تجربة الفنان السوداني الرائد أحمد شبرين
حروف مدوزنة – وذكريات ملونة
بقلم: د. سعد الدين عبد الحميد
مقدمة:
منذ العقد الأول للقرن العشرين، وفي ظل هدوء نسبي أعقب انتصارها على الثورة المهدية، عملت الدولة الاستعمارية على زحزحة المجتمع السوداني عن انتسابه لروابطه القديمة العشائرية، الدينية… وغيرها. وتوجهت للاستثمار في الحواضر الناشئة بنواة تعليمية متواضعة تفي بأغراض تأسيس وإدارة (الدولة الوليدة)،في مسار تراكمي استقر عليه مستقبل المجتمع و توقعاته. فتعاظم دور المتعلمين وتصدروا المشهد لاحقاً.. وجاء إنشاء مدرسة الفنون بكلية غردون التذكارية في 1946 تتويجاً لهذا المسار.
وكان عثمان وقيع الله، أحمد شبرين وإبراهيم الصلحي من بين الأوفر حظاً من دارسيها. ورأوا في توظيف الميراث الإبداعي المحلي الممتد من نبتة وكوش والنوبة المسيحية، والتراث العربي والإسلامي مع كل تراث أهل السودان وتجلياته المختلفة، مادة قابلة لصياغة عمل إبداعي، ذو خصائص وبدرجات مختلفة في أعمال كل منهم، يصلها بمجري الحداثة في عالم منتصف القرن العشرين، الذي استقوا منه شُرباتٍ حين ابتعاثهم لبريطانيا.
تلك كانت نكهة ذاك العصر المشوب بتيار جارف للتحرر من الاستعمار وبناء الدولة المستقلة. ومع بروز تيارات فكرية جديده في السودان تعاظم السؤال حول دور الآداب والفنون والتزاما بالتغيير الاجتماعي. وصيغت بيانات مدرسة الغابة والصحراء في الأدب ومدرسة الخرطوم في الفنون كتيارات ومشارب ثقافية عامة، تولد عنها لاحقاً المنظور السودانوي لأحمد الطيب زين العابدين ومدرسة الواحد لأحمد عبد العال ورفاقه. (حاتم بابكر كوكو – ملون وباحث ثقافي).
شبرين.. ودوزنة الحروف
سلايد 2 في الضحوية (وقت الضحى) يتحلّقُ الحيران “تلاميذ الخلاوى التقليدية” حول شيخهم (معلم القرآن)، وهو يبدأ الكتابة على الألواح الخشبية. تنجذب أنظارَهم في متعةٍ وتمعن فِطْري الى يده، تَتسلل في رشاقةٍ محسوبةِ، تغمس قلم البوص في العَمَار (الحبر الأسود)، تضعه على اللوح. تَنزل بالخط قليلاً، تنحني، ثم تتوقَّف؛ الحُرُوف تتخلَّقُ وتتعرَّجُ، تستقيمُ وتميلُ وتتمدَّدُ، يَنعقِدُ بعضُها ويرتبطُ بحَرْفٍ آخرَ يتدلَّى بحَرْفٍ معقُوف، ثم ترجع اليد بالقلمَ إلى المحبرة. (1)
قال لي الأستاذ شبرين بصوت ندي وقور: ” في البدء استهوتني في خلوَتي ابراهيم الجزولي، وأحمد الأَصْوَلِّي* أشكال حروف كتابتنا بلونها الأسود، الذي يزداد ويخفت سواده على سطح اللوح الخشبي باهت الصفرة*، فأطيل النظر إلى ألواح عبد الله وعبد الرحمن كرباوي، وعبد الله محوَّر ابن المؤذن الذين يكملون الحفظ، يزينون ألواحهم (بشرافة) الأهلة والنجوم والمثلثات المتقابلة “.
إضافةً لدرسِ القُرآن والكتابة؛ فهذا هُوَ التدريب التَّشكيليِّ الأَوَّليِّ والعَفَويِّ، والذي يَتلقَّاه الحيران “تلاميذ الخلوة” دون وعيٍ بمراميْهِ وأهميَّتِه، يَتخطَّونَهُ لكنه يَظلُّ راسِخاً في دواخِل الموهوبين منهم. يَشعُّ في وجدانهم كالكنزِ في ثنايا العُمُر؛ فتَجُودُ بَرَكة وتأثيرُ هذا السِّحْر لاحقاً في نتاجِ مُعظَم الفنَّانين التَّشكيليِّين والأدباء والشعراء وغيرهم من أصحاب المهن المختلفة.
تأثير الخطِّ على أستاذنا شبرين، جِدُّ كبيرٍ وعميق. إذ ظلَّتْ تجرِبة “الخلوة” هيَ المَنهل الدَّافقُ والمُلهِمُ الأوَّل في مُساهَماته، وشكّلت له خَلفيَّة راسخة وحقيقيَّة؛ تملَّكتْهُ بقوَّة، ورافقها بمتعةٍ وإخلاص، وظلَّتْ مَعينه الذي لم يَجدْ منه فِكاكاً. وقدَّم لنا درساً بالغِ الأهمِّيَّة لمَنابعِ وعيِنا وإِلهامِنا المَنسِية. (2)
سلايد 3 قال: “عندما دخلت المدرسة الأولية كنت هادئاً، بطيء الانفعال كثير التأمل، بين ما كان شقيقي “الحاج” في الصف الرابع قلقاً ودائم الحركة سريعها. جاء من المدرسة يوماً بقطعة طبشور كتب بها على الجدار (تذكار من الحاج محمد شبرين). الكتابة على الجدران كانت مما يستنكفه الناس – فهي فأل غير حسن – يقطع البركة عن الدار ويحجب زيارة الملائكة. سارع أبي بحمل الطبشورة و”شخبط” بها على الكتابة بخطوط مائلة ودائرية ليطمسها، مستنكراً ومتعوذاً “.
سلايد 4 ” بقيَت بعض أجزاء حروف الكتابة المطموسة تطل من بين الشخبطة، تتداخل في ناظري بخيال حركة والدي وهمهمته المستنكرة.. صرت بعدها أطيل التأمل فيما يقع عليه بصري وكان من قبل من المعتادات – مثل تقاطعات أغصان الأشجار وأوراقها، وأشكال السحب في السماء وحركتها، تتقارب وتتباعد، وتظهر من خلفها ليلاً النجوم ثم تخفيها، وهذه ترسم بتراصها وتفاوت المسافات بينها أشكالاً، أتصور ما يشابهها مما أعرف ولا أعرف من مخلوقات، في سياحة بصرية ممتدة “.
سلايد 5 – ” بل وامتد تأملي إلى ما وراء رفض هذه الكتابة “البريئة”، ورد الفعل الصارم بطمسها عبر خطوط تتقاطع وتلتف بها، في غير ما لطفٍ، لإبعاد مظان النحس، وطلباً لقرب الملائكة “.
كل ما يشبه هذه الخطوط والأشكال “المتشاطبة” التي تولدت على الجدار جذبت بصر و”بصيرة” الطفل الشّواف أحمد شبرين، فصارت مقصداً لأنظاره في كل ما يرى – يتأمل تقاطعاتها ويتحسس ذبذباتها. ويتابع صعود ونزول خطوطها واستدارتها أو انكسارها هابطة أو مستلقية. وما يتولد عنها من أشكال مبهمة تراوح ما بين الانتظام والعفوية، ومساحات موجبة وفراغات سالبة، تصغر هنا وتكبر هناك. ظلت مرجعاً لذاكرته البصرية، وزودته بقدرة هائلة على تفكيك وتحريك وتجريد مكونات الأشكال وحركاتها – والحروف خاصة – والتلاعب بجزئياتها بمهارة، ليعيد تخليقها في صورٍ شتى.. فتفردت تشكيلاته الحروفية بهذا التميز والثراء البصري.
