تجليات التنوع اللهجي في الغناء السوداني

د. خالد محمد فرح
Khaldoon90@hotmail.com
مما وقر في الأذهان، وجرت به الأقلام، وظلت تتداوله الألسن كثيراً، وصف السودان بأنه بلد يتصف بالتعدد والتنوع على مختلف الأصعدة وفي شتى المجالات.
فمن مظاهر ذلك التعدد والتنوع الذي يسم السودان، التعدد اللغوي الذي يجسده وجود عدد كبير جدا من اللغات التي يتحدث بها سكان البلاد، حتى أنها تقارب المائة لغة كما يقول المختصون. والى جانب ذلك التعدد اللغوي الكبير، فإن هنالك تنوعاً فرعياً لهجياً بيناً في إطار عربية أهل السودان الجامعة نفسها، وذلك تبعاً لتنوع وتعدد الكيانات العرقية والقبلية والجهوية المختلفة التي تتألف منها البلاد.
ولما كان ذلك كذلك، فإنه يغدو من الطبيعي ان ينعكس ذلك التنوع اللهجي، على مستوى المفردات والعبارات التي ترد في الأغاني بطبيعة الحال.
والواقع هو أن سمة الخصوصية والتميز اللهجي بصفة عامة، ليست وقفاً على الأغاني السودانية وحدها، وإنما هي ظاهرة لا يُستبعد بل إن من الراجح وجودها أيضاً، في اقطار اخرى يتحدث أهلها بالعربية، مع وجود اختلافات كثرت أو قلت، بين أنماطها ولهجاتها القبلية والمناطقية المتباينة.
ذلك بأن المرء عندما يستمع إلى الفنان المصري ذائع الصيت: عبد الحليم حافظ مثلاً، وهو يغرد بكلمات الشاعر الكبير: عبد الرحمن الأبنودي:
أنا كل ما اقول التوبة يا ابوي
ترميني المقادير يا عين
واحشاني عيونو السودا يا ابوي
ومدوّبني الحنين يا عين !!
يتبادر إلى أذنه وذهنه فوراً، أثر اللهجة المصرية الصعيدية بصورة واضحة في هذا المقطع، سواء من حيث الألفاظ والمفردات، أو من حيث الأصوات ومخارج الحروف. فقوله ” يا ابوي ” مثلاً، هي لازمة لفظية، تقال اما للاستغاثة، أو للتعبير عن الدهشة أيضاً، يكثر استخدامها عند أهل الصعيد في كلامهم الدارج. واما من حيث الأصوات، فإن قوله المقادير بالقاف الصعيدية الجامدة، التي مخرجها قريب من مخرج الكاف الفصيحة، وصوتها مثل صوت الجيم القاهرية، أو إن شئت، فهي مثل صوت القاف في معظم اللهجات العربية المعاصرة، بما فيها اللهجة السودانية، فإنها تمثل بدورها إحدى الملامح الصوتية للهجة الصعيد بمصرعموما.
وبالمقابل، نجد على سبيل المثال مقطعاً غنائياً هو :
يا واد يا تقيل ” تئيل ” يا مشيبني
أنا بالي طويل وانت عاجبني ” عاقبني ؟ ” الخ ..
ذلك المقطع الذي أدته الممثلة والفنانة الاستعراضية الراحلة ” سعاد حسني ” ، في أغنية شهيرة لها من كلمات صلاح جاهين وألحان كمال الطويل، في سياق الفيلم السينمائي ” خلي بالك من زوزو ” ، فإنه ينمّ بوضوح عن اللهجة االقاهرية المعيارية بجميع خصائصها بامتياز. وهكذا يمكن القياس على ذلك في مختلف البلاد المتحدثة بالعربية كما نفترض.
ولعل أول ما يتبادر إلى ذهن القارئ أو المتلقي السوداني خاصةً، عندما يتعلق الأمر بمظاهر التنوع اللهجي في الغناء السوداني عموماً، ما ظل يقدم من خلال برنامج ” من ربوع السودان ” الاذاعي الأسبوعي الشهير، من باقات تضم أغنيات شعبية، تراثية وفولكلورية، يتوخى فيها عادة، قدراً ملحوظاً من التنوع والتباين، الذي يعكس خصيصة التعدد والتنوع الملازم للبلاد، على الأصعدة الجغرافية والاثنية والثقافية واللغوية المختلفة، وبما في ذلك التباين في اللهجات، الناجم عن ذلك التنوع المناطقي والإثني بالضرورة.
وهكذا ظل السودانيون من خلال ذلك البرنامج المعروف على سبيل المثال، يستمعون إلى عبد الرحمن بلاص وهو يغني لهم باللهجة الشايقية ” الليلي يا عيون الصيد وا ناري .. موقدي في قلبي حارة شديدي وا ناري ” ، او لابراهيم موسى ابا وهو يصدح بلهجة شرق كردفان باغنية ما دوامة: ” طيري يا بلومة ودي السلام في يوما للخيدران مريومة ! ” او لصديق عباس وهو يغرد بلهجة بدو شمال كردفان: قافت بيك أم قجة وطالت بيك المدة ، ولآدم شاش وهو يشدو بعربية شرق السودان ” سوي الجبنة يا بنية في دُل الدهاوية ! ” ، ولخلف الله حمد وهو يغني غناء وسط السودان بلهجته المميزة: ” النعيم يا فحل القبايل .. ايدو ام رويق والقبلي شايل .. يا بابا قول النعيم دراج للمتامكة !! ” .. ويرفع بابكر ود السافل عقيرته قائلا؛ الجدي العام وانفدع يا بنْتنا .. شوف عيني سُكّر نقع ! ، وفيها تتجلّى لهجة منطقة الميرفاب وأهل بربر عموماً، ذلك بأنهم يثبتون النون من كلمة بنت في نطقهم فينطقونها مثل الفصيح تماما، ولا يقولون بت بحذف النون كما يفعل سائر السودانيين، ويختمها يوسف فتاكي من جنوب السودان في السابق، باغنية بعربي جوبا من مثل: ياي بليدنا وكلنا أكوان .. سودان بليدنا وكلنا أكوان ” أو الفنان ابن جنوب السودان الآخر الذي غنى : ” سوري لى انت ياكي .. وما كفارة لي أنا ” !! وهكذا .
ولكننا في الواقع لا نقصد ذلك النمط من العمل الذي يُعمد اليه قصدا ، لكي يعكس ويكرس ذلك التنوع اللهجي الناجم عن تنوع البيئات المحلية التي تختار منها تلك الاغنيات اختيارا، وانما نقصد ذلك التنوع اللهجي الذي يأتي هكذا بصورة عفوية من قبل الفنان المؤدي، وخصوصاً في ما يسمى بأغنيات البرنامج العام التي هي بخلاف ما يسمى بأغنيات الربوع، وذلك نتيجة لعوامل معينة، تأتي في مقدمتها البيئة الاجتماعية والثقافية واللغوية التي ينشأ فيها المغني المعني، او يتاثر بها، واحيانا قد يكون التأثير من الشاعر كاتب النص مثلاً ، وربما تكون هنالك عوامل أخرى غير ذلك أيضا.
ولنبدأ بما تسمى بأغاني الحقيبة، وهو ذلك النمط من الغناء الشعبي الحضري، الذي ازدهر ما بين مطلع عشرينيات القرن الماضي إلى اوائل الأربعينيات منه. تتجلى في هذا الغناء بصفة عامة، ما صارت تعرف بلهجة أم درمان الوسطية المعيارية، التي أضحت بفضل وسائل الإعلام وبفضل عوامل اخرى،، اقتصادية واجتماعية وثقافية وسياسية، هي اللهجة السودانية النموذجية الشائعة للتخاطب فيما بين السودانيين عموما. ويتمثّل ذلك بصفة خاصة في الجيل المتأخر نسبيا من كوكبة شعراء الحقيبة مثل: محمد بشير عتيق، وعبد الرحمن الريح، وابراهيم عبد القادر تلودي، وحتى عبيد عبّد الرحمن وسيد عبد العزيز إلى حد ما.
ولكن ليس كل شعراء الحقيبة سواء في التعبير عن اللهجة الامدرمانية السهلة. ذلك بأن شعراء مثل ابراهيم العبادي وخصوصاً محمد ود الرضي، ربما مالوا إلى استخدام بعض الألفاظ والعبارات البدوية والريفية الحوشية في أشعارهم. ومثال ذلك قول ود الرضي في احدى ” رمياته “:
الطابق البوخة
قام ندا يهتّف
نام من الدوخة
إيدو عاقباهو
الجدلة مملوخة
وفوق معالق الجوف
موسو مجلوخة !!
إلى آخر ذلك الكلام الحوشيّ المفرط في الجزالة، و الذي قد يحوج الإنسان معه، إلى الرجوع إلى قاموس اللهجة العامية للعلامة عون الشريف قاسم، لمعرفة معاني ألفاظه.
ولكن يبدو ان ود الرضي بعد ان انتقل من بادية العسيلات إلى العاصمة، قد صار معه ما صار مع الشاعر علي بن الجهم من قبل ، إذ أنه قد رقّت حواشيه، وتحضّرت ألفاظه، فصار يشدو بمثل قوله:
بدور لو مرة نتقابل
حبيب روحي واراك يانع
أمتع نظري بمحياك
واقيف من هيبتك راجع
أحاول وطرفي يتخاذل
وارجع أمجّد الصانع
إلى ان يقول:
وتقطف زهرةً صفرا
تماثل لونك اللامع !!
ذكرنا ان هنالك عدداً من شعراء الحقيبة، الذين عكس شعرهم لهجة ام درمان بامتياز. والحق، ان من بين ابرز أولئك الشعراء أيضاً، الشاعر والمغني عمر البنا ، الذي كان علاوةً على أنه من أبناء أم درمان الأصيلين، فانه قد نال قسطاً متقدما نسبياً من التعليم، بالمقارنة مع أبناء جيله من الشعراء. ذلك بأن قد أكمل المدرسة الوسطى، ولم يكن يضارعه في المستوى التعليمي إلا عدد قليل جداً من شعراء ذلك العصر، هم ربما:،خليل فرح، والعمرابي وتلودي.
ولذلك تجد في قاموس عمر البنا الشعري، تأثراً ما باللهجة المصرية، التي نرجح انه اكتسبها من التعليم المدرسي الذي ناله، ومن ارتباطه بالبيئة الحضرية في أم درمان. ومثال ذلك قوله:
إمتى أرجع لام در واعودا
أشوف نعيم دنيتي وسعودا
فقوله إمتى بمعنى متى، فيه تأثر واضح باللهجة المصرية ، لأن السودانيين لا يقولون إمتى وانما يقولون: متين.. ومنه قول الشاعر المعاصر اسحاق الحلنقي مما يغنيه المطرب محمد الامين:
متين عرف الهوى قلبك
متين صابك بآهاتو !
وشاهد آخر على ام درمانية قاموس عمر البنا هو قوله:
في الطيف أو في الصحيان زورني
يا حبيبي أنا عيّان !
ذلك بأن الصفة ” عيّان ” بمعنى مريض، هي ليست من حاقّ كلام أهل السودان القديم، وانما كانوا يقولون في معناها: مرضان ومتحسّس وحاسّي وبى عافية الخ. وقلبت كتاب الطبقات للشيخ محمد النور ولد ضيف الله 1727 -1810م، وهو جراب اللغة والثقافة السودانية العتيدة، من أوله إلى آخره ، فلم أجد فيه الصفة ” عيان ” هذه بمعنى مريض ولا مرة واحدة، ولكن وجدت فيه الصفة ” مرضان ” في عدة مواضع. وظني أن اللفظ ” عيّان ” قد ورد إلى اللهجة السودانية وانضم إلى معجمها، بعد غزو إسماعيل باشا للبلاد في نهاية الخمس الاول من القرن التاسع عشر.
وقد أثبت شاعر حقيبة آخر من الرعيل الأول هو: محمد علي عثمان بدري تلك اللفظة السودانية الأصيلة ” مرضان ” في قوله:
مرضان باكي شاكي فيك علاج طبيبي
قالوا ترك سكونك يا دار وين حبيبي !!
وأما إذا ما جئنا إلى شعر ما تسمى بالأغاني الوترية الحديثة، وهي أغنيات حقبة ما بين منتصف أربعينيات القرن الماضي، وحتى يوم الناس هذا، فإن فيها ملامح واضحة من التباين اللهجي على مستوى المفردات والتعابير، وذلك على الرغم من القدر الملحوظ من التقارب والتجانس بين كلام السودانيين عموما، التي صارت لهجة ام درمان المذكورة تمثل قطب الرحى والنواة الصلبة فيه، فقد استمر رواد شعراء هذه الحقبة على نفس المنوال الذي سبقهم عليه نفر من سابقيهم الذين اشرنا اليهم آنفاً من شعراء الحقيبة. ونعني بذلك الشعراء الامدرمانيين الاقحاح، او الذين صاروا كذلك بطول الاقامة والمعايشة، من امثال عوض جبريل، وعوض احمد خليفة، وعبد المنعم عب الحي، ومبارك المغربي، وعبد الله النجيب ، ومصطفى عبد الرحيم ، ومحجوب سراج ، وبشير محسن، ومحمد يوسف موسى، ومحمد علي ابو قطاطي، والسر احمد قدور، إلى جيل اسحق الحلنقي، وعمر الدوش، ومحجوب شريف، وتاج السر عباس وهلم جرا، وبالطبع يندرج معهم في ذات الفئة شعراء الخرطوم عموم مثل: حسين عثمان منصور،و إسماعيل حسن وحسن الزبير، والصادق إلياس، والخرطوم بحري مثل الشاعر والفنان الكبير عبد الكريم الكابلي إذا ما رمنا ” المحاصصة ” إياها. !
