أَعودُ إلى منزلي دائمًا وأنا في كامل وَعْيي، إلا حين يصبح القمرُ مَحاقًا. وذلك لأسبابٍ يعرفها الجميع. وقتها، وفي ذلك المساء، يصبحُ الطريقُ المُوحِشُ إلى منزلي لامعًا نظيفًا، خاليًا تمامًا من الحفر المُؤذية، تتراقصُ فيه الأضواءُ والأرانبُ الفضية حتى نهايته، حيث تحملني الطيورُ الخضراءُ إلى سَريري، وأنامُ على تَغريدِ زوجتي العَذْب. ولا يكونُ لديَّ ما يَشغَلُ بالي غيرَ أنْ أُخمِّنَ في أيِّ اتجاهٍ يَقَعُ بابُ الغرفةِ. وغالبًا ما أُصابُ بثلاثِ كدماتٍ قبل أن أنجحَ في الوصولِ إلى دورةِ المياه.
أما عودتي العادية فتختلف كثيرًا عن هذه، وغالبًا ما تبتدئ بنباحِ كلبٍ ضخمٍ أضطرُ معه إلى الركضِ لمسافةٍ لا بأسَ بها، بل وأكثر من تمرينٍ خشنٍ لرجلٍ في مثلِ سِنّي. وما أنْ أستجمعَ أنفاسي وأُصلحَ من هندامي قليلًا، حتى أسمعَ صوتَ عمِّ محمود الحلبي صاحبِ البقالة وهو يناديني ليُخبرني بأنَّ ديوني لديه قد تضخَّمت كثيرًا، ثم يَهجُمُ عليَّ ويأخذُ بتلابيبي لِأُقسِمَ له وأنا في طبقاتِ الجوِّ العُليا بأني سوف أُسدِّدُ له كلَّ ديونه بنهايةِ هذا الشهر. ثم أواصلُ طريقي متحاشيًا مناطقَ نَكَدٍ أُخرى، حتى أصلَ إلى عتبةِ الدارِ، وأفتحَ البابَ في هدوءٍ تامٍّ، وأتسللَ كَلِصٍّ شديدِ الحَذَر. وما إنْ أضَعَ قدمي داخلَ الغرفةِ حتى تَهُبَّ الزوجةُ من سَريرها وتُضيءُ المكانَ (إن كانت هناك كهرباء)، ثم تشرعُ في عزفِ سيمفونيةٍ طويلةٍ من الألمِ عن المصاريفِ التي لا تَكْفي بحاجةِ أيامٍ، ناهيكَ عن شهرٍ بأكمله، وعن أحذيةِ الأطفالِ التي تَمَزَّقَتْ في أقدامِهم، وكذَلك ملابسِهم التي ما عادت تَصْلُحُ هي الأخرى للاستخدام، وعن الطعامِ، وعن.. وعن… حتى تَرتخي أُذُنايَ من الطنينِ المُتواصِل، فأتَّدثرُ بغطائي وأُغمِضُ عينَيَّ.لأجدَني هذه المرةَ أُقاتلُ أشباحَ الملاريا والبلهارسيا و حمى الضنك وعوائلَ أُخرى لا اعرف لها اسماء، ولا سلاحَ بين يديَّ. فالجميعُ يعرفُ أنَّ الحربَ الراهنةَ التهمتِ الدواءَ قبل الطعام، وأنَّ المستشفياتَ صارت مقابرَ جماعيةٍ لمن يجرؤ على الاقتراب. حتى الحربُ نفسها صارت سِمةً إضافيةً في جبينِ هذه الامة البائسة، حتى أضافت إلينا عبءَ حياةٍ كاملةٍ تحتَ نيرِ الخوفِ والغارات. وليس في جعبتي سوى كلمةِ “حسبى الله ونعم الوكيل” التي أتلوها في سري كلما سمعتُ صفيرَ صاروخٍ قادمٍ من حيث لا ندري.
يُهدِّئُني التعبُ والجَزَعُ على أطفالي فألتفِتُ إلى الناحيةِ الأُخرى، لأرى الشيخَ حسنَ وهو يبتسمُ ويُوصينا بعدمِ الإسرافِ في الماء! وأَظَلُّ أتقلبُ على سَريري الحَجَرِيّ، وترتفعُ نبضاتُ قلبي هَلَعًا من هذه العمائرِ الضخمةِ التي تنبتُ كالأشباحِ في قلبِ ضاحيتنا، ويتصببُ مني العرقُ غزيرًا حتى ونحن في عزِّ الشتاء وتدوى فى اذنى مكبرات المساجد واهازيج الصوفية جنبا الى جنب مع شعارات اليسار وغناء الوحدة العربية.
هذه هي الدوامةُ التي عشتُ فيها رَدحًا طويلًا من الزمان، أكثرَ من ثلاثين عاما، لا جديدَ فيها غيرُ المزيدِ من اليأسِ والإحباط. والحربُ أضافت إليها نكهةَ الموتِ المُباشر، وجعلتْ من التفاهاتِ اليوميةِ رفاهيةً لا نستحقها. لذلك كان لابدَّ من التغيير. ولكي يكونَ الخطابُ أكثرَ ثوريةً، كان لابدَّ من انقلابٍ على كلِّ شيء.
