نزار عثمان السمندل
يقف جبريل إبراهيم عند حافة الدور الذي أدّاه حتى نهايته، يحدّق في فراغٍ صنعه بنفسه، ثم يسأل عن يدٍ دفعته إلى السقوط، متناسياً أنّ اليد كانت يده.
رجلٌ صعد على أكتاف ثورة، طعنها وانزاح عنها إلى تحالفات مغايرة، يجد نفسه يبكي وحيداً اليوم أمام نتائج خياراته. البكاء على اللبن المسكوب لا يغيّر طعمه، ولا يعيد الكأس إلى امتلائه.
هرول إلى فضاء التحالف مع البرهان والكيزان، حيث تُدار السلطة كصفقة مؤجلة الدفع، ويُستدعى الفاعلون بقدر الحاجة إليهم، ثم يُعاد تعريف مواقعهم حين تتبدّل الوظيفة.
سقوطه ليس مفاجئاً، فقد جرى إنزاله عن المسرح تدريجياً، بعد أن استُهلك حضوره في لحظةٍ احتاجت اسمه وسلاحه وخطابه.
البداية كانت في زمن الارتباك الكبير، حين احتاج البرهان إلى غطاء سياسي وعسكري يوسّع به جبهة المواجهة. حينها تقدّم جبريل، محمولاً بطموح ظاهر، ومسنوداً بثقل حركةٍ تعرف كيف تتقدم في اللحظات الحرجة.
لكن ذلك المسار لم يكن معزولاً عن حسابات أوسع. الرجل الذي صعد مع موجة الثورة، ابتعد عنها حين بدت له السلطة أقرب عبر مسارات أخرى. اختار موقعه بوضوح، وانخرط في إعادة إنتاج منظومة كانت تبحث عن واجهات جديدة. ظنّ أنّ الشراكة تمنحه موقعاً ثابتاً على رأس «وزارة الجبايات»، وأنّ المرحلة ستطول بما يكفي لترسيخ نفوذ لا يُنتزع بسهولة.
غير أنّ المراحل في السياسة لا تُقاس بالرغبات. فالحاجة التي استدعته في بداية الحرب بدأت تتبدّد مع تغيّر الموازين. المعركة التي احتاجت أصوات الحلفاء وسلاحهم، دخلت طوراً مختلفاً، عنوانه إعادة التموضع وتخفيف كلفة الشركاء.
في هذا السياق، خرجت ملفات الفساد إلى الواجهة في توقيت يعرف ماذا يريد. المؤسسة السودانية للأسواق الحرة تحوّلت إلى ساحة اختبار، وإقالة وكيل الوزارة بدت كأنها فتح لملف أكبر من شخص.
الرسالة لم تكن موجهة إلى موظف بقدر ما كانت إلى الوزير نفسه. جبريل التقط الإشارة، فاختار المواجهة، تمسّك برجاله، ورفع صوته. غير أنّ الصوت حين يعلو بعد فوات اللحظة، يتحوّل إلى صدى أكثر منه موقفاً.
الضربة الأكثر إيلاماً جاءته من داخل الهيكل. سحب أدوات التخطيط الاقتصادي من الوزارة أعاد تعريفها من مركز ثقل إلى جهاز تنفيذي محدود. القرار حمل معنى واضحاً، مفاده أن النفوذ الذي بُني خلال سنوات يمكن تفكيكه، عندما تتغيّر إرادة من منحوه الغطاء.
في الخلفية، عوامل أخرى تضيّق الدائرة. العقوبات الخارجية جعلت اسم جبريل عبئاً في حسابات سلطة تبحث عن تخفيف ضغطها الدولي. الحليف الذي كان ضرورياً في لحظة المواجهة، يصبح مكلفاً حين تبدأ حسابات الشرعية والاعتراف.
حديثه، أخيراً، عن مكتسبات اتفاق جوبا بدا كأنه محاولة للتمسك بأرضٍ سُحبت من تحت قدميه. الاتفاق نفسه، في سياق التحولات الجارية، لم يعد مرجعية. ما كان يوماً سنداً، تحوّل إلى ذكرى سياسية لا تكفي لحماية موقع. وفي هذا الإيقاع، وجد جبريل نفسه داخل عملية لم يعد طرفاً في صياغتها، بل جزءاً من نتائجها.
النبرة الغاضبة التي خرج بها، تعبّر عن إدراك متأخر لطبيعة المسار؛ أن الشراكة لم تكن سوى مرحلة، وما اعتُبر مكسباً دائماً كان في حقيقته مؤقتاً. غير أنّ هذا الإدراك يأتي بعد أن تغيّرت شروط اللعبة، وتقلّصت مساحة الفعل إلى حدود الاعتراض.
النهاية لم تُكتب بعد، لكن ملامحها تلوح.
في السياسة، لا تُقاس الخسارات بوقوعها فقط، بل باللحظة التي يدرك فيها أصحابها أنهم انزلقوا خارج المعادلة، وأخطأوا قراءة الطريق منذ بدايته.
جبريل سار في طريق الباطل حتى أقصاه، وحين التفت خلفه، لم يجد سوى آثار خطاه ممتدة على اتساع شارعٍ بلا شرعية.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم