تعليق على مقال: مع سيد القمني…. بقلم الاستاذ/ بابكر فيصل، المنشور بسودانايل  .. بقلم: أ.د. احمد محمد احمد الجلي

بسم الله الرحمن الرحيم
تعليق على مقال: مع سيد القمني…. بقلم الاستاذ/ بابكر فيصل،المنشور بسودانايل ، في 14/اغسطس 2021م.
   قد دفعني الى قراءة المقال ثم التعقيب عليه،هو ان المقال اعادني الى ذكريات قديمة مر عليها اكثر من عقد ونصف من الزمان، حين تعرفت على سيد القمني ،ولم التق به -كما حدث لبايكر فيصل- بل تعرفت عليه من خلال مقالاته التي كان ينشرها بصحيفة الاتحاد الاماراتية تحت عنوان ” وجهات نظر” ،فقد كنت متابعا لما ينشر في تلك الصفحة،و تتبعت ما كان ينشره القمني ،ولاحظت اهتمامه بالتاريخ الإسلامي ونقده ،والتعاليم الاسلامية ومهاجمتها ،كما لاحظت عنفه في الخصومة وبذاءته في التعبير عن ارائه وهجومه الشخصي على رموز الفكر الاسلامي ومؤسساته.
وقد عبرت عن آرائي تلك فيما نشرته من تعليقات حول ما كتبه من مقالات عن البنوك الاسلامية: ” البنوك الإسلامية .. هل هي إسلامية” .والتي حاول من خلالها التشكيك في التجربة، واتهام القائمين عليها بالتضليل ،والخديعة ،والتحايل في  المكاسب، وفقا لعباراته. وقد أدهشتني اللغة التي استخدمها الدكتور ،والعبارات التي ساقها في مقالاته ،وما نعت به تجربة البنوك من اوصاف مثل: البنوك التي أطلقت اللحية، وقصرت الجلباب، ولبست النقاب(وصفا للبنوك الإسلامية) ..ومقابلته في سخرية مريرة ، بين البنوك الملتحية المتحجبة، والبنوك السافرة الخليعة. واتهامه للجان الفتاوى الشرعية للبنوك والشركات الإسلامية، وتجريدهم من اية خبرة بنظام المصارف ،ووصفهم بأنهم من الدراويش أصحاب البركات الذين ينالون العطايا والهبات المالية نظير تبريكهم  ورعايتهم !! ،فاستحقوا ما لهفوا من أموال الفقراء، إلى غير ذلك من الأساليب التي تفتقر إلى الموضوعية في التناول وعدم التوفيق في العبارات، وفي مقالة اخرى ، اشار د. القمني إلى قصة الصراع  بين العلم والكنيسة ،الذي انتهى،كما هو معلوم في تاريخ الغرب ، بهزيمة الكنيسة وتركها مجال الحياة والقانون للعلم.وبشر بحدوث الشيء نفسه للإسلام ،وعن امنياته بأن يحدث في الإسلام ما حدث في اوروبا من ثورة على الدين.الى غير ذلك من القضايا المرتبطة بنظرته السلبية عن الإسلام والمسلمين وتاريخهم ودينهم وشريعتهم.
    ولمن لم يعرف سيد قمني من القراء، فهو حسب ما ورد في الايكوبيديا ،كاتب علماني مهتهم بتفسير التاريخ الإسلامي من وجهة نظر ماركسيةـ واسقط تفسيره الايديولجي في معظم أعماله الأكاديمية ،التي تناولت منطقة شائكة في التاريخ الإسلامي.وبينما  يعتبره البعض باحثاً في التاريخ الإسلامي من وجهة نظر ماركسية ،يعتبره آخرون صاحب أفكار اتسمت بالجرأة !!!،في تصديه لفكر جماعات الإسلام السياسي،  اضافة الى  ارائه حول القرآن الكريم ـوتبنيه افكار الحداثييين حول التعامل مع النص القرآني ،والتي تخالف في عمومها، ثوابت الاسلام حول ظاهرة الوحي ولغة القرآن واسلوبه ، وأن العامل الاقتصادي، والفكر القومي العروبي لعب دورا كبيرا في نشوء الإسلام،الى غير ذلك من الاراء التي فسر بها بعض العلمانيين ودعاة الحداثة والتفسير المادي للتاريخ ،الاسلام وتاريخه وتعاليمه.