ذلك الصباح الذي اعتبرتُه “ساعةَ الصفر”، حَلَّقْتُ ذَقني التي أَهملْتُها طويلًا، وخفَّفْتُ من تَغَوُّلِ شاربي الضخمِ على فمي، وأسرعتُ نحوَ عملي في نشاطٍ غيرِ عاديّ. لم يُصَدِّقْ مديري أن يراني في هذه الهيئةِ وفي الصباحِ الباكر. ابتسمَ لي ابتسامةً عريضةً وأنا أدخلُ مكتبَه. لم يكن يَعلمُ بأني قد شرعتُ في تنفيذِ انقلابي. قال لي: “خيرٌ؟” فأخرجتُ الورقةَ من جيبي وأعطيتُها له. لم يُصَدِّقْ عينيه، وصاحَ في وجهي وهو يتخلَّلُ لِحيتَه الحريريةَ بأصابعه في عصبيةٍ:
- “تستقيلُ من عملك؟! والزوجةُ والأولادُ؟ وأنت لا تعرفُ شيئًا في الدنيا غيرَ عملك هنا ولا تملكُ شيئًا! ماذا تريدُ أن تفعلَ أيها المجنون؟!”
قلتُ له بتصميمٍ: “أريدُ أن أعملَ انقلابًا.”
اضطربَ قليلًا وقال لي: “اخفض صوتك.” فاستدركتُ مضيفًا: “في حياتي.”
فارتدَّ إلى كرسيِّه الوثيرِ في راحة، ووقَّعَ على الورقةِ في غيرِ اكتراث، وقال لي: “جزاكَ اللهُ خيرًا.”
سِرتُ بينَ تلك الدهاليزِ التي أَفنيتُ فيها عُمرًا، ثم خرجتُ أركضُ في الشوارعِ كالمجنون، أتأمَّلُ الناسَ: النهرَ العليلَ الذي لم يَعُد يَصلُح للشربِ من كثرةِ ما أُلقي فيه من موتى الحربِ عِرايا، والعرقَ الذي يَمتزجُ بالغبارِ فوقَ جباهِ البائعين، والمواصلاتِ المكدَّسةَ كأكفانٍ على عجلات، والفِللَ الراقيةَ التي لا يسكنها احد، وبيوتَ الطينِ التي تهاوتْ على من فيها بفعلِ القصفِ لا بفعلِ الزمن، والعرباتِ الفارهةَ التي تسابقُ سياراتِ الإسعافِ على أبوابِ المستشفيات المغلقة، ثم البحثَ عن لُقمةِ خبزٍ بين أكوامِ القمامةِ التي لم يَعُد يجمعها أحدٌ منذ اندلعت الحرب، والمرضَ الذي ينشرُ جناحيه فوق كلِّ مكانٍ فلا تجد دواءً ولا طبيبًا،… كلُّ هذا رأيتُه وأنا أركضُ، حتى وصلتُ إلى ذلك البيتِ الطينيِّ الذي لم تَسقطْ عليه قنبلةٌ بعدُ: بيتِ أُمِّ المِزاج، بائعةِ الشرابِ البلدي.طرقتُ البابَ، لم تُصَدِّقْ أن تراني في الصباح. دخلْتُ على عجَلٍ، وهمستُ في أذنِها بصوتٍ خافتٍ: “يا أُمَّ المِزاج، قلتِ لي من قبلُ: ضِلَّك ولا ضِلِّ…” وقد وافقتُ على ذلك.
لم تنتظرني لأكملَ حديثي، أطلقتْ زغرودةً مُدَوِّية، وكان ذلك إيذانًا لي بتلاوةِ بياني الأول: “بيان رقم واحد”. ثم تلَتْه الموسيقى العسكرية. واصطفتْ عشراتُ الأرانبِ الفضيةِ والجيادِ البيضاءِ والطيورِ الخضراءِ، كلُّها كانت تَهتفُ لي وتُحَيِّيني في حماسٍ منقطعِ النظير، إلا أنَّ بعضَ الفصائلِ الأخرى (كالتُيوسِ) كانت تنظرُ إليَّ في قَلَقٍ وحَذَر ولكن هكذا تكتمل الدائرة غالبا ليجد انقلابى مكانا له فى التاريخ.اواصل الرقص على انغام الياس والضياع لم يعد الامر مجرد فساد بل اصبح مسالة بقاء أفكرُ في أنني لن أجدَ نفسي مضطرًا للتفكيرِ مرةً أخرى لِأُخَمِّنَ في أيِّ اتجاهٍ يقعُ بابُ الغرفة. فمنزلُ أُمِّ المِزاج به عشراتُ الغُرَفِ كجُحْرِ الفأر، بحيث يستحيلُ على أحدٍ من أصدقائي أو أعدائي الذين لم اعد اميز بينهم أن يجدَني. وأنتم أيضًا، ماذا تنتظرون مني؟ لقد نَفَّذْتُ انقلابي، وسأبيعُ الوَهْمَ تمامًا كما يفعلُ غيري… حتى ونحن على اعتاب التلاشى ثم أشرتُ إلى الطيورِ الخضراءِ فى حدة أن تَحمِلَني هذه المرةَ إلى قلبِ عالَمي الجديد.
د. عوض النقر بابكر محمد
السعودية- الرياض 966537626864
12.5.2026
awadelnager@gmail.com
