تداعيات ثورة مصر على العالم العربي … بقلم: أ.د.الطيب زين العابدين
علق الكاتب المصري الكبير محمد حسنين هيكل في مقال له عن ثورة الشباب المصري التي أدت إلى سقوط رأس النظام الاستبدادي في مصر بقوله: لقد عبر المصريون خلال هذا الأسبوع إلى عصر الشعوب الحرة الحية. وهذا تعبير جميل ملئ بالتفاؤل والثقة والنظرة إلى المستقبل، وقد تصدقه الشهور والسنوات القليلة القادمة لأن هؤلاء الشباب استطاعوا بعزيمة وجرأة لا حد لها وفي أقل من ثلاثة أسابيع أن يقلبوا مصر رأساً على عقب ويقتلعوا أعتى النظم العربية المستبدة منذ عقود عديدة وما كان ذلك متوقعاً في تقدير أحد. ومهما كانت مآلات ثورة الشباب المصري فمن المؤكد أنها ستؤدي إلى مزيد من حرية التعبير والتنظيم في أرض الكنانة، وإلى انتخابات أكثر نزاهة وتعددية مما عهدنا في الماضي، وإلى مؤسسية أقوى في اتخاذ القرار مقارنة بحكم الفرد، وإلى احترام أكثر لحقوق الإنسان، وإلى شفافية أكثر في إدارة شؤون الدولة والمال العام، وإلى مشاركة أكبر من قطاعات الشعب المصري في قضايا بلده، وإلى تعزيز دور الأحزاب السياسية ونموها على قواعد جماهيرية وتنظيمية، بل وإلى شعور بالعزة والكرامة والانتماء الوطني أكثر بين قطاعات المجتمع المصري في الداخل والخارج، ولم لا وقد حقق شعب مصر إنجازاً غير مسبوق وغير متوقع بمواجهات وتضحيات جسام. وهذا في حد ذاته كسب كبير للأوضاع الديمقراطية الحرة التي هي بالضرورة عملية مجتمعية مستمرة تحتاج إلى وقت ليس بالقصير حتى تنضج ويشتد عودها قبل أن تصبح سلوكاً تلقائياَ بين عامة أفراد المجتمع، وهي عملية قيصرية يحتاجها العالم العربي بأسره لأنه أكثر مناطق العالم ديكتاتورية وشمولية وانتهاكاً لحقوق الإنسان. ومن المستحيل أن تستمر أوضاع كهذه إلى ما لا نهاية فالعالم كله من حولنا يتغير ويتطور ويسعى إلى المزيد من الحريات والديمقراطية والشفافية ورعاية حقوق الإنسان التي أصبحت تشمل استحقاقات سياسية واقتصادية وثقافية واجتماعية. والحرية بطبيعتها تخرج أنبل وأكرم ما في الإنسان من صفات الخير والمحبة كما أن الاستبداد يفرز أقبح ما في الإنسان من حقد وشره ولؤم، لذلك ارتبط الاستبداد في المجتمعات الإنسانية بالحروب والجريمة والفساد والظلم. وكيف تقف الشعوب العربية وحدها منعزلة عن كل تلك التطورات الإنسانية الخيّرة في أنحاء العالم؟ لقد ضاقت المسافات بين الشعوب والأقطار وقويت أسباب التواصل والتلاقي بين الشعوب عبر وسائل الاتصال الحديثة مما عزز التلاقح الفكري وتبادل التجارب والخبرات، وما عاد ممكناً لطاغية مهما بلغ من القوة والجبروت أن يقيم ستاراً حديدياً يقفل في داخله أبناء شعبه.
لا توجد تعليقات
