بَذخُ العَرِين والمَجَاعَاتُ فِي الغَابَة- مُقتطف من كِتابي (رِيْحَةُ المُوْج والنَّوَارِسْ)- يَصْدرُ عن دار عزّة للنشر
15 ديسمبر, 2019
المزيد من المقالات, منبر الرأي
73 زيارة
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
بينما كان العرين يزدهي، وتتطاول الأحياءُ المجاورة له في البنيان، وهي التي انتصبت في الجوِّ فجأءة، وقامت بَرُوْسْ، وبينما كانت المُؤسَسَاتُ المَمْلُوكة لمنسُوبيِهِ تغرقُ في التَّرَفِ وتغُوْصُ في تلالٍ من سائبِ الأموالِ، والثرواتِ المنهوبة التي أنعم بها على الدوام وأغدقها عليهِمْ العرين، كانت الغَابةُ وأحيَاؤُها الشعبيَّة العتِيقَة تُفقُرُ و تَجدُبُ، و يغزُوهَا التَّصَحُرُ ويضربها المَحَلُ من كلَّ نَاحِيةٍ وصَوْب.
وطغت أساليبُ السَّمْسَرة وأنشطةُ التطفُّلِ والربح السريع على تقاليد الإنتاج الراسخة وأطاحت بقيم المنتجين، فتوقَّفَت مصانعُ العَاج ومُنتجات القُطن المزروع في حوَّاشات مشروع الدلتا الزراعي وجفَّت معامل الحبوبُ الزيتية واقفلت ابوابَها مصَانِعُ الأسمنت.
وجاءت وزاراتُ بمصطلحاتٍ جَهُولةٍ، ما أنزل اللهُ بها من سُلطان، فَاهَ بها مسئولو الغَفَلة والغشامة، فقال أحدهم في الإعلام الرسمي:
– (رَبْ، رَبْ… رَبْ!).
عندما أراد أن يصفُ وتائرَ الطباعةِ العشوائية لأوراقِ النَّقد، بلا حسابٍ ودون اتابعٍ لأسسٍ أرستها العلومُ تجاربُ الأنسان وحضاراته حول العالم، وعبر التاريخ.
وبكلمة، فقد خرُسَت الآلاتُ، و اتَّخَذَت قِطعَانُ البُوْمُ و الغربان ملاذاتٍ آمنةٍ فِي أطلالِها ومَبانِيهَا المهجورة.
وشحَّت الطاقةُ، وأُهدِرَت المَوَاردُ المائية، وبِيْعَت (كلَّ الحِتَّات) زراعيّة وصناعية وأراضي سكنية، ودُلِّلَت بعضٌ من حناطيرِ العرين، ووسائلِ النَّقلِ التاريخيَّة التي امتلكها لعُهُود قطاعُ غابةِ السَّعد العَام، لتُغطي أثمَانُها وعائِدَاتُ بَيْعِها عَجْزَ المُوازنة العامَة وتسدُّ الفروقاتِ الناجِمَةِ عن الصرفِ البَذَخِي وإنفاقِ العرين الذي باتَ لا كمَنْ يَخشَى فَقْراً.
وتصحَّرت أروِقةُ ودُرُوبُ الغابة بعد اخضِرَارٍ ونَدَاوَة، حتَّى صَارت حيواناتُها بجَمِيعِ فَصَائِلها ترزحُ تحتَ خُطُوطِ الفَقرِ، ما عدا التنابلة ممن والُوا العرين وقَبَعُوا تَحْتَ ظِلَالِه، وأمست قابَ قَوْسَينِ أوْ أدْنَي من المَسغبةِ والمَجَاعةِ الشَّامِلَة.
amsidahmed@outlook.com