تحالف الشيطان .. بقلم: محمد محجوب


بسم الله الرحمن الرحيم
mohsidgoub@gmail.com

ليس بمستغرب ان يتحالف مناوي وجبريل مع البرهان وحميدتي، فجميعهم يمتلك ذات التكوين وينطلق من ذات الدوافع. ولكن خطورة الامر تجسده غياب المرجعيات الوطنية والاخلاقية التي تحكم هكذا تحالف. فهم بقدر ما كانوا السبب في تدمير دارفور وتفكيك نسيجها الاجتماعي وتشريد اهلها الي معسكرات النزوح، فهم لا يتورعون عن تهديد سلامة البلاد وامن العباد لارضاء رغباتهم المنحرفة، وليس حصار البلاد اقتصاديا، ودعم الانشطة المناوئة للحكومة المدنية، وتعطيل اعمال مجلس السيادة عنا ببعيد.
واذا نحينا هذا التحالف الشيطاني جانبا، ما بال امثال عسكوري وغيره من الذين منحناهم الثقة والمحبة الزائدة، مكافأة علي مواقفهم المشرِّفة ضد الطغمة الاسلاموعسكرية الفاسدة، يرتضون لانفسهم دور المغفل النافع لذات الطغمة التي ادعوا معارضتها والنضال ضدها طوال سنين! وهذا بدوره يفتح قوس للتساؤل حول كنه الشخصية السياسية السودانية، التي تتحول من النقيض الي النقيض دون شعور بالتناقض او مجرد احساس بالحياء؟ والمؤسف لو كان هذا التناقض مجرد تشويش في الرؤية السياسية، او اضطراب في اختيار المواقف المتسقة مع الشعارات المرفوعة لهان الامر، ولكن المشكلة تتصل بعطب في المنظومة الاخلاقية التي توجه هؤلاء النفر، وكيف ان الحرص علي المغانم وحيازة الامتيازات قادر علي اراقة ماء وجههم للجنرالات، غض النظر عن مطلب التحول الديمقراطي الذي لطالما تشدقوا به وكسبوا من خلاله احترام الثوار والديمقراطيين؟!
وصحيح ان محاولة محاكاة نموذج اكتوبر وابريل في ثورة ديسمبر باللجؤ للعسكر، دون الوضع في الاعتبار ما تعرضت له هذه المؤسسة من ادلجة علي يد الحركة الاسلاموية كان فيه نوع من المجازفة، ولكن ايضا تجاوز هذه المؤسسة او الاستهانة بما تملكه من ادوات سيطرة وما تحصلت عليه من امتيازات طوال ثلاثة عقود يصعب عليها تركها، وهي بهكذا تكوين وعقيدة، هو من الاستحالة بمكان لنجاح الثورة. وعليه نجاح الثورة كان يحتاج لنوع من التسوية تضع في الاعتبار موازين القوي (داخليا وخارجيا) مع تمسك قادة او ممثلي الثورة بهدفها الاستراتيجي في التحول الديمقراطي. بمعني الرك كان علي كفاءة الطبقة السياسية، في كيفية الاستفادة مما توافر لها من مساحة حركة وحرية وحقوق، هي في الاصل محتكرة من طرف العسكر وداعميهم من المدنيين الشموليين. وهذا ما كان يتطلب تماسك الجبهة المدنية وامتلاكها لمشروعها يعينها علي مهارة التفاوض، للحصول ليس علي اعلي سقف من المطالب، ولكن الاهم تحصينها ضد الانتكاس، من خلال الضغط لتشكيل المحكمة الدستورية قبل اي شئ! لانه لا يمكن العمل دون مرجعية لحل الخلافات الدستورية، مع من امتهن انتهاك الاتفاقيات وازدراء العهود. وكذلك المشروع نفسه يضع خارطة طريق من اولوياتها، التواصل مع الثوار والاقتراب من الشارع ومراعاة هموم ومطالب المواطنين، والشفافية في التعامل داخل مؤسسات الدولة وبين الشركاء، وهو ما كان كفيل بوضع حد لتجاوزات وتغول المكون العسكري.
ولكن ما حدث ان العسكر (بتناقضاتهم) اظهروا حالة من التناغم والتماسك ووضوح الرؤية يحسدون عليها، علي عكس جبهة الثورة التي ضربتها التشققات والتباينات منذ ازاحة البشير، مما اتاح الفرصة للمكون العسكري للاستفادة منها، فهو في البداية استطاع اجبار قوي التفاوض علي الوصول لوثيقة دستورية فضفاضة، تمنح المكون العسكري السيطرة علي الجانب الامني ولا تساءله علي تعديه علي الموارد الاقتصادية، ثم تطور الامر للتدخل في تكوين الحكومة المدنية، بتسهيل وصول قوي الهبوط الناعم الي مراكز السلطة، مع الاستفاد الكاملة من ضعف خبرة حمدوك السياسية وتعويله علي الخارج عوض الثوار في الداخل. وكما ان المكون العسكري وبما يحوزه من سيطرة ونفوذ، استطاع كسب الحركات المسلحة الي جانبه وعلي الاخص قادة الحركات الاكثر انتهازية وصلات بالنظام السابق وصولا لتقاطع مصالحها معه (جبريل ومناوي). ليتم الدخول في متاهة مباحثات السلام المنقوص، التي استنزفت عام كامل من المماحكات وتعطيل كثير من الاستحقاقات الدستورية، ولتفرز تناقضات جديدة، تتحول بدورها لسلاح في يد العسكر وجبريل ومناوي لخنق الفترة الانتقالية، او الاصرار علي هندستها من جديد، بحيث تصب في صالح هذا التحالف الشيطاني، في اعادة جديدة لانتاج نظام استبدادي بواجهة مدنية، لكنه اكثر ضراوة وتلون، ومن ثمَّ اجهاض الفترة الانتقالية في خاتمة المطاف.
والمعضلة الماثلة الان ليس في استهداف الثورة او الفترة الانتقالية، فهذا معلوم منذ ازحة البشير، ولكن المعضلة تجسدها ردة فعل القوي المدنية وحكومة حمدوك علي وجه الخصوص علي هذا الاستهداف، بالتباطؤ في التعامل مع مخططات التآمر، وعدم المرونة في ايجاد حلول وسط، للخروج من المأزق الذي يهدد باختطاف الفترة الانتقالية، في حال لم يهد المعبد علي الجميع. اما مرد هذا التباطؤ، فهو ضعف الثقة لدي هذه الحكومة، نسبة لعدم الوفاء بالاستحقاقات الدستورية، بسبب ارتماءها في حضن المكون العسكري مرة، ولان التنصل من الاستحقاقات الدستورية، يخدم حمدوك في تنفيذ سياساته الاقتصادية وتدعيم علاقاته الخارجية دون اعتراض! ولكن بعد ان تازمت العلاقة بين شركاء الانتقال، نتيجة لتضارب المصالح، والحاجة لوجود حاضنة جديدة تهدهد مخاوف العسكر من مآلات وجودهم خلف الواجهة السلطوية، وتضمن بقاء نفوذ وامتيازات العسكر، كسادة علي الفترة الانتقالية وما بعدها. جعل الوصول لنقاط التقاء مع الحاضنة القديمة من الصعوبة بمكان، خصوصا وان العسكر يحاولون استخدام كل ما بيدهم بطريقة مشروعة وغالبا غير مشروعة لتحقيق رغباتهم، سواء بمشاركة مدنية خنوعة، او من خلال سيطرتهم علي كامل المشهد عبر اعلان حالة الطوارئ! والبرهان يفرغ كامل جهده للتآمر داخليا والمنافقة خارجيا، للوصول لهكذا سيناريوات.
اما الخروج من هذا النفق المظلم فيبدو متعذر دون التوصل لتسوية جديدة تعيد فتح الوثيقة الدستورية المعدلة، والاتفاق علي خارطة طريق لاكمال ما تبقي من الفترة الانتقالية، اما الخبر المحزن فهو ان هنالك قطاعات كبيرة غير ثورية ومتضررة من الايفاء باستحقاقات الثورة، اصبحت جزء من المشهد ويصعب تجاوزها دون حدوث خضة عنيفة قد تطيح بالفترة الانتقالية. اما الاكثر حزن من ذلك، ان فترات الانتقال لصعوباتها وتعقيد قضاياها تحتاج للعقلاء والحكماء لادارتها، وهذا الصنف الاخير ليس له مكان في ظل سيطرة المجرمين والانتهازيين والضعفاء علي كامل مشهد الانتقال.
ودمتم في رعاية الله.


أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!