تجربتي مع قطاع ناشئ الهلال

 


 

كمال الهدي
29 يوليو, 2022

 

تأمُلات
. أدرك أن الأهلة يعيشون هذه الأيام فرحاً وحبوراً بتتويج نادي الملايين بكأس الدوري الممتاز، الذي أراه أمراً عادياً وأقل من الطموح وسط هذا الاهتمام المتعاظم بالفريق، وتركيز العشاق مع الكرة، وتسخير الكثير من وقتهم الثمين لها لدرجة أن بعضهم ينسون ما يعيشه البلد من مآسي عند وقوع أعينهم على لاعبي الأزرق وهم يركلون المستديرة .

. لكن طبيعي أن يفرح الأهلة بالظفر ببطولتهم المحببة، سيما أن مساحات الفرح ضاقت بشكل كبير في الوطن الجريح بأفعال بعض أبنائه غير المخلصين والبعض صاروا يهربون لملاذ الكرة.

. وقبل أن أبارح هذه الجزئية أود التذكير بمجهودات ومهارة الحاسم وليد الشعلة الذي واجه ظلماً مهولاً من الكثير من جماهير الهلال في الفترة الماضية.

. ولهذه الفئة أقول أحسبوا عدد المرات التي كان الشعلة فيها حاسماً منذ عودته من الكويت حتى لا تعودوا لنغمة " ده لاعب كسول وغير مفيد".

. ففي رأيي الشخصي لا يوجد في بلدنا حالياً مهاجم أكثر فاعلية من هذا الوليد صديق الشباك.

. نبارك للأهلة لقب الدوري الممتاز، وكل العشم أن نرى هلالاً أفضل في كل شيء في قادم الأيام.

. ولأن طموحنا أكبر دائماً سأحدثكم في هذا المقال عن تجربة قصيرة لي ولابني مع قطاع الناشئين في الهلال، مركزاً على سلبيات هذه التجربة، عسى ولعل أن يفيد ما سأكتبه لو كانت هناك رغبة حقيقية في التطوير.

. بحكم البعد عن الوطن لم أشاهد شباب وناشيء الهلال منذ زمن طويل، لكنني طالعت الكثير عن مهاراتهم وقدراتهم.

. كما تابعت وصافحت عيناي حبراً غزيراً سُكب في مدح القائمين على هذا القطاع، وبالأخص عوض طارة الذي حاز على أكثر الأصوات في عمومية الهلال الأخيرة ما دعى بعض الإخوة الأجلاء لأن يعيدوا عبارات من شاكلة " الهلال وشبابه في أيدٍ أمنية طالما أن أمثال طارة صاروا أعضاءً في المجلس".

. كنت كلما أقرأ عن قدرات طارة القيادية وحبه للهلال وإخلاصه في عمله أشعر بشيء من الراحة لأن في الشباب والناشئين مستقبل الهلال والكرة السودانية.

. ونظراً للرأي الإيجابي الذي تشكل عندي عن شباب الهلال، عندما سافر صغيري أشرف (١٦ عاماً) للسودان في اجازة قصيرة، خطرت لي فكرة أن يتدرب مع هؤلاء الناشئين لأهداف محددة جداً، ليس من بينها السعي ل (واسطة) تلحقه بأي من كشوفات نادي الهلال - كما قد يظن البعض- بالرغم من ثقتي التامة في أنه لو وجد الرعاية من مدربين جيدين فمن الوارد جداً أن يساهم في حل مشكلة صناعة اللعب التي يعاني منها الهلال و كرة القدم السودانية عموماً.

. لكن لم يكن قصدي من تدربه مع ناشيء الهلال أبعد من أن يحتك بأقرانه السودانيين لكونه يعيش منذ ولادته خارج الوطن ليعرف على أي أرضية يقف، وأن يستفيد من جزء من اجازته في عمل شيء مفيد، وأن يحافظ على لياقته البدنية، ويتعرف عن قرب على كرة القدم السودانية.

. وقبل عيد الأضحى بيومين كنت على تواصل مع الأخ الطاهر يونس فأستفسرته في رسالة عن إمكانية أن يتدرب هذا الشبل مع ناشيء الهلال، فكان رد المحترم الطاهر أنه سوف يتحدث في الأمر مع عوض طارة ويفيدني.