6 تميز شبرين المصمم منذ البداية بقوة التأثير البصري لأعماله على ناظريها، ما مكّن الكثيرين من تذكر واستدعاء رسم أو شكل الشعار أو الهوية البصرية للجهة بمجرد سماع اسمها، أو حتى ان جاء ذكر لمنتجاتها. يقول: “عناصرالتصميم هي المأثورات الموروثة ,من الانسانية كلها ومن البيئة التي تحيط بك فهي منطلق خيالك ومهبط وحيك . المأثورات التي تكتنز بكثير من الدلالات كان ذلك في الشعر اوالقصة اوالملاحم ، اوالتشكيل على السواء”. (شبرين)
كتب أ. محمد حسين الفكي: وبحكم بيئته السودانية عربيها وافريقيها، كان الحرف العربي هو أحد تلك العناصر. فالحرف في مستواه الدلالي لديه يتولد من تجربة الذات، الذات العارفة والحرة. تناديه حول بحثه عن الجمال، وتغريه!. الجمال ذلك الافق المفقود.
يقول شبرين: “وللوصول اليه لا بد من ان تتنكب حينها حريتك،وتترصده مع كل رفيف خاطرة: قد تكون على انعكاسة ضوء يبين،اوعلى قبضة من ضياء مشحونة بطاقات النمو”
” فلا يكفي اذن ان يجييء التشكيل تعبيرا مباشرا عن الواقع.ولكنه يكون مَجلىً لفكرة او كشفاً لرؤيا، أوموقفاً عند أفق للتأمل،أوغاراً للوحي، او حتى من واقعة ماثلة “! (3)
7 شبرين معلماً:
قال تلميذه بروفسر حسين جمعان:
قاعة المحاضرات بكلية الفنون، يقاسمنا فيها أستاذي شبرين.. طاولة عتيقة سوداء وكرسي خيزران.
يتكلم كالهمس ولا يعرف اللغط.. يستفيض الحديث بيننا جماعةً وفرادى بما أنجزناه، ونرى ما يفعله دون حواجز!
قنينتان من الاحبار الملونة وفرشاة وريشة مدببة. تهويمات يغرزها في في جسد الورقة المبللة الجاثية امامه على طاولته الصغيرة السوداء، زخرف وكتابة وملامس نراها، غفلةً منه ووعياً منا!
حبر دافق على ورقة مشبوبة برطوبة الماء الذي سرى في جسدها، يتمدد اللون ويسيحُ، فيُحكِمه بالخبرة والدراية ويطوعه ويلجمه، وما بين صنبور الماء العتيق والحوض الرخامي والطاولة، تكتمل مراسيم اللوحة. مترعةً بالضياء وممهورةً باسمه. (4)
يقول د. عبده عثمان:
زاوج شبرين بنجاح بين ما تلقاه من علم وثقافة الغرب وبين قيم ثقافته القومية. وعُرف اهتمامه بالمتدربين من الطلاب والموهوبين،من الفنيين والعمال حتى خارج قاعات الدرس. رعاهم ووجههم، ومهد لهم السبل للتحصيل والارتقاء بمعارفهم ومهاراتهم داخل الكلية وخارجها. وأذكر رعايته لأحد عمال الكلية واسمه “الفهيم”، وكان يرسم بألوان غريبة نوعاً ما، فشجعه على مواصلة الرسم ولقيت أعماله القبول.
8 غلبة الأبيض والأسود:
نتحدث حتى الآن عن أعمال غالبها بغير ألوان – يقول بروفسورعبد الباسط الخاتم:
سيطر الأسود والأبيض على أعمال شبرين الفنية في عقود الستينيات وحتى الثمانينيات، وزاوج بينهما في تناغم رشيق – وتمكن من التعبير بهما عن دقائق الأشياء وأعماقها وأصولها. رأى في التبسيط أفضل السبل للوصول إلى الجوهر، وأكثرها مباشرة واختزالا. وأن التجريد هو غاية البساطة والوضوح، والإبانة التي تريح النفس.
