🖊بقلم/ محمد عبدالرحيم أبوه
ليس الغدر ومضة ضعف عابرة، ولا الخيانة نزوة هوى طارئة، وإنما هما تصدع في صميم البناء الأخلاقي للإنسان، وانحلال في جوهر المروءة، وإفلاس يكشف خواء الضمير وفساد السريرة. فالمبادئ ليست شعارات ترفع في أوقات الرخاء، ثم توارى عند اشتداد الخطوب ونزول المحن، وليست أثوابًا تفصل على مقاس المصالح المتبدلة، بل هي الثوابت التي ترد إليها المواقف حين تضطرب الموازين، والمعايير التي تختبر بها النفوس حين تتنازعها الأهواء وتحيط بها المغريات. ومن جعل أخلاقه رهينة للظروف، تتبدل بتبدل المنافع، فما عرف حقيقة الأخلاق، وإنما ارتدى أقنعة زائفة لا تلبث أن تسقط عند أول امتحان، فالرجال لا تعرف معادنهم في أوقات الرخاء، وإنما تنكشف حقيقتهم حين تضيق المسالك، وتشتد الأزمات، ويعلو صوت الضمير فوق نزوات النفس.
وليس الوفاء مجرد فضيلة تمدح، بل هو ميثاق أخلاقي يكشف عدالة النفس ونبل الضمير، وإقرار بأن للعشرة حرمة لا تنتهك، وللمعروف حقًّا لا يجحد، وللأيادي البيضاء دينًا معنويًّا لا تمحوه السنون ولا تبدله تقلبات الأيام. ومن تمام المروءة وكمال الشهامة أن يصون المرء وده وإن باعدت بينه وبين أحبابه المسافات، وأن يحفظ عهده وإن تبدلت الأحوال، لأن النفوس الكبيرة لا تستمد ميزانها من أفعال الآخرين، بل من يقين راسخ بأن الفضيلة قيمة قائمة بذاتها، لا ترتبط بالمكافأة ولا يزعزعها الجحود، ولا تعبث بها المصالح، ولا تغيرها تقلبات الزمان.
وقد أثبتت لنا تجارب الأمم وسير العظماء أن الحضارات لا تقوم على ما تشيده الأيدي من عمران وحجارة فحسب، وإنما تنهض قبل ذلك على منظومة راسخة من القيم، يكون فيها الصدق عهدًا لا ينقض، والكلمة ميثاقًا لا يخلف، والوعد أمانة في أعناق الرجال، والصداقة رابطة أخلاقية تسمو فوق حسابات المنفعة. فإذا استبيحت الخيانة، واستمرئ الغدر، وأصبحت الذمم سلعة في أسواق الأطماع، تآكل البناء الأخلاقي للمجتمع من داخله، وانفرط عقد الثقة بين أفراده، حتى يغدو الإنسان غريبًا بين من حوله، يخشى القريب كما يتحسب للبعيد؛ لأن العلاقات التي لا يحرسها الوفاء، ولا يسندها المبدأ، سرعان ما تنهار عند أول اختبار، ولا تخلف وراءها إلا مرارة الخذلان وندوب الذاكرة.
وسيظل الإنسان، مهما علت منزلته، واتسعت ثروته، وتعددت وجوه نفوذه، أسيرًا للأثر الذي يتركه في القلوب، لا لما يكدسه من متاع الدنيا وزخارفها، فالمناصب زائلة، والثروات عابرة، أما السيرة الحسنة فهي الإرث الذي يبقى حين تغيب الأشياء، والذكر الطيب الذي تتناقله الأجيال. وليس هناك شهادة أرفع من أن يقال عن امرئ بعد رحيله: كان أمينًا إذا اؤتمن، وفيًّا إذا عاهد، ثابتًا إذا اضطربت المواقف، لا تستميله المغريات، ولا تكسره الشدائد، ولا تدفعه قسوة الناس إلى التخلي عن شمائل النبل. بل يزداد مع المحن صلابة، ومع القدرة تواضعًا، ومع الإساءة إحسانًا. فهذا هو المجد الحقيقي، مجد لا تصنعه الألقاب، ولا ترفعه كثرة الأتباع، وإنما تصوغه المروءة، ويزكيه الضمير، وتحفظه صفحات التاريخ في سجل الخالدين.
abohmohammed123@gmail.com