. وبالفعل، وخلال وقت وجيز عاد لي الباشمهندس الطاهر ليؤكد أنه رتب الأمر مع طارة وطلب مني رقم هاتف أشرف في السودان، فأرسلته له.

. وقبل أن أكلم أشرف اتصل به الطاهر وأبلغه بترتيبه مع عوض طارة وأرسل له هاتف عوض لكي يعرف منه مكان وموعد التمرين بعد اجازة العيد.

. راسل أشرف، مسئول قطاع الشباب والناشئين (طارة) ، حسبما طلب منه الطاهر الذي نصح ابني أيضاً بأن يتهيأ بدنياً حتى يذهب للتمرين وهو جاهز، لكن لم يرد عوض طارة على رسائل أشرف ليومين متتالين.

. حينها طلبت من ابني أن يرسل لي رقم هاتف عوض، ففعل.

اتصلت به فلم يرد لنحو يوم ونصف، فقلت لنفسي ربما أنه لا يرد على الأرقام غير المعروفة لديه، فأرسلت له رسالة صوتية عرفته من خلالها بنفسي وذكرته بالموضوع الذي طرحه عليه الطاهر يونس، فلم يرد أيضاً.

. لا أنكر أنني شعرت بشيء من الغضب حينها لأن أكثر ما يضايقني مسلك تجاهل الآخرين وعدم الرد عليهم مهما كانت درجة انشغالك.

. وقد لاحظت أيضاً أن عوض ممن (يتذاكون) بحركة اخفاء آخر ظهور في الواتس أب وحجب (السهمين الأزرقين) عن جهات تواصله، وهذه أيضاً حركة لا أحبها وتعطيني الانطباع بأن من يلجأ لهذه الخاصية (عنده شيء خايف منه) ورأيي الشخصي أن من يصدق مع الآخرين لا يحتاج لحيل (الزوغان)، فطبيعي أن لا تتوفر أحياناً او تنشغل وسيتفهم ذلك من تتعامل معهم بالصدق.

. المهم في الأمر أنني تجاوزت عن كل ذلك (لأشياء في نفسي) ليس من بينها الإصرار على أن يتدرب ابني معهم، لكن بحس الصحفي أردت أن أعرف كيف تمضي الأمور هناك حقيقة.

. بعد ذلك راسلت الاخ الحبيب أمجد ود السائح لمعرفتي بقربه من عوض وقلت له بالحرف الواحد ( يا أمجد قول لعوض في ناس في الدنيا دي بتحب تسمع إجابة حتى لو كانت بالرفض، لكن التجاهل والتطنيش ما حلو خاصة لمن هو في موقعك).

. بعدها بسويعات وصلني رد من عوض طارة ولا أدري ما إذا كان أمجد قد سأله أم لم (يلحق).

. وسأكون دقيقاً في نقل ردود الأخ طارة ولن أضيف أو أحذف منها حرفاً حتى تكون الصورة واضحة.

. كتب عوض في رده ذاك" كل عام وانت بخير وصحة وعافية.. اي كلمني.. يجينا يوم الجمعة الساعة ٩ص في ملعب دار الرياضة.. يجي لابس للتمرين طوالي.. هو مواليد كم"، هنا بدا التواصل جيداً فتجاهلت ما سبقه وأجبته على السؤال وأفدته بأن أشرف سوف يحضر في الموعد.

. أكدت على ابني ضرورة الالتزام بالموعد المضروب، ورتبت له مع ابن عمته لكي يوصله لدار الرياضة.

. وصل أشرف لمكان التمرين قبل الموعد بوقت قصير وحاول الاتصال بعوض من هناك فلم يتلق رداً، فأنضم لمجموعة مثله من صغار غير مسجلين في النادي، ليتم اختيار عدد منهم للتمرين مع الناشئين فيما عاد آخرون أدراجهم.

. وأثناء التمرين سأل أحد المدربين الأجانب أشرف إن كان من مواليد ٢٠٠٤ أم ٢٠٠٥ فأجابه بأنه مواليد ٢٠٠٦.