وما كان ذلك يتأتى له لولا مخزونه المعرفي الوافر الخصيب، وتجربته الحياتية العريضة الزاخرة، ووعيه بحقائق اللون وخصائصه، وإدراكه بإمكاناته التعبيرية غير المحدودة المتصلة بعلاقات الضوء بالمحسوسات والمرئيات، وبالعين والإبصار. فلكل لون مدىً تعبيرياً خاصاً به: قوة وضعفاً، شفافية وعتمة ، تناغماً وثباتا. والمبدع الحق هو الذي يعرف خصائص اللون وحقائقه، ويحسن استغلالها في إيصال رسالته.(5)
9 كتب د. محمد سبيل بصحيفة البيان الإماراتية:
“يعتبر شبرين بحق أكثر رواد الحروفية عطاءً جاداً ومنضبطاً. فبين ما أدرك إبراهيم الصلحي القيمة التشكيلية في الفراغات التي تصنعها الحروف وأسماها “لحم الحرف”، أمسك شبرين ب”عظم الحرف”. ومع تمكنه في خطه الذي ابتدعه، مترسماً خُطى الحرف الكوفي، مشتقاً منه خطاً شبرينياً حراً، تخاطب بأريحية كبيرة مع الفراغ. (6)
10 يرى السفير مصطفى عبد الحميد : الحروفية عند الأستاذ شبرين ليست حروفية محضة على الدوام، وإنما هي في بعض الأحيان مزواجة بين الكتابة والصورة، ومواءمة بين الرمز والمعنى، بل هي في حدها الأعلى استخلاصٌ لرؤى مستجدة ومرائي جديدة . ” شبرين هو القوة الديناميكة التي دفعت بالتيار الحروفي العربي لكي يطل بكل هذا التفاعل والإندفاع “ (7).
فطن لذلك الناقد وضاح فارس مبكراً، وبشَّر به في مجلة “حوار” البيروتية في منتصف الستينات فكتب:
” شبرين أحد الحوادث اللذيذة النادرة في الفن العربي الحديث، فصوره التخطيطية تجمع الأقاصي، في تجربة ناجحة لاستعمال الحرف العربي الكلاسيكي أداة للتعبير الفني الحديث، عبر إدراك سليم للتركيب والحركة والجمالية. تجربة تعي أبعاد وإمكانات الفن التخطيطي (القرافيك) بمفهومه الحديث، واعية بالمساحات ومدركة لإمكانات الحرف الديناميكية. وحسه لمحدودية التلوين، تنم عن موهبة متكاملة خصبة،.. مستحدثاً لتعبيرنا الفني أدوات ومصطلحات جديدة.
فالحرف غادر موقعه التقليدي كأداة لفظية لتركيب الكلمة، إلى عالم آخر تحكمه نواميس أكثر “لا واقعية”، حيث المدلول لشكل الحرف وحده. كما النقطة أو الخط (Line) في الرسم.
11 وأضاف: هذه التجربة الفريدة تضيف علامة طريق أخرى إلى القليل الرائع في فننا العربي الحديث، بلا قرقعة ولا ضوضاء”.(8) .
12 ووصف الناقد السوري موريس سنكري عمل شبرين بالتجربة البيئية،
وأضاف: “عزّز أحمد شبرين الامكانية التجريدية للحرف بتجريده أكثر فأكثر”(9)
13 يقول شبرين عن تجربة التشكيل في السودان ( إن أعمال التشكيل عند السودانيين لا تعرف الحدود لما بين التراث والحداثة – ذلك أننا في السودان نعايش تراثنا وثقافتنا بدون ضجر منها.. بل كلما تعمق الدارس للخصوصية الثقافية في التراث السوداني، يكتشف عناصر القوة والعطاء، تبرز بملامح متجددة من جنس ذات القديم.. وسبب آخر، وهو أن الغزو الثقافي الخارجي على ثقافتنا في الأدب والفن، لم يطمس الجذوة ولم يبتر الجذور. لم يلون المساحات ولم يشوه الملامح الأصيلة فيه. ربما يكون ذلك لبعدنا من مناطق التماس “القسري”، كما حدث لبلدان كثيرة في أفريقيا والعالم العربي..)
(“.. يصعب جداً أن تصنف أديباً أو شاعراً أو تشكيلياً سودانياً. وتسمى نتاجه بالمذهب الواحد لمعين”). (10)
14 افتتن أستاذنا حيناً بعلاقة الأسود والأبيض وبتدرجات امتزاجهما غير النهائية، لفته عناقهما "الصلد" في خشب الأبنوس، فكان خامةً أثيرة لديه للحفر والتشكيل رغم قسوته وصلابته. وتمددت ثنائية التباين لديه إلى البني مع الأخضر في درجاتهما المختلفة.. يتغشاها الأصفر آناً، والبرتقالي أحياناً، وكأنه يستذكر مدينة بربر التي رعته يافعاً.. تتشكل جدرانها وتكتسي بلون ترابها، وفوق تربتها تنتصب سوق الأشجار، بنيها ورماديها لتحمل تيجانها وارفة الخضرة. في تباين يزاوج بين جدبٍ وخصب – حياةٍ وفناء – جفافٍ وابتلال – لين وقسوة – مرونة وصلابة – فراغ وامتلاء.