    والمهم في المقال  محور التعليق،ما وجهه السيد بابكر فيصل، من اسئلة للقمني ،حول الفتوحات الاسلامية واثرها السلبي على  البلاد المفتوحة،والصحوة الاسلامية التي واكبت ظاهرة الاسلام  السياسي وما انتهت اليه ،وقضية المرأة في الاسلام وما اثير حولها من شبهات لاسيما في قضية شهادة المرأة وميراثها،ودعاة الاسلام السياسي،وموقفهم من قضية الدين والدولة.
 وباطلاعي على ما اجاب به القمني على تلك الأسئلة ،تاكد لي ما سبق ان ذهبت اليه من تحامله على الاسلام،وتزويره لوقائع التاريخ وسؤء فهمه لقضايا الاسلام وتعاليمه. ، ومن ثم رايت ان اعقب على بعض تلك القضايا ،بطريقة موضوعية هاديئة،كما فعلت من قبل ، بعيدا عن تشنج القمني وانفعالاته الشخصية تجاه من يخالفونه الراي. ودفعا لما اثاره من شبهات وما ذهب اليه من آراء مضللة  تحتاج الى مراجعة حول تلك المسائل.
 السؤال الأول:  الفتوحات الاسلامية واثرها في البلاد المفتوحة: ذهب القمني -شأنه شان كثير من العلمانيين العرب المعادين للإسلام الى ” انه  منذ الفتح العربي لبلاد الحضارات تمت التعمية والتغطية على تراث البلاد المفتوحة، حتى صرنا نعتقد أن ثقافتنا بدأت في الحجاز زمن الدعوة الإسلامية ومع عمرو بن العاص والصحابة الآخرين الذين فتحوا تلك البلاد” .وحسب زعمه فقد تم تسييد الثقافة العربية وحدها.
وهذا راي مجاف للحقيقة والتاريخ ، ولم يقل به احد  حتى اعداء الاسلام من غلاة المستشرقين الذين ناصبوا الاسلام العداء،فقد كان الفتح الاسلامي لا سيما في الشام ومصر تحريرا لشعوب تلك المناطق من الاضطهاد الروماني والتسلط البيزنطي ،فقد سعت حملات الفتح الإسلامي إلى تحرير شعوب الشرق المضطهدة والمقهورة دينياً وحضارياً من قبل الإغريق والرومان والبيزنطيين. وقد شهدت شعوب تلك المناطق بعدل المسلمين، وحمدت سعي المسلمين لتحريرهم من الاضطهاد. كما شهد بذلك الأسقف “يوحنا النقيوسي” الذي كان شاهد عيان على الفتح الإسلامي لمصر، بأنَّ هذا الفتح الذي حرر مصر من الاستعمار البيزنطي، إنما كان بمثابة العدل الإلهي الذي انتقم الله به من ظلم الرومان واضطهادهم للمصريين الأرثوذكس “ أنظر: تاريخ مصر ليوحنا النقيوسي: رؤية قبطية للفتح الإسلامي (الأسقف يوحنا النقيوسي)، ص 201، 202، 220.
   وقد أورد الأستاذ «أرنولد» في كتابه «الدعوة إلى الإسلام» ما نصه: «ولما بلغ الجيش الإسلامي وادي الأردن، وعسكر أبو عبيدة في (فحل وهي بلدة تاريخية رومانية. تقع شرق نهر الاردن 5 كم الى الشرق من بلدة المشارع  في الأغوار الشمالية ، وهي على مسافة 26 كم من اربد و80 كم الى الشمال من عمان )، كتب الأهالي المسيحيون في هذه البلاد إلى العرب المسلمين يقولون:” يا معشر المسلمين، أنتم أحب إلينا من الروم، وإن كان الروم على ديننا، أنتم أوفى وأرأف بنا، وأكف عن ظلمنا، وأحسن ولاية علينا، ولكنهم غلبونا على أمرنا ومنازلنا،وأغلق أهل حمص مدينتهم دون جيوش هرقل، وأبلغوا المسلمين أن ولايتهم أحب إليهم من ظلم الإغريق وتعسفهم “. (: الدعوة إلى الإسلام ( سير توماس آرنولد) ،ص:73.)