. وبعد التمرين اختار المدرب الأجنبي خمسة أولاد ( من بينهم أشرف) وطلب منهم الحضور مباشرة لتمرين الأحد في الثامنة والنصف صباحاً، وهو ما أكده لهم مساعد مدرب سوداني لم ينقل لي ابني اسمه للأسف.

. نقلت ما تم للأخ عوض كنوع من الاحترام في التعامل وكتبت له أن (الخواجة) طلب من أشرف الحضور يوم الأحد فكان الرد " صاح"، بدا لي رده جافاً، لكن غضضت الطرف أيضاً.

. لم يتمكن ابني من الذهاب لتمرين الأحد، لظن أفراد الأسرة هناك بأن الكباري سوف تغلق يومها فأرسلت لعوض رسالة كتبت فيها " تمرينكم الجاي متين!! شايف الجماعة في البيت أمس قالوا ليه الكباري بتتقفل.

فجاءني الرد التالي" ما متاكد.. قالو ليو متين".

لاحظ عزيزي القاريء السؤال" قالوا ليو متين"، علماً بأنني أبلغته في رسالة سابقة بما قالوه له وكان رده" صاح"، وبعد ذلك بينت له سبب عدم حضوره يوم الأحد.

. والسؤال الذي قفز لذهني حينها هو : اذا كان مسئول القطاع لا يعرف موعد التمرين، فمن يعرف بالله عليكم!!

. ولو صدقت أنه لا يعرف حقيقة، فذلك يزيد الوضع سوءاً عندي لكوني سأتساءل عن الاهتمام الكبير الذي الذي يُقال أنه يوليه للقطاع.

. وحتى لو لم يكن يعلم بموعد التمرين، فهل كان عصياً عليه أن يتواصل مع المدربين ثم يفيدني بالموعد إن كان يرغب حقيقة في حضور الولد!!

. تلك كانت آخر رسالة منه، وبعدها قلت لنفسي لو كان تمرين ناشيء الهلال معبراً لابني لنادي برشلونة فبلاش منه معبر.

. والآن دعوني أوضح لكم لماذا كتبت عن هذا الموضوع الذي قد يتبادر لأذهان البعض أنه شخصي بالدرجة الأساس.

كتبت عنه لإعتبارات عديدة أولها ما تبين لي من فوضى تضرب بهذا القطاع وقلة اهتمام بالمواهب.

. فحين (يشوف) الفنيون (شوفة) في شبل، يجب أن يجد ذلك اهتمام القائمين على أمر القطاع، لا تجاهلهم كما فعل عوض طارة في حالة أشرف.

. الشيء الثاني أن أشرف شارك في التمرين بضربة حظ لأنهم لم يتعرفوا عليه ولا من أين أتى ولم يبلغ مسئول القطاع المدربين بفتى اسمه أشرف سوف يحضر للتمرين، كما توقعت أن يحدث في حالة عدم تواجد عوض هناك لأي سبب.

. وفي هذه الجزئية قال لي أشرف " يا ابوي انت صعبت الموضوع ساي، اتصالات وشنو، الحكاية هناك فاكة ساي زول جاي من الشارع ممكن يدخل يتمرن مع ناشيء الهلال ديل بدون ما يتعرف هو منو."

. فكان ردي " يا ابني براعم الهلال ديل كان يدربهم في زمن مضى الخبير دكتور كسلا بمعاونة كابتن جميل ويرعاهم الإداري المحترم طه علي البشير ويقف على راحتهم وظروفهم حسن حمد (رحمه الله رحمة واسعة) وحينذاك لو دخلت باعوضة للملعب لتم رصدها، لكن كل شيء تغير في وطننا المنكوب."

. ودعونا نأتي للتمرين نفسه ومستويات وسلوكيات اللاعبين الصغار وما تكون من رأي لدى من تباهيت أمامه بأننا سنتيح له فرصة التدرب مع نادينا الكبير و أن عليه أن يبيض وجهنا.

. قال الصغير أن رصفاءه لم يكونوا منضبطين وأكثروا من المزاح و(الجوطة) أثناء التمرين وكلما صرخ فيهم المدرب صمتوا لثوانٍ يعودون بعدها لحالة الفوضى وعدم الجدية.