15 في منتصف الثمانينيات انتقل إلى داره التي أشرف على بنائها بصبر، و زيًن أرجائها في حرص بتراكيب من أخشاب محلية، مثل النيم والمهوقني والتيك والأبنوس، والحديد والنحاس، في الأبواب والطاولات و المقاعد، يضع بجوارها ما يتخير من نباتات ومزهريات صممها وشكل حواملها المعدنية بنفسه. وجعل من حديقته ومكتبته العامرة معمله ومختبره، فصار في كل ركن ألوان ولوحة، تتبدل بسقوط أوراق نبتة وتجدد أزهارها. أو بزيادة نمو فروعها وأغصانها. وأضحت معينه للتأمل والتفكر واستدعاء الذكريات، ومورد الجديد من التصاميم والأعمال الملونة.
في مهمة لتصوير نباتات مشتل بالجوار.. انقضى معظم النهار ونحن نطوف بينها، أدهشني بواسع معرفته بأسمائها العربية واللاتينية. كان يمسك بجزء من النبتة، ويشرح لي ما يريد أن تبينه الصورة، من ميلٍ لزوايا الأغصان وتفرُّعات الأوراق، نتوءات الشوك، تفاصيل نسيج أوراقها، تعدد وتدرجات الألوان، الحُفيرة التي يخلّفها سقوط ورقة عن الغصن، انتظام الأشكال هندسياً في دائرة أو خط لولبي أو متعرج على سوقها.. كان يحفظ التفاصيل كما لو أنه رسمها مراراً، وبت من يومها أرى تفاصيل التفاصيل في كل ما أنظر إليه.
16 مع تخصصه في التصميم الإيضاحي (القرافيك)، كانت له تجارب لافتة في التشكيل بالمعادن والنسيج والنحت والحفر على الخشب وتطعيمه.
17 صمم أثاثاً وجداريات ومجسمات جمالية شكلت امتداداً ثلاثي الأبعاد للتعبير عن رؤاه في التصميم. (جداريتان منسوجتان بمطار الملك عبد العزيز الدولي بجدة).
وقفة 18 عمل على توظيف الرموز الثقافية وعناصر التراث بمواد وعناصر بيئية متنوعة تحيط بشاغل المكان لتعمق ألفته وارتباطه به. (جدارية من خشب التيك المطعم بالعاج والأبنوس بصالة كبار الزوار بمطار الملك عبد العزيز 140 * 320 سم.(الأحقاف 15) وقفة
19 ظل شغوفاً بقراءة الشعر (وقرضه أحيانا دون نشره).. وكان يحفظ الكثير من أشعار المعلقات والخيّام والتيجاني يوسف بشير والفرّاش ومسادير البطانة ورسَمها، وقال “بأبوة الشعر للتشكيل السوداني”، حيث صوّر الشعراء مبكراً مشاهد الطبيعة ومظاهر الحياة في قصائدهم.
20 المسادير: جمع مسدار، وهو قصيدة بدوية دارجة تتغني بالجَمال والطبيعة والصيد وغيره أثناء الترحال بالجٍمال للأنس وقضاء الوقت.
•(مشروع مشترك ترجم فيه أحمد الطيب رباعيات الخيام، ورسمها شبرين. أوقفه بعد وفاة أحمد الطيب).
