان يريد حاكم تحاصره جموع المحتجين الغاضبين من كل جانب غير إعلان حالة الطوارئ و حظر التجول ومنع التجمع. إن البيانين قد مثلا تجريداً عملياً للشعب من سلاحه الوحيد الذي يحاب به. و لا شك أن ذلك قد مثل صيغة منتهى اشتهاء الحاكم دون أدنى شك!!. ويقيني أن المخلوع البشير نفسه وقتها لو استقبل من يومه ما استدبر لما اشتهى أكثر مما أعلنه ابن عوف و البرهان في بياني انقلابيهما!! كيف لا وقد أبطلا بإيقافهم و تعطيلهم حقوق التجمهر والتعبير و التظاهر و الاحتجاج و المطالبة بإسقاط الطغاة والفاسدين … إلخ مفعول سلاح المعارضة الوحيد.
وصفوة القول أن اللجنة الأمنية لنظام البشير قد بلغت بانقلابها في 25 أكتوبر 2021م لما كانت تخطط له هي والفلول في صراعها الطويل في مواجهة قوى الحرية والتغيير، منذ 11 إبريل 2019م و هو إقصاء قوى الحرية والتغيير “ممثلة الثوار” من المشهد السياسي وانفرادها هي بالحكم أصالةً أو وكالةً، وتوطئة لإعادة فلول النظام المخلوع، إلي الحكم من جديد.
واهم من يراهن من عسكر اللجنة الأمنية على قدرته في إخفاء ولائه السياسي أو مدارات تعاطفه ميوله الأيد أيديولوجية ذلك عند احتداد الصراع بين الكتل السياسية المتنافسة و احتدام المعركة. و واهم و مخطئ أيضاً من يعتقد منهم أن مجرَد انتمائه للمؤسسة العسكرية كافٍ لإقناع الناس بحياده وعدم تحزبه. فالبشير وصحبه لم يأتوا إلينا من منتزه هايد بارك، بل جاءوا من الجيش كما يخطئ أيضاً من يتوهم صعوبة أو استحالة تمييز أفعاله وتصرفاته ذات الحمولات الأيديولوجية و المدلولات السياسية الظاهرة الميول، وهي في كثيرٍ من الحالات ميول تكاد تقرع بأجراسها الآذان “كما يقال”. ونذكر أدناه بعض نماذجها التي عكستها وسائط الميديا:
– فهناك مثلاً شريط فيديو مسجل صورة صوت لأحد قيادات الدعم السريع قال صاحبه، ان الاعتصام أمام قيادة العامة يجب أن يفض لأن ما يحدث فيه مخالف للقانون و أشار أيضاً أن ميدان الاعتصام فيه خمور و مخدرات.
– وهناك أيضاً تسجيل صوتي (فقط) دون صورة متداول في الأسافير، (يرجِح الناس أنهم قد تعرفوا على نبرات صوت صاحبه المألوفة لديهم). و قال فيه صاحب الصوت: ان الاعتصام أمام قيادة العامة يجب أن يفض بأي أسلوب بما في ذلك القوة. وقال صاحب الصوت “المحفوظة والمألوفة نبراته”: “قشوهم ما تجاملوهم” لأن الذين يشاركون فيه صعاليك. و نسبت المادة الصوتية إلي أحد أعضاء المجلس العسكري الانتقالي باسمه. ومن المرجح أن تكون نسبة صاحب الصوت إلي عسكر اللجنة صحيحاً بدليل أن صاحبه كان يأمر مرؤوسيه من العساكر بفض الاعتصام بالقوة و كان يزجر ويوبخ من أبدوا تعاطفاً منهم مع المعتصمين قائلاً: ” ما تقولوا ديل اخوانا وأولادنا، لو سمحتم لأخونكم وأبناءكم، المشاركة في الاعتصام أنتو ذاتكم صعاليك زيهم”. ثم استنكر بلهجة حادة هتاف المعتصمين “سقطت ما سقطت صابنها” و “مدنياووو” فقال: “أنتم لا تمثلون الشعب و لا تحددون له ما يريده!! و”إنتو مين ومين الفوضكم” “وعلى كيفكم انتو يا علمانيين و شيوعيين ملاحدة”. “و أنتم معكم في ميدان الاعتصام كل الخمور و المخدرات و أضاف صاحب التسجيل الصوتي أن معهم (عاهرات) واستخدم اللفظة السوقية”.
