تأملات وخواطر مشوار العمر مع الصديق الدكتور علي عبد القادر علي

 


 

على محمد الحسن
21 سبتمبر, 2022

 

بسم الله الرحمن الرحيم
سبتمبر2022
على محمد الحسن
الخرطوم بحري 20 سبتمير 2022

طوى الجزيرة حتى جاءني خبر فزعت فيه بآمالي الى الكذب
حتى اذا لم لي يدع لي صدقه أملا شرقت بالدمع حتى كاد يشرق بي

أخي أمين سيد أحمد
لك خالص تقديري وأحر التعازي في الرحيل المفاجئ والمر لصديقنا المشترك دكتور علي عبد القادر، وخالص التعازي لزوجته ورفيقة دربه السيدة هدى عباد الستار ولأبنائه وأحفاده ولشقيقته واشقائه ولزملاء مهنته وتلاميذه ولزملائه واصدقائه في المؤسسات التنموية والتعليمية والبحثية السودانية والافريقية والعربية والعالمية وللمراجعين والقارئين لما تركه ممن إرث متيمز وثمين شمل كتبا وابحاث ومقالات ومحاضرات علمية رصينة تتسيد اروقة الدراسات ومكتبات الجامعات. وفوق هذا وذاك ما تركه من مثال للاستقامة الاخلاقية والمروءة والكرم والتواضع وصفات الأنبياء هذه التي قل ان تجتمع عند بشر.
وإذا بدأت بكسبه الاكاديمي فلعل الامر الذي لا يخلو من التندر انه وبعد حصولي على درجة الماجستير من الولايات المتحدة وعودتي كعضو بهيئة التدريس بجامعة الخرطوم في العام 1967 اوكل الي تدريس مادتي "تاريخ الفكر الاقتصادي" و"ألإقتصاد القياسي" لطلاب السنة الخامسة بالكلية والتي كان صديقي "عليا" أحد طلابها، ولعل مصدر التندر أن أصبح عليا لاحقا أحد المتميزين في المادة الثانية ومستشارا واستاذا لزملائه بمن فيهم شخصي فكان بحق " الحوار الذي سرعان ما غلب شيخه".
وفي أواخر العام 1973 تم ترشيحي بواسطة زميلنا المرحوم الدكتور ابراهيم حسن عبد الجليل لإدارة مجلس الابحاث الإقتصادية والإجتماعية التابع للمجلس القومي للبحوث بالسودان. غني عن القول أن عليا كان يدي اليمنى( واليسرى كذلك) في إدارة وتسيير المجلس وقد تمكنا بمساهمة مقدرة من الاخوة الخبراء بالمجلس من إصدار دورية محكمة تعرض مؤلفات عدد من الباحثين السودانيين في المجالين الاقتصادي والاجتماعي ( عدد منها تم نشره على نطاق واسع) ومثل إضافة مقدرة للنشاط الفكري في مجال العلوم الاجتماعية بالبلاد. كان ذلك إضافة الى تنظيم ندوة علمية اسبوعية تقدم فيها اوراق علمية محكمة في المجالات الاقتصادية والاجتماعية وكان من بين المساهمين فيها ومرتاديها العديد من العلماء والمفكرين من داخل وخارج السودان. ولعل من أهم منجزات هذه الفترة تنظيم وقيادة المجلس لدراسة الآثار الاقتصادية والاجتماعية المترتبة على انشاء مشروع قناة جونقلي بجنوب السودان. وهي دراسة متعددة التخصصات شارك فيها معنا أيضا عدد من الخبراء الاجانب وهي منشورة. وكذلك شارك المجلس وبفريق مشترك ضم العديد من الخبراء الاجانب وبتمويل من منظمة العمل الدولية في دراسة استراتيجية العمالة والتنمية ( منشورة). وقد كان لعلي دورا بارزا وقدحا معلى في كل أعمالنا في تلك الفترة.