والملاحظ بهذه المناسبة، أن محمد علي ابو قطاطي مثلاً، كان جل انتاجه جارياً على نهج لهجة ام درمان المعاصرة، حتى إذا ما اضطرّه موقف وسياق ما، إلى الرجوع إلى جذوره التراثية عند أهله الجعليين الجموعية، كتب للمطرب الكبير عبد العزيز محمد داوود:
ألفينا مشهودة
عارفانا المكارم نحن بنقودا
والحارة بنخوضا ..
ركّابين عليهو الماصع أب غُرّة
نتباشر وكت نلقى الكلام حرّ
ما بنفز يمين لو متنا فد مرّة
والخواف دا مو حُرْ منو نتبرّا .. الخ
ويستمر على ذات النهج الريفي الجذل حتى في اغنية عاطفية صرفة هي أغنية: ” سواة العاصفة ” التي أداها محمد وردي:
سواة العاصفة في ساق الشتيل النيْ
وفعل السيل وكت يتحدّر يكسح ما يفضّل شي
دا كان حبك وكت حسيتو شفت الدنيا دارت بي ..
إلى ان يقول؛
أقدلي وسكتي الخشّامة
وانزلي في العوازل كيْ
وكذلك كان جل شعر إسماعيل حسن الذي تغنى به عدد من المطربين مثل وردي ورمضان حسن ومنى الخير وعثمان مصطفى، حارياً على نهج لهجة ام درمان والخرطوم الوسطية، ولكنه عاد إلى جذوره الشايقية عندما كتب لاحمد فرح ” يا حليلك يا بلدنا ” ، وخصوصاً عندما كتب لفرقة تماسيح الحماداب الأنشودة الوطنية الشهيرة ” بلادي بلادي أهلاً يا بلادي “.
ويدخل في سياق الملامح اللهجية المناطقية في الغناء السوداني ايضا وبكل تأكيد، ما عرفت بالأغنية الكردفانية التي بدات تنتشر بقوة في مناطق السودان الأخرى، بفضل الاذاعة السودانية، منذ مطلع سبعينيات القرن الماضي، وهكذا سمعنا عبد القادر سالم يغني بعربية غرب السودان عموما في اغنية ” اللوري حلّ بي “:
ميرَم العوين .. الما شافك مسكين. فالعوين هي اللفظة التي تدل على جنس النساء عموما في عربية غرب السودان وما وراءه ايضا. أما الميرم فهي المرأة الحاذقة الصناع المدبرة لشؤون منزلها، والأصل فيها انها تعني الأميرة اخت السلطان، فميركل العوين معناها : أميرة النساء والمقدمة فيهن حسناً و حكمة وتدبيرا ورأيا الخ.
وكذلك غنى إبراهيم موسى أبا بلهجة عرب البقارة حصراً فقال في اغنية ” تومتي البريدا “:
صديركي يا دوب قَمّا .. الخ
فقوله قَمّا بقاف سودانية معقودة مفتوحة تليها ميم مشددة مفتوحة، معناها: قام صدرها ، اي نبت ونمى صدرها وبرز نهداها الخ. والشاهد هو ان الفعل قام في جميع اللهجات العربية المتحدث بها في السودان، لا ينطق إلا قَمّ بحذف الالف الطالعة وتشديد القاف عند البقارة. تنبهت لذلك اكثر عندما عملت في تشاد قبل سنوات خلت.
وعودة إلى تأثير اللهجة المصرية على قاموس الغناء السوداني الذي المحنا إليه من قبل، فقد لاحظنا أن الفنان صلاح مصطفى في أغنية ” بعد الغياب ” ينطق كلمة ” شباك ” اي نافذة بكسر الشين على طريقة المصريين، وليس شُباك بضمها كما هو النطق السوداني الغالب، اي على النحو الذي نطقها به الفنان محمد الامين حين قال ” يا معاين من الشُبّاك ” بالضم. وكذلك لاحظنا أن المطرب سيد خليفة قد نطق اللفظ ” منديل ” في أغنية المنديل بفتح الميم جريا على النطق المصري، وليس المِنديل بكسر الميم كما ينطقها السودانيون عادة. ولعل السبب في ذلك هو أن مؤلف هذه الاغنية ” الصاوي عبد الكافي ” ، كان مصري الجنسية أو من أصول مصرية، وربما لم يشأ سيد خليفه أن يخالفه في النطق والله أعلم.

عن د. خالد محمد فرح

د. خالد محمد فرح

شاهد أيضاً

عن جيمي كليف والريقي وإيقاعات الغناء السوداني

بقلم: د. خالد محمد فرحKhaldoon90@hotmail.com رحل عن دنيانا الفانية قبل أيام قلائل، المغني الجامايكي الشهير …