اختص أشعار المجذوب والتيجاني يوسف بشير والخَيّام باهتمام بالغ، وقال بأبوة الشعر للتشكيل السوداني، حيث صوّر الشعراء مبكراً مشاهد الطبيعة ومظاهر الحياة في قصائدهم. وقفة
21- كان مفتوناً بشكسبير، وظل يردد أن روح أشعاره أقرب لأهل السودان من أشعار بعض بنيهم! وترجم ورسم لها لوحات احتفى بها المركز الثقافي البريطاني وعرضها. وقفة
22 سلايد أخرى لأعمال شكسبير. وقفة
23 كتبت مها سلطان في جريدة الحياة:
أحمد شبرين فنان حروفي طليعي، من القلائل الذين مزجوا الحروفية العربية بسحر الطقس الأفريقي، ضمن رؤى تجريدية حديثة، عبر تكوينات مبسّطة تستدعي ذاكرة بريئة تمتلئ بالاستعارات والتوريات.. جمالية هذه اللغة التشكيلية أنها تلقائية وطبيعية، صادقة وعميقة، سهلة وممتنعة، ولكنها أصيلة في انتمائها. غير تشخيصية في ظاهرها، وإنسانية في مضمونها.
تتمتع لوحة شبرين بقراءة تجريدية خاصة، نابعة من معرفة الحداثة الأوروبية ومدارسها .. ومن عمق الاستنباط العاطفي لخصوصيات الأمكنة وذاكرة التراث. خصال تجعل لوحة شبرين تبتعد عن الافتعال العقلاني الجاف لإسقاطات الحرف العربي على اللوحة الحديثة ذات الرؤية الغربية، في بعض تجارب الحروفيين العرب. هذا الإسقاط المتعمّد الذي ما لبث أن جمد وتوقف.. بينما ظلت أبحاث شبرين وتجاربه اللونية وعالمه التجريدي تنمو وتتطور في مدلولاتها ورموزها ومناخاتها.
24 شبرين بسط سجادة الكتابات الحروفية ليجعلها مكاناً للعيش وحيزاً بصرياً للتأمل في سحر التراث السوداني المتمرغ بذاكرة حضارة النيل القديم. معطياً اللوحة حقها من الاحتفاء باللون والحياة.
وقفة (11).
25 التجديد اللوني في أعمال شبرين:
يقول الفنان الملون محمد عبد الله عتيبي: يميل البروفسور شبرين في أعماله الأخيرة إلى تمثل وإبتداع رؤى تشكيلية موازية للنص الشعري. فقد صاغ الروح الشعرية الرومانسية، والحنين للماضي،والذكريات المفعمة بالمشاعر الجياشة لكل مافي الكون من جمال،صاغ كل ذلك في تصميمات تجريدية، بألوان بهيجة وجديدة لم نعهدها عنده من قبل.
26 وتطورت (حاملة الألوان الشبرينية) ونضجت، وأصبحت أكثر تعتيقاً وجمالاً. وصاغ من كل ذلك تصميمات تجريدية وألوان بهيجة وجديدة لم نعهدها عنده من قبل. وقفة
27 ورأينا معالجات للألوان الزيتية أقرب لاستعمالات الأحبار والألوان المائية، فتعرفنا على مساحات ومناطق جديدة. وقفة (12).
( إستقر في بصيرة وعي – ولا وعي – شبرين أن يبصر ما كان محجوباً .. وأن يحجب ما قد يكون مبصَراً ليمنح الآخر متعة محاولة اكتشافه واستجلائه، من بين تقاطعاتِ الخطوط وتداخل الأشكال وتدرجات الأسود خاصة – والألوان. فصاغ حروفاً يتكيء معمارها على بنية الخط الكوفي، لكنها تأبى السكون، فتموج بحراك عامرٍ بالتلوي والتكسُّر.. تسكن الحَرف وإن تعددت صوره في اللوحة شخصيته الضابطة لصوته، فتُبصره منطوقا!
28 يقول: “وأمر الحروفية هو أمر مناجاة بين بصر الكاتب وبصيرته – مناجاة وتعبير عن جماليات الذات الوارثة لإرث الكتابة” (شبرين) – (15).
تجربتي معه في تصميم الخط الطباعي “شبرين”
29 عرضت عليه محاولتي لتصميم خط طباعي مستلهم من رسمه للحروف في عدد من أعماله. راح يتأمل في أناةٍ كل حرف على حدة، ويسهب في توصيف أجزائه،وصلتها بصوت نطقه، مكسباً كل حرف شخصية حية تتفاعل مع بقية الحروف. فالألِف، “وهذه كلماته”:
(يجب أن تطول عن اللام، وتبتعد عنها لتتكيف بذاتها. الكاف هذه منغلقة وتبدو عصبية (nervous)، وتحتاج إلى مزيد من الانفتاح، حتى تبدو في شكل جَهوَري منسرح، يشبه صوت نطقها)! .. تحولت الحروف إلى “جماعة” ذات حس وحركة .. خلتني أرقب مسرحاً مفعم النشاط، تتماوج في أرجائه أصوات الحروف وهي تَتزيَّا بما يليق بها.