في منتصف عام 1975 طلب مني الصديق المرحوم محمد العبيد المبارك، وهو أول مدير لجامعة الجزيرة، الانضمام للجامعة كعميد لكلية الاقتصاد والتنمية الريفية، وبطبيعة الحال فقد كان شرطي الوحيد لقبول هذا العرض موافقة الاخ علي وجامعة الخرطوم على انتدابه لجامعة الجزيرة. وقد مثلت هذه النقلة "الملحمة الكبرى" لكلينا. كما أكدت مرة أخرى على صدقية شهادتي في صديقي علي أنه ما حل بمؤسسة تعليمية أو بحثية اكاديمية أو فكرية إلا وحل معه النجاح الفكري والاكاديمي. قام علي بهمته المعهودة بتشكليل لجنة لوضع المناهج المناسبة لبرامج الكلية شاركه فيها عدد مقدر من الأصدقاء والأكاديميين ورجال الاعمال من داخل وخارج السودان. وتمت اجازتها فعلا في ندوة علمية محضورة وقد كان من نتائج هذا الجهد أن حصلت الكلية على دعم محلي واجنبي غير مسبوق ولا أظن أنه ملحوق، تمثل في عشرات البعثات الدراسية للخارج واستجلاب عدد من الاساتذة والمحاضرين ورفد مكتبة الكلية بالمراجع العلمية واللأدوات التعليمية العديدة. ولعلي اذكر في هذا المجال المساهمات المقدرة من المجلس البريطاني ومؤسسة فورد العالمية والمؤسسة الكندية للتنمية (سيدا) ومؤسسة التنمية النرويجية (نوراد) وجامعة الكويت الصديقة.
وفي منتصف عام 1978 تم قبول الدفعة الاولى من طلاب الجامعة الوليدة وعددهم مائة وستين، اربعين لكل من كليات الطب والعلوم والزراعة والاقتصاد والتنمية الريفية. وفي بداية 1978 وكنا قد اكملنا الانتقال باسرتينا الى مدينة ود مدني واقمنا بمنزلين متجاورين من المنازل التي اعدتها الجامعة لاساتذتها. ودقت الأجراس لبدء الدراسة وهدأ الجميع إلا صديقي علي فهو لم يهدأ، حيث فاجأني ذات صباح بان كليتنا الوليدة تضم عشرات الاساتذة من الاجانب والسودانين بينما أن عدد الطلاب لا يزيد عن الاربعين طالبا بالسنة الدراسية الاولى فأنه يطرح باقتراح لانشاء برنامج ماجستير "اقتصاديات التنمية" يخصص للعاملين في الخدمة المدنية ولعدد من مساعدي التدريس الذين استوعبتهم الجامعة للدراسة بالخارج. وهو برنامج يهدف ، فيما يهدف، الى استغلال المهارات والخبرات الاكاديمية والعلمية للكلية. قام مجلس الاساتذة بالجامعة باجازة البرنامج الذي استوعب عشرة من حديثي التخرج وقد واصل بعضهم دراساته العليا بالخارج كما انضم بعضا منهم لهيئة التدريس بجامعة الجزيرة وجامعات أخرى داخل وخارج السودان.
في بداية عام 1981 وبعد استتباب الامور في جامعة الجزيرة وقبل تخريج الدفعة الاولى من طلاب الماجستير بدأ يسيطر على "علي" شيئ من القلق والاحباط المبرر والذي اصاب العديد من زملائه الاخرين ولعله كان يبحث عن بيئة مغايرة ( أكثر حيوية) لعلها تستوعب امكانياته الفكرية الكامنة والثائرة التي لا تعرف الهدوء. من هنا بدأ موسم "رحلته الى الشرق" والتي شملت العديد من المؤسسات المالية والتنموية والبحثية كمؤسسة ضمان الاستثمار والمعهد العربي للتخطيط بالكويت والمفوضية الاقتصادية لافريقيا التابعة للامم المتحدة والمعهد العربي للابحاث والسياسات بقطر، الى أن استقر أخيرا بعد تقاعده بالقاهرة. غني عن الذكر بان الجميع قد شهد له بمساهماته المقدرة في هذه المؤسسات.
لقد حباني الله بعدد من الاخوة والأخوات الاشقاء كما أكرمني بعدد وافر من اصدقاء الدراسة والعمل تميزت علاقاتي معهم جميعا بقدر وافر من الانسجام والتوافق إلا أنه في كل حال كان يبقى بيني وبين كل فرد من هؤلاء الاحباب "شيئ من حتى". ولكن عندما تتوحد الرؤية بينك وبين شخص أخر حول الامور المادية والمعنوية فهو لا يفاجئك بما يقول أو يفعل ولا يرهقك بالتدقيق والتفكير والاضافة والحذف وكأنما أصبح كل واحد منكما نسخة من الآخر ولعل هذا ما أعنيه عندما أشير الي "علي" بأنه كان أكثر من أخ وأكثر من صديق. أنها وحدة الفكر الحياتي والمهني والرؤى الحياتية، ووحدة الاسم (علي) أو إن شئت فوحدة الانتماء القبلي (جعلي) وان كان يداعبني بقوله عني أني (جعلي بندر).
وعودة الى فكر "علي" الاقتصادي فان أهم مايميزه هو انه كان في الخطوط الامامية للاقتصاديين الذين رفعوا شعار تنمية الاعتماد على الذات ومحاربة الفقر والتوزيع العادل للثروة وتنمية الريف والهامش، دون تطرف. فهو في تقديري لم يفعل ذلك استنادا على شعارات ثورية جوفاء، وانما باسلوب علمي رصين بعيدا كل البعد عن التبعية العمياء والنظريات المعلبة والمستوردة التي سادت وما تزال في ادبيات علم الاقتصاد وتطبيقاته.
لقد شاءت ارادة الله وقصر نظر وخطل السياسة وبعض منتسبيها من الجهلاء أن تحلق الروح الطاهرة والسامقة لصديقي وأخي علي عبد القادر بسماء القاهرة وان يقام سرادق عزائه بها وليس في شندي او الخرطوم. لقد قام البعض من أرجوزات السياسة والظلاميين والمهووسين وانصاف المتعلمين باعتقاله لعدة أيام وهو قادم للوطن عقب مهمة علمية بالخارج وهو في عنفوان عطائه الفكري. وقد ترك هذا الحادث جرحا عميقا في كبريائه واعتداده بنفسه و(جعليته) دفعته دفعا ليغادر وطنا يجمعه بهؤلاء. هنيئا لكل من تسبب أو ساهم في هجرة صديقي "علي" فقد ترك لكم بلادكم حيا وميتا ولتنعم القاهرة ومقابر 6 اكتوبر بجسده الطاهرة وروحه السمحة النقية.
قال رسول الله صل الله عليه وسلم (إن الرجل اذا مات بغير مولده قيس بين مولده الى منقطع أثره في الجنة) بمعنى أن ينفسح له في قبره في مقدار ما بين قبره وبين مولده ويفتح له باب الجنة.
قبل ايام من وفاة صديقي علي كنا نتداول هاتفيا وبمشاركة زوجته هدى حول زيارتي الاولى المرتقبة لهم والتي حددنا لها النصف الأول من اكتوبر القادم وهي زيارة قد حازت على الاولوية عندي رغم الدعوات المتكررة والمفتوحة المقدمة من ابنائي وبناتي الذين تطاول اغترابهم عن الوطن ولكن تلك الدعوات لم تحظ بما لقيته عندي زيارة صديقي علي وذلك لرغبة لم تخمد ولم تضعف لرؤية أعز الاصدقاء والتمتع بلقائه وجده وهزله ومشاكساته وانسانيته واستعراض تجاربنا المشتركة المضحك منها والجاد. إلا ان الاقدار كان لها خطة مغايرة. رحمك الله صديق وأنار قبرك والحقك بالصالحين.
قَد كُنتُ أوثِرُ أَن تَقولَ رِثائي
يا مُنصِفَ المَوتى مِنَ الأَحياءِ
لَكِن سَبَقتَ وَكُلُّ طولِ سَلامَةٍ
قَدَرٌ وَكُلُّ مَنِيَّةٍ بِقَضاءِ
الحَقُّ نادى فَاِستَجَبتَ وَلَم تَزَل
بِالحَقِّ تَحفِلُ عِندَ كُلِّ نِداءِ

hassabo.magzoub@gmail.com

 

آراء