. وأضاف الشبل " حتى المستويات لم تكن كما حدثتني يا أبوي، ولم أر موهبة حقيقية سوى لدى لاعبين اثنين منهما الظهير الأيسر، أما الباقين فعاديين جداً."

. معقول يا ناس ارسل ولدي على أمل أن يعود ليقول لي " ناديكم ده كبير فعلاً وقد تشرفت بالتدرب مع ناشئيه، فيتشكل لديه هذا الرأي السلبي وهو الصغير عمراً وتجربة، وبرضو تقولوا لي شباب الهلال في أيدٍ أمينة!!

. ومثل هذا الموقف يجعلني أعقد المقارنة بين نموذجين هما الطاهر يونس الذي قرأت وسمعت الكثير من الآراء السلبية فيه، وعوض طارة الذي امتدحه الكثيرون.

. لم التق أياً من الشخصيتين وجهاً لوجه حتى هذا اليوم، لكنني تواصلت مع الطاهر أيام الجدل الكثيف حول علاقته باللجنة وبعض ملفاتها لأستفسره عن بعض أمور كتبت عنها وقتها.

. وقد وجدته رجلاً محترماً وصريحاً وراقياً في تعامله، ولم أشعر اطلاقاً بأنني أمام ذلك النوع من الإداريين الذين يتهيبون كل من يحمل قلماً ويغطغطون على الأشياء ولا يعبرون عن وجهات نظرهم بوضوح خوفاً من النشر.

. بالطبع ثمة تفاصيل لا ألم بها جيداً بحكم البعد، لكن الصورة العامة التي تشكلت لدي أن مثله لابد أن يكون صادقاً فيما يقوله، وربما أن أخذ الناس بجريرة غيرهم قد ساهم في تشكيل رأي سالب فيه.

. والوجه الآخر للمقارنة نقلت لكم ما دار بيني وبينه لأترك الحكم النهائي للقاريء الحصيف.

. لكن، وبالرغم من أنني أملك أدوات معرفة الناس حتى وإن لم ألتقيهم وجهاً لوجه، إلا أن بعض الأقلام تدفعنا لأن نؤمن بمقولة أن كل من يكثر الهجوم عليه في سودان اليوم لابد أن يكون شخصاً جديراً بالاهتمام، وأن من تتعاظم الإشادات به غالباً ما يسير في الطريق الخطأ.

. فالتجربة التي تطرقت لها هنا تشيء بذلك.

. وفي الختام أعتذر للقاريء الكريم على تناول تجربة شخصية، لكنني وجدت فيها من (العام) ما يستحق التناول والنشر، حتى يقف الأهلة على الأمور عن كثب وبعيداِ عن الأحكام الانطباعية أو الآراء المبنية على توصيفات سابقة لشخصيات بعينها، فالبشر يتغيرون في هذا السودان.

. وليس بالضرورة أن يكون عضو أو رئيس مجموعة الأولتراس السابق مسئولاً أو إدارياً فذاً حين (يصل).

. لا يهمني شخصياً أن يكون فلان أو علان إدارياً بنادي الهلال أو رئيساً لمجلس السيادة، فهذا لا يعنينا في شيء، فالأهم دائماً أن تتعامل مع الآخرين برقي واحترام لكي تكون جديراً بأي منصب تتولاه.

. تعمدت نشر هذا المقال اليوم لعلمي بحجم ما سيطالعه المشجعون هذه الأيام من عبارات دغدغة العواطف بمناسبة الفوز باللقب، ليس (مشاترة)، لكن لأن دورينا غير الممتاز ليس أكبر طموحنا، وإن كنا نرغب في انطلاقة حقيقية فلابد أن نبدأ بإصلاح حال أنديتنا ومؤسساتنا، وإلا فسوف نظل نضحك على بعضنا البعض، بينما يأتي الآخرون من ورائنا ليسبقوننا بملايين الخطوات.

. وقطاعات مثل الناشئين والشباب لابد أن يتعاظم الإهتمام بها وأن تُسند لمن يحملون مؤهلات حقيقية ويجيدون فن التعامل مع الآخرين وذوي الأعمار الصغيرة على وجه الخصوص.

kamalalhidai@hotmail.com
////////////////////////

 

 

آراء