 ويقول جون اسبوزيتو:”فقد رأى بعض مسيحي الشرق الذين عاشوا تحت حكم البيزنطيين أن قدوم الإسلام قد عتقهم من الضرائب الأكثر إرهاقاً،وأنه قد منحهم حرية دينية سمحت لهم بالبقاء كمجتمعات مستقلة ، وبممارسة شعائرهم الدينية.وفي هذه الحالات كان ينظر الى الإسلام بوصفه قوة سياسية محررة ،وليس شراً او تحدياً للعقيدة المسيحية”.( الاسلام والغرب عقب 11 أيلول /سبتمبر: حوار ام صراع حضاري ؟ ،(جون اسبوزيتو )، ص:4.)
  وعلى اثر الفتح الإسلامي الذي امتد على نحو قرن من الزمان ،ما بين الهند شرقاً والمحيط الإطلسي غرباً وما بين بحر قزوين شمالاً وبلاد النوبة جنوباً ، انتشر الإسلام بين تلك الشعوب ،ودخلت العديد من الشعوب في الدين الجديد  ،وانضوت تحت لواء الدولة الإسلامية أمم ،كان لمعظمها ماض حضاري تليد: كالفرس والهنود والعراقيين والسوريين والروم والمصريين ،وقد أسهمت تلك الشعوب بتراثها الحضاري، وبخصائصها وتقاليدها في تشكيل الحضارة الإسلامية،التي هي نتاجٌ لتفاعل ثقافات تلك الشعوب التي دخلت في الإسلام، سواء إيمانًا وتصديقًا واعتقادًا، أو انتماءً وولاءً وانتسابًا، وهي خلاصةٌ لتلاقح تلك الحضارات التي كانت قائمةً في المناطق التي وصلت إليها الفتوحات الإسلامية، ولانصهار تلك الشعوب في بوتقة المبادئ والقيم والمُثُل التي جاء بها الإسلام هدايةً للناس كافة.
    ولقد نجحت الحضارة الإسلامية في اختيار العناصر الصالحةِ من تلك الثقافات والحضارات، ثم مزجت بينها وأكملت نواحي النقص فيها، بحيث صار لها في النهايةِ نكهة خاصة، وشخصية مميزة استمرَّت على مدى قرون طويلة، بل ما زالت تعيش بين ظهرانَيْنا حتى الآن. واصبحت عِقْدًا تنتظم فيه عبقريات الشعوب والأمم التي خفقت فوقها رايةُ الفتوحات الإسلامية.  واذا  كانت كل حضارة تستطيع أن تفاخر بالعباقرة من أبناء جنس واحد وأمة واحدة ، فإنًّ الحضارة الإسلامية تفاخر بالعباقرةِ الذين أقاموا صرحها من جميعِ الأممِ والشعوبِ.. فأبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد،والطبري والخليل وسيبويه والكندي والغزالي والفارابي وابن رشد،والبيروني والخوارزمي،وابن سينا.. وأمثالهم ممن اختلفت أصولُهم وتباينت أوطانُهم، ليسوا إلا عباقرةً قدَّمت الحضارةُ الإسلامية -من خلالهم-إلى الإنسانية أروعَ نتاجِ الفكر الإنساني السليم.