و نخلص من ذلك إلي أن مناوئة عسكر اللجنة الأمنية للثورة و الثوار ليس موقفاً طارئاً أو مستحدثا أو انفعالياً وقتياً بل هو عداء معلن ومستحكم و قديم و يقابله انحيازهم الواضح و الجهير لفلول النظام و حلفائه بل أن كلا الموقفين مدعومين “من العسكر” بأسباب و أسانيد فكرية و نظرية “الأيديولوجية” مبررة ومسوغة لاختصام قوى الحرية والتغيير. و سنضيف أدناه بعض الأمثلة الموضحة لعداء عسكر اللجنة الأمنية للثوار و موالاتهم للفلول و انحيازهم لهم:
– في الثلث الأخير من إبريل 2019م عقد (عضو المجلس العسكري الانتقالي وقتها) الفريق عمر زين العابدين اجتماعاً مع ممثلين للفلول منهم: عبد الحي يوسف” هيئة علماء السودان”، و معه ممثلين للمؤتمر الوطني، و المؤتمر الشعبي، والاتحادي الديمقراطي و أحزاب الفكة (التي شاركت البشير و نظامه في الحكم حتى لحظة سقوطه). و في اجتماعهم مع الفريق عمر وصف أكثر من متحدث ممن شاركوا في الاجتماع الثوار المحتجين و “المعتصمين وقتها أمام القيادة العامة” بأنهم من العلمانيين والشيوعيين دعاة شرب الخمر والرذيلة. “موقع صحيفة الراكوبة الالكتروني 23/4/2019”. و انتهى اجتماع الفلول إلي تفوَيض عسكر اللجنة الأمنية، باسم هيئاتهم وأحزابهم بعدم تسليم السلطة لليسار العلماني والشيوعي المعروف بقوى الحرية و التغيير (مهما حصل) وطالبوا (أخيهم في الله) الفريق زين العابدين بتكوين حكومة من التكنوقراط تقود البلاد بحماية الجيش.
من لم يلحظ التطابق الحرفي التام بين لغة دعاية الفلول أصالةً ولغة الفلول وكالةً ليس مصاباً بالحول السياسي فحسب بل بالعمى!!.
ـ و لكن و لأسباب خارجة عن إرادة عسكر اللجنة الأمنية أخفقوا في الوفاء بوعدهم لفلول النظام المخلوع في صفقاتهم السرية معهم بعدم تسليم الحكم لقوى الحرية والتغيير. و كشف ذلك وفضحه بكاء و نحيب و ولولة فلول النظام المخلوع وشقهم الجيوب ولطمهم الخدود بدعوى خيانة المجلس العسكري الانتقالي تعهده لهم بعدم تسليمه السلطة لقوى الحرية والتغيير، وذلك عند توقيع رئيس المجلس العسكري الوثيقة الدستورية الاتفاق السياسي التي منحت بموجبهما قوى الحرية والتغيير حق تكوين كامل مجلس الوزراء و المشاركة بأعضاء في المجلس السيادي و تشكيل أغلبية المجلس التشريعي تمثل (67%) من عضويته. و قد كشف تعهد العسكر للفلول عبد الحي يوسف و محمد علي الجزولي و محمد عبد الكريم الأمين و محمد ناجي (دباب المؤتمر الوطني) فأعلنوا أن المجلس العسكري بتسليمه الحكم لقوى الحرية والتغيير قد خان أمانة الله و خالف وعده و حنث بعهده لهم بعدم تسليمه السلطة لمن وصفوهم بدعاة العلمانية و سدنة الالحاد و الكفر الذين يريدون إطفاء نور الله و اشاعة الفاحشة و شرب الخمر.
ولا شك مطلقاً، في أن وحدة قوى الثورة و تراص صفوف الثوار على أيام اعتصامهم أمام القيادة العامة وتمسكهم بمكتسباتهم و حقوقهم بقوة، و مقاومتهم الشرسة لمخططات خصومهم هو الذي هزم نية عسكر اللجنة الأمنية في الايفاء بوعدهم للفلول و اضطرهم مرغمين و مكرهين للإقرار (بعد طول جحد وانكار) بدور قوى الحرية والتغيير في الاطاحة برأس النظام وقادته و بحقها بالتالي في تكوين أجهزة الحكم الانتقالي الواردة في الوثيقة الانتقالية. و دليلنا على ذلك هو أن العسكر قد عادوا الجحد والانكار إلي من جديد بعيد فض الاعتصام مباشرة وقرروا إيقاف التفاوض مع قوى الحرية والتغيير وإلغاء كل ما تم الاتفاق عليه معها والانفراد بالحكم وإجراء انتخابات بعد تسع أشهر، كما عادوا أيضاً بعد انقلاب 25 أكتوبر 2012م.
– وفي شريط فيديو آخر متداول في الشبكة العنكبوتية خاطب الفريق ياسر العطا (بصفته عضواً في المجلس السيادي) جمعاً من المواطنين كرَس جزءاً مقدراً منه في ذم وهجاء ومهاجمة تنظيم سياسي عضو في قوى الحرية والتغيير و سعى بكل ما يملك و “ما لا يملك” إلي تأليب من خاطبهم على ذلك التنظيم. فأثني و بأسلوب التعريض والهمز واللمز “المعلوم” على كل أحزاب قوى الحرية والتغيير عدا الحزب المراد التأليب ضده فمدحها بالإشارة إلي تاريخها الناصع مما يفهم منه بمفهوم المخالفة أن تاريخ الحزب المقصود بالهجاء و محل الهجوم ليس ناصعا ومشرفاً. و انتهى للقول بأن وصفه بأنه حزب صغير الوزن الجماهيري و أستنكر أن تكون عضويته مسيطرة و مهيمنة على أغلبية مقاعد تجمع المهنيين. ” و يبدو أننا في هذا الزمن الأغبر هل نحتاج أن نبيِن للبعض من رمى بهم حظنا العاثر في ميادين العمل العام أن السيطرة على مقاعد تنظيمات المهنيين لا تتم بالدبابات والبنادق والمدافع بل بنيل ثقة وأصوات المهنيين”. و لكننا نحتاج حتماً لتوضيح أن ضباط المؤسسة العسكرية يمتنع عليهم الخوض في شئون من يقود النقابات المهنية كما يمتنع عليهم إبداء مثل هذا الموقف السياسي المضاد لجهة بعينها والمطابق لجهة أخرى سياسية يعرفونها ونعرفها. لأنهم إذا فعلوا ذلك أصبحوا سياسيين و عرضة للنقد والهجوم و يمتنع عليهم الاحتماء بالبزة أو الرتبة او الوظيفة العسكرية لادعاء الحياد.
– و ثالثة الأثافي هي أن من يعلنون الحرب على قوى الثورة عامةً بصفاتهم الدستورية من عسكر اللجنة الأمنية من فوق منبر، ومنهم رئيس مجلس السيادة الانقلابي ونائبُه، ويخصون بعضها بأنها تثير الفتنة و لا ترغب في الاستقرار و الأمن وتهدد المرحلة الانتقالية … إلخ انما يستغلون وظائفهم الدستورية و تحويلها الي منبر تستخدم لتصفية الخصومات السياسي، ومع ذلك يتوهم حصانة لرأيه وموقفه. ويبدو أن عسكر اللجنة الأمنية بفعلهم هذا يحاولون تحقيق المستحيل وهو :أن “تحاحي الطير وتشرك له” في نفس الوقت كما يقول المثل العامي.
ميز هجوم الفريق العطا على وضوح هدفه فهو لم يكن هجوماً على خصم مجهول. و رغم عدم ذكره تصريحاً فقد ألمح إليه تلميحا أغناه عن التصريح.” و كأني به وقد قال: ” أنا لن أذكر اسم الحزب الذي أهاجمه ولكنه له مقر بالخرطوم اثنين و “الحرف الأول” من اسم سكرتيره السياسي هو محمد مختار الخطيب!!. و هكذا على طريقة ” بضبحوه في العيد وبقول باع!!!!”.
وإذ يحاول عسكر الجنة الأمنية عبثاً إخفاء انحيازهم الواضح للفول و إبداء تعاطفهم الكاذب والمخادع للثوار فإنهم يخلطون الحابل بالنابل وهم يخوضون فيما لا ينبغي لهم الخوض فيه فيبدو الواحد منهم و كأنه “يغطي وجهه و سوأته مكشوفة”!!!.: والعبارة هي ترجمة لمثل نوبي نصه الحرفي هو:” أوسور ويرجافين كونجنقا تيقى” و معناه المجازي أو مفاده فهو تساؤل استنكاري مقصود به السخرية بمن يغطي وجهه وسوأته مكشوفة صيغته هي: “ما جدوى تغطية وجهك إذا كنت سوأتك مكشوفة وفي السهلة”؟؟!!!. و ذلك بقرينة أن السوأة هي الأولى بالستر لا الوجه!!. ونوجه هذا التساؤل بدورنا لعسكر اللجنة الأمنية؟؟!!!
إذن فقولنا بأن عسكر اللجنة الأمنية “بالتضامن والانفراد” موالون لفلول والنظام المخلوع ليس افتئاتاً أو تجنياً على أحد أو رمياً للقول على عواهنه، ودليلنا على ذلك هو رصدنا بعاليه كل أقوال وأفعال عسكر اللجنة الأمنية المعادية تماماً لشعارات ومبادئ الثورة والبرنامج السياسي لقوى الحرية والتغيير و المطابقة تماما للخط الدعائي للفلول و حلفائهم بل أن قول: ” الفريق العطا” بسيطرة فصيل معين على تجمع المهنيين و قوى الحرية والتغيير هو لواك وتكرار لذات الخط الدعائي للاسلامويين و حلفائهم منذ حكومة جبهة الهيئات أكتوبر 1964م وحتى اليوم”.
ولأن منهجهما الفكري و السياسي مشترك فإن عسكر اللجنة الأمنية وفلول النظام يسمون الأشياء بغير أسمائها. ومن ذلك اصرار الفريق البرهان اليوم على أن ما فعله في 25 اكتوبر 2021م ليس انقلاباً بل هو تصحيح للمرحلة الانتقالية. و من عجب أن يدعي قائد الانقلاب انه تصحيح أو إصلاح شيء قام في الأساس ضده و كان هو خصمه الرئيس في الميدان!! و يعرف راعي الضأن في الخلاء أن اللجنة الأمنية لا علاقة لها بالثورة، ليس هذا فحسب بل هي عدوها الرئيس كما أوضحنا آنفاً. و على أي حال فلئن أنكر عسكر اللجنة الأمنية كون ما قاموا به انقلاب و زعموا أنه تصحيح مسار فإنهم لم يأتوا بجديد بل أعادوا انتاج مسرحية: “أذهب أنت حبيساً وأذهب أنا رئيساً”. إذن فليعلموا ألا أحد يصدقهم كما لم يصدق أحد سابقيهم من أولياء نعمتهم الذين توهموا أنهم خدعوا الشعب وغشوه.

aminmibrahim46@gmail.com
//////////////////////


أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!

1 شارك