30 شبرين ألق من الأساطير، أول المبدعين وآخرالمبدعين، ليس كمثله شيء فى عصر التشكيل السوداني. لم ننصفه، والمعاصرين غير منصفين فى حركة التاريخ – أهل الأنصاف من القادمين!
(حسين جمعان ) (16)
31 كتب عمران القيسي في معرض نقده وحديثه عن التشكيل السوداني قائلاً:
“شبرين عمود من اعمدة الفن السوداني، بل العربي، بل الافريقي إذا أردنا الدقة. لذلك ننساق مع افكاره التي تضع الجمال في المرتبة الأولى كباعث إبداعي…. إنه يؤكد على ان الابداع ليس نتيجة مقدِرة اكاديمية، أو معرفة ميكانيكية لصياغة الاشكال وتقليد الطبيعة والعالم الخارجي. لكنه شوق الى معرفة اللطف، ومسرة منشودة في قوله تعالى: “كن فيكون”. يمزج شبرين بين فلسفة الصوفي (ذي النون المصري) في اللطائف والابداعات، وبين مقدرة المبتكر المبدع على الاندفاع بأشواقه، لابتكار العالم الألطف.”عمران القيسي (17)
32 من آخر أعماله
33 يقول شبرين: ” إن ما نشكل وما نصنع دليل بحث لوجود، وليس نهاية مطاف الموجود”. والحرف معراج الى برزخ التأويل والرؤيا. والحرية التي نبتغى لارتقاء ذاك المعراج ليست فوضى خواطر أو انطباعاتٍ ألقت بها الصدفة. انها تجربةٌ بعد رؤية.. موعدٌ بعد اطلالة.. وهي في أصغر خلق الله تسكن بين جوانحنا وبين الأشياء. هي نداء الداخل الحر. والحرية لا تهزم، فهي في كل عقل انسان”. (18)
34 لوحة لم يكملها
35 ويقول. “هكذا أرسم، وهكذا اتعلم لأرسم ان شاء الله”. (19)
رحم الله أستاذنا أحمد محمد شبرين – وشكرا لكم.
شرح المفردات:
- لوح الخلوة: الخلوة هي المدرسة القرآنية (الكتاب)، واللوح خشبة مستطيلة من خشب شجر الهجليج أو الحراز، يعلوها عنق تمسك منه باليد اليسرى، ليخط عليها الصبية (الحيران) سور القرآن التي يتوجب عليهم حفظها.
•المسادير: جمع مسدار، وهو نظم شعري بدوي مطوّل للتغني بالجَمال والطبيعة والصيد وغيره، يرتجل ويتغنى به أثناء الترحال بالجمال للأنس وقضاء الوقت.
المصادر:
المقدمة للأستاذ للملون والباحث الثقافي حاتم بابكر.
تلخيص لأحاديث مع البروفسور احمد محمد شبرين بداره، ومقتبسات من مقال ل د. سعد الدين عبد الحميد – في تذكر الأماجد (بتصرف) – أحمد محمد شبرين. صحيفة سودانايلالإليكترونية 28/05/2018.
- عبد الواحد وراق – ضحويَّة شبرين – صحيفة مداميك الاليكترونية – 21 يوليو 2020 (بتصرف). https://www.medameek.com/?p=10895 .
- نفسه.
- محمد حسين الفكي –مقال شبرين الفنان المفكر. الخرطوم عاصمة الثقافة العربية. 5 ديسمبر 2003م.
- بروفسور حسين جمعان، عميد كلية الفنون والتصميم بجامعة المستقبل. الخرطوم عاصمة الثقافة العربية.
- عبد الباسط عبدالله الخاتم – أستاذ مشارك – كلية التربية في جامعة السودان. الخرطوم عاصمة الثقافة العربية. 2003م.
