بحبك يا ستمونى .. بقلم: محمود دفع الله الشيــــــــخ / المحامى


قبل ثلاثين عاماً  و يزيد ، عرضت السينما المصرية فيلم  ( الكيف ) للممثلين الكبيرين / محمود عبدالعزيز ويحيى الفخرانى ، بجانب المخضرم / جميل راتب، ولازال هذا الفيلم يعرض حتى الآن فى القنوات الفضائية .

ناقش هذا الفيلم ظاهرتين خطيرتين، ضربتا المجتمع المصرى ، وهما : ( تفشى إدمان المخدرات، و انتشار  الغناء الهابط ). وربط المؤلف والمخرج بين الإثنين، بأن جعلا من مقترفهما شخص واحد، وهو النجم محمود ( جمال مززنجى)، الذى جعل من نفسه مغنياً ، رغم افتقاره للموهبة، وفشله فى الدراسة ، الشئ الذى جعله يرسم لنفسه نهجا جديداً بما يتناسب مع إمكانياته المتواضعة ،وتخيلاته لمكانته التى توهمها بفعل الحشيش، وأصدقائه متعاطى الصنف، وذلك بالبحث عن  شخص يقوم بسمكرة كلمات له بغرض التغنى بها، فكان أن جادت له الظروف ب( ستمونى) ، والذى ما أن يشنف له أذنيه بعبارات دكاكينية ، حتى يصرخ محمود ( مززنجى) قائلاً :- ( بحبك يا ستمونى. . مهما الناس لامونى ) !

 الجدير بالذكر، أن أهم الأعمال التى قدمها ستمونى لمحمود كانت أغنية بعنوان ( آه يا قفا )، وقد برر الإثنان كلمات تلك الأغنية بقولهما أن (القفا ) مظلوم، و أنه لا يلقى الإهتمام الشعرى الذى تلقاه العيون والخدود والشفاه، على الرغم من أن (القفا) شايل ومتحمل بلاوي !

يشاء السميع العليم، والذى لا راد لقضائه، أن ينتقل (مززنجى وستمونى)، ويشدا الرحال إلى جنوب الوادى فى الألفية الجديدة، و فى رحلة عكس مجرى وسريان النيل، فينصبان خيمتهما، ويفتتحانها مدرسة، لينتجا لنا ، ويفرخان، عشرات( المززنجية والستمونية ) ،فكان أن أصابنا تلوث سمعى، وبصرى، وارتفعت القيمة السوقية للبنقو و الحشيش، وهبط مستوى الذائقة الفنية، وغاب الجمهور المثقف عن معظم الحفلات الغنائية العامة، وحل محلهم جمهور آخر، من المغمى عليهم و ( الغمرانات ) ، المقبلات للمغنيين، والممذقين لهندامهم، المتعاركين والمتعاركات، الحاضنين والحاضنات ،للمغنيين والمغنيات. ثمّ عكر صفو سمائنا دخان وغبار فارهات الجياد ، التى يمتطيها المززنجيون الجدد، أصحاب العقول الخاوية، والأصوات الصدئة.

تلك ظاهرة لاتنفصم عراها عن أجهزة الدولة ومسيرها، فإذا ما ضرب الفساد والانحلال و الانحطاط تلك الأجهزة، بل الحكومة ومنهاجها ، فى تسيير أمور البلاد والعباد،  فبلا شك ، أن ذلك الاضمحلال لملق بآثاره على كل ضروب الفنون و أوعية الثقافة ومواعينها.  وقد جاء فيلم (الكيف ) فى مرحلة معينة، لتوضيح الآثار السلبية على المجتمع  للإنفتاح الإقتصادى غير المدروس الذى ابتدعه السادات.

كان هذا قبل عقود ، بينما نحنُ فى السودان نعيش فى ايامنا هذه عهد ما بعد الإنفتاح، وهو عهد (الانشتاح) !  حتى أشرقت علينا شمس، غنينا فى دولتنا الإسلامية  للحرامى والبنادق ، ثم للرجل المحصن، بوصفه أكثر حلاوة، وعليه طلب و إقبال!  فى حين كنا نغني للحدائق و (طيبة الأخلاق) ! وانا لست بمستعجب ولا مستغرب ، إنما الفنون لمرآة ، تنعكس فيها مكتسبات المجتمع ،و حصاد حاكميه .

تغيرت النفوس  والطبائع والأمزجة بتغير الأخلاق. وكان بالضرورة بمكان أن تتغير الفنون، لتتماشى مع مزاج وطباع وأخلاقيات (الأمويين) الجدد، بل و بصناعتهم لها ورعايتهم إياها . بئسها من نفوس تلك التى تقبل الغث دون السمين من الفنون، إنما هى نفوس تراهن على الجهل وانحطاط الذوق العام كضمان لاستمرار وجودها،  تماماً كما الديدان، لا تعيش ولا تبقى إلا على الجثث والجيف !

ولكن. .. حتماً ولابد، أن نغني مرة أخرى لفيحاء الخميلة، وللقطار، وللمعلم، وللذهور الصاحية، ولعيون المها، ولشاطئ النيل وجروفه، ولليل، بنجومه وقمره وكواكبه. وليمتطى من يغنى لنا أغانياتنا حينذاك (همرا وكاديلاك) ، فهم لها لمن المستحقين  .

إذ لا (مززنجى) يومها ولا (ستمونى) !

                                   محمود، ، ، ،
mahmoudelsheikh@yahoo.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً