بين الحيرة والإيمان والتسليم!! .. بقلم: أبوبكر يوسف إبراهيم

بسم الله الرحمن الرحيم

هذا بلاغ للناس

قال تعالى: «هَذَا بَلاغٌ لِلْنَّاس وَلِيُنْذَرُوْا بِه وَلِيَعْلَمُوَا أَنَّمَا هُو إِلَهٌ وَاحِد وَلِيَذَّكَّر أُوْلُو الألْبَابْ» ..الآية

توطـــئة:

*    قرأت توصيفاً أجدني أقف أمامه متأملاً وإليكموه:[ تكاد الصوفية قاطبة تمثل لي نصاً مغلقاً، وكمتصوفٍ تتجه أفكاره ومشاعره إلى مستويات إبداعية  ( ذهنية و روحية) عدة يصعب تمييز التناص فيها عن اللحظة (المغلقة) حيث لا وجود لفضاء خارجي سوى فطرة تؤلمها أولى انبثاقات الضياء. المكان يفضي إلى الزمان والزمان ضياع يستنجد بدوره بجدوى الوجود بالشك فيه] .

*    ما فتئ الصوفي بداخلي يشرع نافذته لأشجار الليل ليلج حفيفها وليشهد حيرة تنقذ هداية قلبه بهذه الحيرة المريبة بانعزال فكري نوعي وأتمنى أن يختتم حياته، شعره ورؤاه وحيداً يتناهبه المرض إلى أن يطبق الموت على أيامه الخضراء الصفراء ، فيعيش الرومانسية المفرطة لاكتشاف الحياة ربما كما قال عني الدكتور وهيب كيروز فجعلني أقف حائراً حتى دبّ الإيمان  إلى أعماقي :[ أديب متفلسف أو فيلسوف جانح اختمر عقله قبل تجربته فنادى كمصلح ببوق أشعار رمزية .. وبمثل هذا الألم العميق الذي يعتريه في البحث عن إجابات لكثير من تساؤلاته كانت حياته/ تجربته الروحية ومنفاه الثقافي. إن من الصعوبة بمكان إدراج نفسه تحت مدرسة إيمانية بعينها، ولكن ربما الصحيح تراوحه الجم بين التصوف والوجدان والوجدان بين حيرةٍ أدت إلى إيمان عميق ، وذلك لكونه بندول ذبذبات شفيف ما فتئ يحركه الشك والقلق حيثما انفتح فضاء ثالث].. إنتهى قول الدكتور وهيب كيروز الذي مضى عليه ستة عشر عاماً!!

المتـــن:

*    أجدني في حيرة مثل تلك الحيرة التي إنتابتني قبل ستة عشر عاماً متنقلاً بين الحيرة والإيمان زبعد أن مررت بظروف مرضية معينة، مما استدعت مني وقفة لتأمل مراحل حياتية ، كان أولها ما شاطرت فيه الدكتور مصطفى محمود ـ رحمه الله ـ في رحلته بين الإلحاد والإيمان ، مع الفارق فإن رحلتي كانت رحلة الإنتقال من الحيرة إلى الإيمان ، إذ كنت أرجع خلق كل المخلوقات إلى ” فنان عظيم” ، لأن كل مخلوق هو لوحة فنية راقية ومكتملة ، يومها كتبت نصاً نقلني من حيرتي إلى إيمان عميق بوجدان صوفي وأنا الذي تتحدر جذور نبتتي من الدوحة السمانية ، قديماً قيل إن الوصف يتطلب البلاغة والانتقال، وهما ما مهر الوجدان الصوفي ههنا من خلال عكسه في النص الذي أجده تعبيراً عن نقلي من الحيرة إلى الإيمان ،  بين التعابير متنقلاً بين عناصر لوحة الطبيعة فتتعرى شيئاً فشيئاً، فيما يظل الإنفعال رهيناً بالقارئ لا الصوفي الشاعر. أما ما يخص موضوع الحب فهو مداخلة دون شك بين ما هو عذري وعادي، وأن العذري يظل نسبياً فكثيراً ما فند كحب جنسي مكبوت ظاهرياً بينما المقصود هو الحب الإلهي السامي في  الصلاة على المصطفى الحبيب .

*     نعم إلى ذلك مهد لي هذا الحب من حرمان وجوع روحي للترقي إلى مسالك ومعارج الترقي، كما أن تشبيهي وتغنيّ بالجمال النبوي عموماً دون تمييز بين الحسناء والغانية وذات القصد وغيره يدل على بحثي عن المرأة كأم كضرب من الجمال ربط الله بين رحمها ورحمته ، وذلك يدل على التقيد والوقوع في حبائل فاتنة. عليه يصعب البت في مدى انشغالي في رحلة البحث هذه ، رغم ظهورها عياناً في النص الذي سيأتي ، وذلك لأنني كنت دائم  وكثير الخوض في مواضيع لم أعشها على نفس المعدم الزاهدا المتأمل !!.  إن فك طلاسم الحيرة التي اعتمدت من أجل الولوج إلى حياتي المضنية. ستظل نسبياً في نتائج تسبح في السديم،  إذ أن الشعر وجدان وخيال،  أو إن شئت فهو واقع مموه. مما قد يكشف عن مرحلية التصوف هذه، التي تبدو أغلب الظن وليدة الاطلاع لا المعاناة الحقيقية. هل يؤدي الحرمان والفقر إلى إنكار الوجود والشك المطلق؟ هل تنسحب الحيرة على النفس المعنى زهداً وتأملاً؟ إن فك طلاسم  تلك الحيرة من أجل الولوج إلى الإيمان العميق. سيظل نسبياً في الوجدان والخيال،

الحاشــية:

*    الصوفي  يٌحار بين الشك والحيرة والإيمان!!

§     من خلال الفن كان إيمان الصديق

إذ هداه الفن بعد أن ضلّ الطريق

ان للفن رفيقاً ـ دائماً ـ  نِعْمَ الرفيق

لا يرى في الكون إلا فنه العذب الرقيق

إن توارى الفن في محرابه البالي العتيق

تلسع الفنان نيران العذاب ـ فيفيق

وتهيم الروح فوق واديها العميق

وتجوب الأفق تبحث عن علامات الرفيق!!

§     لم يكن للشاب غير الفن دينٌ في علاه

ليس في الكون إله

أين الإله؟! .. ـ لا أراه!!

قالوا هو الخلاّق لا أحدٌ سواه

الناس والأكوان تسعى دائماً وفق هواه

وإرادة  الخَلاّق نبراس الفلاة

الخير غاية مبتغاه

والفن نورٌ من سناه

لكن نفسي لا ترى هذا الإله!!

الفن ديني ـ لا أرى شيئاً عداه

كل ما في الكون من صنع الحياة

شيء في الطبيعة نابعٌ من أرضه أو من سماه

§     الفن في إشراقة الشمس المليئة بالضياء

والفن في همس النسيم مع المياه وفي الفضاء

والفن يسبح في جناح الطير هناك في العلياء

والفن في أنشودةٍ تشدو بها عذراء

والفن في الأنغام والألحان والأصداء

والفن في وديان حبٍ كل ما فيه وفاء

الفن روحٌ تملأ الكون جمالاً وصفاء!!

الهامش:

*    صرخة الإيمان والتسليم

هو الله الذي في الكون يعلو ولا يعلو سواه

§     لكنه يوماً أفاق

ورأى وجود الكون في نسق يساق

ساعة تصفو له النفس فيأتي المعجزات

وأواناً تحق الأنفاس نار العبرات

كيف تأتي هذه الحالات؟!

فتمس القلب أضواء الوجود

أو تضم الروح أغلال القيود

يذهب الوحي أحياناً ويعود

عابراً كل الحدود

هائماً فوق السدود

لا بد أن هناك عملاقاً يسود

لا بد أن مدبراً يلقي الوعود

لا بد أن هناك معنىً، لا بشر

في طوايا الكون يحيا مستتر

ويُسيِّر الأقمار والأفلاك

ويوجه الإنسان والأملاك

ويبث في النفس الخيال

ويبث في العقل الكمال

إنه روحٌ تُحَس ولا تراه

وهو الذي في الكون يعلو لا سواه!!

§     أنّات حزنٍ جامدة

ولهيب نارٍ صامدة

يكوي الفتى فيعانده

وتهده الأوهام .. دون مساندة

إني أحس الله خلاّق الوجود

هل من دليلٍ يقنع العقل العنيد؟!

إن خان قلبي عدت للوهم الشديد!!

أو خاب ظني عدتُ للكفر العتيد!!

إني أحــار!!

في كل ما يسمو على الأسماع والأبصار

في كل ما يعصى على الألباب والأفكار

وأحار فيها موحيات الابتكار

العقل لن يرقى ليجتاز الستار

لا شيء في الأكوان مطلق

إلا الإله

لا شيء في الأكوان يخلق .. إلا علاه

الله في إشراقة الشمس المليئة بالضياء

الله في همس النسيم مع المياه.. وفي الفضاء

والله روحٌ تملأ الكون جمالاً وصفاء!!

قصاصة

*    قيل لمعروف الكرخي أخبرنا عن المحبة أى شئ هي قال : يا أخي ليست المحبة من تعليم الناس المحبة من تعليم الحبيب وبهذا الارتباط المشتعل بالوجد والحب وملهمات الأنس والقرب أصبح الصوفي أينما تولى فثم وجه الله لايرى سواه وكل شئ في الوجود مرآه يرى فيها الصوفي وجه الله وآياته وقدرته ورحمته.  يقول ذو النون في مناجاته: [إلهي ما أصغيت الى صوت حيوان ولا إلى حفيف شجر ولا خرير ماء و لا ترنم طائر ولا تنغم طل ولا دوى ريح ولا قعقعة رعد إلا وجدتها شاهدة بوحدانيتك دالة على أنه ليس كمثله شئ ] .. ومن هنا لم تتحدث طائفه من الناس عن الحب الإلهي وعن الفناء في الله كما تحدث الصوفيه ، والفناء الصوفي فوق سموه الإيماني مذهب في التربية والأخلاق لا يماثله مذهب آخر من مذاهب التربية والأخلاق ، وعلى هدى المذاهب العلمية التربوية يجب أن ننظر إلى الفناء الصوفي على أنه منهج للكمال والتسامي لا يطاوله غيره ولا يغني عنه سواه ،إنه إفناء المشاعر والرغبات الأرضية في شئ أكبر وأعظم من المثل الأعلى المصطلح عله خلقيا وتربويا ،إنه إفناء هوى النفوس وشهواتها وعواطفها وكل ما تحب فيما يحبه الله ويريده ويأمر به ليعيش الصوفي متخلقا بخلق الله أو كما يقول الإمام الجنيد فتكون كل حركاته في موافقه الحق دون مخالفاته فيكون فانيا عن المخالفات باقيا في الموافقات!!

*    عوافي
(zorayyab@gmail.com

عن د. ابوبكر يوسف

شاهد أيضاً

اين أنتم ايها المتخمون من معاناة المتضررين؟!! .. بقلم: د.أبوبكر يوسف ابراهيم

  بتجرد أين انتم فلم نسمع لكم صوت ولا حركة؟! اين دور الرأسمالية الوطنية.. اين …

اترك تعليقاً