- د. محمد سبيل – صحيفة البيان الإماراتية ، 13/12/2016
- السفير/ مصطفى عبد الحميد. الخرطوم عاصمة الثقافة العربية. 5 ديسمبر 2003م.
- وضاح فارس، مجلة حوار، العدد 11/12 – 1/أكتوبر 1964.لبنان.
- موريس سنكري، نقلاً عن محمد حسين الفكي. صحيفة الصحافة، 13/ 12/2011. السودان.
- بروفسور أحمد محمد شبرين، من مقال: التشكيل السوداني المعاصر- (الحداثة على قواعد التراث في الآداب والجغرافيا والآثار)، جريدة الراية القطرية – الإثنين 1995/5/29.(بتصرف)
- مها سلطان، حروفية عربية وطقس أفريقي، صحيفة الحياة، العدد 13284، 22/7/1999، ص 22. لبنان. (بتصرف).
- محمد عبد الله عتيبي. مقال بعنوان البعد القومي لشبرين. الخرطوم عاصمة الثقافة العربية. 5 ديسمبر 2003م.
- عمران القيسي، نقلاً عن محمد حسين الفكي. صحيفة الصحافة، 13/ 12/2011. السودان.
- كتاب الفنان والأفكار – مهرجان الثقافة الثالث – الخرطوم 1980م “
- مجلة ثقافات سودانية 1999م.
- حسين جمعان.
- عمران القيسي. نقلاً عن محمد حسين الفكي. صحيفة الصحافة، 13/ 12/2011. السودان.
- الفنان والأفكار
- نفسه
سيرة ذاتية مختصرة عن البروفسور أأحمد شبرين (1931 – 25 مارس 2017)
فنان تشكيلي سوداني، أحد مؤسسي مدرسة الخرطوم التشكيلية، ومن رواد المدرسة الحروفية العربية.[3]
حياته
ولد في مدينة بربر بولاية نهر النيل عام 1931[4]، وبدأ دراسته في خلوتي الشيخين أحمد الجزولي و الأصولي بعلوم القرآن بالقدواب، وبعدها التحق بمدرسة بربر الشمالية الأولية، ثم المدرسة الأميرية الوسطى، ودرس المرحلة الثانوية في مدرسة وادي سيدنا الثانوية بأم درمان. بعد تخرجه من الثانوية التحق بكلية الفنون الجميلة والتطبيقية، معهد الدراسات الإضافية (جامعة السودان حاليًا)،[5] وبعدها سافر إلى بريطانيا وتابع دراسته في الكلية المركزية للفنون بلندن،[6] وتخرج منها عام 1960.[7]
حياته المهنية
بعد عودته من لندن، شغل مناصب أكاديمية بجامعتي السودان والخرطوم، حيث كان محاضرا في كلية الفنون الجميلة، كما أسس مدرسة الخرطوم التشكيلية[8] مع الفنان إبراهيم الصلحي، وكان من رواد المدرسة الحروفية العربية في الوطن العربي، كما أسس مركز شبرين للفنون.
كان شبرين عضوا في لجان تحكيم تشكيلية، كما ترأس اتحاد العاملين بالمعهد الفني بالخرطوم،[9] وبالإضافة إلى عضوية مجلس جامعة الخرطوم، كان عضو مجلس جامعة السودن للعلوم والتكنولوجيا، ومصمم لبنك السودان 1980، وشغل منصب وكيل بوزارة الثقافة والإعلام 1983. حاز على وسام الجمهورية للجدارة عام 2003.[10]
معارضه
شارك في العديد من المعارض التشكيلية في أفريقيا وأوروبا وآسيا، وله لوحات ومقتنيات فنيه في لندن وبيروت والجزائر وسوريا والسعودية.
المصدر https://en.wikipedia.org/wiki/Ahmed_Shibrain
ملحوظة :
هذا النص عبارة عن تلخيص المحاضرة أعلاه ، وهي ورقة وعرض تجربة الفنان السوداني الرائد البروفسور أحمد شبرين رحمه الله ، التي ألقاها الكاتب مساء الخميس الموافق 29/05/2025 بالنادي الثقافي العربي بالشارقة
حقوق الطبع والنشر محفوظة، ولا يجوز التقل أو التصرف إلا بإذن من صاحب الحق
saadeenn@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم