تحديات الأسقف النقدية المخصصة للصادرات .. بقلم: ناجي شريف بابكر
3 ديسمبر, 2016
المزيد من المقالات, منبر الرأي
26 زيارة
إن عمليات تمويل قطاع الصادرات تعتبر من المهام الإستراتيجية الملقاة علي عاتق السلطات النقدية بالبلاد، والمتمثلة في العادة في البنك المركزي والمصارف التجارية، وذلك لحقيقة في غاية البساطة، وهي أن الصادرات تمثل مصدرا جوهريا لتوليد النقد الأجنبي، الذي يعتبر ترياقاً لا مناص منه لتمكين القطاع المصرفي نفسه من أداء مهامه وبعث الحياة فيه، هذا بالإضافة للدور الإستراتيجي الذي تلعبه الصادرات في تخفيض العجز المحتمل في الميزان التجاري.
.
واحدة من الحيل التي يتم إتباعها بواسطة السلطات النقدية للتحكم في تأمين النفقات اللازمة لقطاع الصادرات، تلك التي تتمثل في الأسقف الإئتمانية، حيث أن منشورات سيادية تصدرها في العادة سلطات البنك المركزي، تقوم بإلزام المصارف التجارية بتخصيص أسقف إئتمانية معلومة لتمويل أنشطة الصادرات. يتم تحديد تلك الأسقف في الغالب بناء علي صيغ حسابية مبنية علي دراسة أنماط السلوك المختلفة لقطاع الصادرات، مراحل تواقتها وتوزيعها الزماني والكمي، قممها وسفوحها، بحيث يقتصر تداول تلك الإعتمادات ما بين المصارف والمصدرين لعدة دورات، ووفق حلقات محكمة الإغلاق، خلال الموسم المعني.
.
بناء علي ما تقدم، فإذا ما أفترضنا لغرض التبسيط أن البلاد تنتج من الصادرات المختلفة ما يقدر ب (ص) طن كوحدة تناسق إفتراضية كلية، وأن متوسط سعر المقايضة العام في مراكز أسواق المحاصيل قد كان (ك) من الجنيهات السودانية، فإن جملة التدفق النقدي اللازم لتغذية عملية الصادرات خلال الموسم المعني، تصبح في حدود ك x ص. فإذا ما تمت دراسة السلوك والتتابع الزمني بحيث إتضح أن نشاط الصادرات، علي سبيل المثال، يسلك في العادة ثلاث دورات ربعية (ثلاثة أشهر لكل دورة) خلال الموسم الواحد المقدر بتسعة أشهر، فإنه بذلك يمكن للجنيه الواحد أن ينجز ثلاث دورات تداول، علي الأقل، خلال أشهر الموسم التسع. وبالتالي فإن الأسقف اللازم إتاحتها لإنجاز عملية تمويل الصادرات خلال الموسم يجب ألا تقل عما يعادل 1/3 x مضروب ك x ص.
.
هذه العملية لكي تحقق غاياتها بنجاح تام، فإن الإعتمادات المالية المواقتة والتي يتم ضخها في القطاع بواسطة المصارف التجارية يلزمها أن تنضبط بإيقاع ودقة شديدتين فيما يتعلق بالتوزيع والفواصل الزمنية التي تستغرقها تلك الأموال خلال العمليات، قبل أن يتم إستدعائها في شكل حصائل نقد أجنبي، ويلزم ذلك بالتالي المصارف بالولوج لشروط الدفع وجداول الشحن التعاقدية، في كل عملية علي حدة. ثم يتم في الحال إستبدال تلك الحصائل من العملات الحرة، لدي نوافذ الصرف بما يقابلها من العملات المحلية، ثم إعادة ضخها لحظياً في دورة تبادل جديدة، وذلك بأدني قدر من التأني والبيروقراطية. إذ أن أي قدر من التريث في إعادة ضخ الأموال يتسبب في إحداث عرقلة للتداول في الأسواق، وقصور في مقابلة جداول الشحن، ناتجة عن نقص مرحلي في الإعتمادات المالية، تتناسب في حجمها وإضرارها مع مقدار الإعتمادات التي تم تعطيلها من خلال تعقيدات العمليات المصرفية، بما يتجاوز الحد المعقول.
.
كما أن عثرات عمليات التداول الناتجة عن قصور الإعتمادات النقدية ربما تحدث أيضا ولأسباب مغايرة أخري، وبالتالي تتسبب في دفع قدر كبير من الصادرات خارج دورة التداول، وربما إحداث تراجع واضح في مقدرة السياسات الإئتمانية في تحقيق غاياتها، إذا ما سمحت المصارف لبعض عمليات التداول بتجاوز الحواجز الزمنية القصوى، التي تم وضعها وتقديرها بواسطة متخذي القرار، وفق الدراسات الدقيقة لسلوك عمليات التصدير والتي تشكلت بموجبها محددات أسقف السياسة الإئتمانية ومراحلها.
.
لذلك فإنه يتوقع من السلطات النقدية أن تكون في أعلي درجات اليقظة والحذر، في متابعة تقيد المصارف بضوابط ضخ الإعتمادات المالية والسيطرة عليها، ليس فقط لضمان أن الإعتمادات المالية المخصصة قد تم توجيهها بكامل أسقفها للقطاع المعني، بل أكثر من ذلك، للتأكد من أن هذه الأموال قد تمت إدارتها بصورة لائقة، بحيث تنعدم الفرصة لإحتجاز هذه الإعتمادات لمدد زمنية أطول مما ينبغي، في أيدي أناس يقال عنهم مصدرون، حيث أن الفشل في ذلك يقوم بإعادة توجيه تلك الإعتمادات المالية، ومن ثم إنحرافها، من تمويل أنشطة التصدير، إلي تمويل عمليات المضاربة في المحاصيل الزراعية، وتخزينها لمدد غير معلومة، مما يتسبب في حرمان القطاع وتجفيفه من كميات كبيرة من المنتجات، ومن إعتمادات التمويل المستوعبة فيها. وذلك لخروج تلك المنتجات من دورة التداول ودخولها في فترات تخزين طويلة، ترقبا لجني أرباح تبادلية إسمية. سلع وأموال ضخمة وتدفقات من النقد الأجنبي ستظل رهينة لمغامرات يثيرها قطاع من الطفيليين، نتيجة لعدم قيام المصارف أو تخاذلها، عن تنفيذ الضوابط التي تضمن إنسياب الأموال لشرايين القطاع الحقيقي، وللتفاوت في مقادير الإعتمادات، وللمنح الزمنية المنفلتة التي يتم إتاحتها لهؤلاء الطفيليين.
.
إن الكثير من الجهد واليقظة يلزم بذلهما من قبل السلطات النقدية للتأكد من أن الأسقف المخصصة لعمليات التصدير سوف تتقيد بموجهات المشرعين، وستذهب حتما لخدمة الأغراض المخصصة لها، بالطبع إن كان ذلك الأمر من ضمن الهموم التي تقلق منام مشرعي السياسة النقدية.
إنتهى
Link for Mathematical Appendix
https://dl.dropboxusercontent.com/u/66219094/Appendix%20of%20Export%20Funding.pdf
nagibabiker@gmail.com