 ومع اتساع رقعة الدولة الإسلامية واحتواءها حضارات عريقة ولغات عديدة – ترعرعت العلوم والمعارف ، وبرز ساسة ومفكرون وفلاسفة من الفرس والترك والروم واليهود ، واستطاع موسى بن ميمون أن يكتب أشهر كُتبه في أصول الدين اليهودي ، ويوجه الرسائل للجاليات اليهودية المنتشرة في العالم ؛ يحثها على التمسك بدينها وثقافتها ، وهو يعمل طبيباً للأسرة الأيوبية في مصر ، واستطاع يوحنا الدمشقي،النصراني، أن يكتب كتباً في الإلهيات المسيحية ، وهو يعمل وزيراً للمالية في قصر الخليفة الأموي في دمشق ، ، مع أن كتبهما اشتملت على غمز مباشر أو غير مباشر في الإسلام . ،ولم يكن هناك حرج أن تنتقل القيادة السياسية للعالم الإسلامي برمتها من ديار العرب ، وأن تصبح الجزيرة العربية نفسها – مهد الرسالة ، ومتنزّل الوحي – جزءاً من الإمبراطورية العثمانية (التركية) ، وأن يقود دولاً إسلامية ملوك من الترك والألبان والأكراد وغيرهم .
وهكذا يصبح القول  بتسيد الثقافة العربية،الذي ذهب اليه القمني ومن شايعه ، قول مجاف للحقيقة،وتجاهل لحقائق التاريخ،الذي يخبرنا ان اللغة العبرية نمت وتطورت في العهد الإسلامي بالاندلس،وان كثيرا من الكتاب والعلماء كانوا مزدوجي اللغة ،يكتبون بلغاتهم الاصلية واللغة العربية،كالغزالي وابن سينا الفارسيين، والفارابي التركي. اما القول بان انتشار الدولة الاسلامية ادى الى قطع الذاكرة التاريخية لتلك البلاد ،كما زعم القمني ،فيدحضه حقيقة ان اول كتاب في التاريخ ظهر في الدولة الاسلامية،كان سجلا لتاريخ البشرية ،ومن ثم اطلق عليه مؤلفة الامام الطبري ، ” تاريخ الامم والملوك” ،وان ابا الريحان البيروني، كتب كتابه الشهير :” تحقيق ماللهند من مقولة مقبولة في العقل او مرذولة”، يورخ للهند ، ويصف مجتمعاتها وقبائلها وشعوبها.
   ويبدي القمني اعجابه بالنموذج الامريكي الذي اصبحت بموجبه امريكا  -كما يقول- بوتقة تنصهر فيها مختلف الأجناس والأديان واللغات.ونسي القمني في فورة اعجابه هذه ،ما قامت به امريكا من ممارسات يندى لها جبين الانسانية، ضد السكان الاصليين حتى كادوا ان ينقرضوا ،ومارست ابشع انواع الاضهاد ضد السود الذين استجلبوا بطريقة غير انسانية،وحرموا من حقوقهم كبشر لما يتجاوز عدة قرون من الزمان ،ولم  يعطو حقوقهم الانسانية الا في منتصف القرن العشرين ،وبعد صراع عنيف راح ضحيته الالاف ،وظلت امريكا تمارس الطغيان والاستبداد وقهر الشعوب ،على مستوى العالم ،فهي اول من القى القنبلة الذرية على اليابان (هيروشيما وناجازاكي) ،وخلفت الآلاف من الضحايا  الذيت عانوا من آثارها لاجيال .ونذكر القمني، بمأسى حرب فيتنام وبشاعتها ،والتي يقارب قتلاها مليونا ونصف المليون من البشر ،ًوما ارتكبته امريكا  من جرائم في حربها على العراق وافغانستان ،ومناصرتها للظلم الذي يمارسه الصهاينة على شعب فلسطين،وبعد هذا كله نجد  القمني وامثاله يمجدون امريكا ويشيدون بها، ويسبحون بحمدها.
 السؤال الثاني،” أهل الإسلام السياسي يعتبرون أن العالم الإسلامي يشهد صحوة كبرى تحتشد فيها الجماهير المسلمة وتتوجه لحسم معركة حضارية، وهي في وجهة نظرهم صحوة باتجاه التاريخ وليست ضده.. ما هو تعليقكم؟”
 لم ير القمني في الصحوة الاسلامية خلال مسيرتها الطويلة الا الحركات الارهابية ،وما احدثته من مذابح للمسلمين قبل غيرهم،بل اعتبرت من حملوا لواء الصحوة والاصلاح كفارا، ،وحركة  طالبان التي  اعادت المرأة للمحبس البيتي وحرمانها من التعليم ،وعميت بصيرته عن طوفان الصحوة الذي عم معظم انحاء العالم الاسلامي ، تمثل في جمع من العلماء والشباب الذين اتخذوا من الاسلام منهجا ، ومن البناء طريقا لرفعة الامة ،ومن العلم سبيلا لمقارعة اعداءها من  العلمانيين واليساريين ،واصحاب المشاريع  المشبوهة ،واتخذ موقفا سلبيا من الصحوة ،ونفي تحقيقها اي تقدم لا سيما في مجال المرأة .
 ونسي القمني-وهو استاذ في التاريخ كما يزعم- ان الصحوة عبارة عن حركة بعث اسلامي ،وهي بهذا المفهوم لم توجد من فراغ ،بل هي امتداد وتجديد لحركات اسلامية,ومدارس فكرية وعلمية ،كانت من قبل في مختلف انحاء العالم الاسلامي،حاولت تجديد الدين واحياء العمل به،  بدءا من الحركة التي قام بها الشيخ محمد بن عبد الوهاب في الجزيرة العربية، والحركة السنوسية في ليبيا التي قام بها محمد بن علي السنوسي،والحركة المهدية في السودان التي قادها محمد احمد المهدي، مرورا بجهود جمال الدين الافغاني وسعيه لنشر الوعي في الامة التي كانت في حالة ثبات عميق،وداعية الحرية السياسية وعدو الاستبداد السياسي عبد الرحمن الكواكبي ،ورائد المدرسة العقلية المعاصرة ،الشيخ محمد عبده في مصر ،وتلميذه الشيخ محمد رشيد رضا ،والمربي المجاهد الذي قاوم علمانية وطغيان كما اتاتورك في تركيا، الشيخ بديع الزمان سعيد النورسي ،ورائد الحركة الاسلامية الحديثة، الشيخ حسن البنا ، الذي بدأ دعوته في مصر وكتب لها الانتشار في معظم انحاء العالم العربي والاسلامي.اضافة الى مؤسس الحركة الاسلامية في شبه القارة الهنديه ،ابو الاعلى المودودي ،ومؤسس جمعية علماء المسلمين في الجزائر عبد الحميد بن باديس ،وغيرهم من الاعلام الذي زخرت بهم ساحة العمل الاسلامي في مختلف انحاء العالم الاسلامي.
كذلك كان لحركات الجهاد الاسلامي في العصر الحديث  حافزا للصحوة الاسلامية ،ولا يخفي اثر تلك الحركات في تحرير البلاد الاسلامية، على كل دارس. ومنها حركة الامام محمد احمد المهدي في السودان،وحركة الامير عبد القادر في الجزائر، وعبد الكريم الخطابي في المغرب ،والشهيد عمر المختار في ليبيا ، والشيخ عز الدين القسام في فلسطين. وصاحب هذه الحركات الجهادية ،جهاد بالقلم والفكر فظهر اعلام في مجال الثقافة والعلم  من امثال محمد اقبال ،في باكستان،وشكيب ارسلان في لبنان، ومصطفي صادق الرافعي وعباس محمود العقاد في مصر ،ومالك بن نبي الجزائري  صاحب مشروع النهضة الحضارية  في الجزائر.وغيرهم من الاعلام الذي تركوا اثارا جليلة  كل في مجاله. واستطاعت  جهود هؤلاء جميعا ان ينفضو غبار الكسل والتخلف عن الامة، ورفعوا لواء الجهاد بالسيف والقلم ضد اعداء الاسلام من مستعمرين غزاة ومستبدين طغاة ،وقاوموا حسب جهدهم مخططات الاعداء وابطلوا مؤامراتهم لغزو العالم الاسلامي عسكريا وفكريا ،وبينوا ان الاسلام نظام شامل يتناول كل مظاهر الحياة ،ينظم امور الدنيا كما يعد الناس لحياة اخرى، ،وفي مجال الحياة الاجتماعية انشاوا المدارس والمستشفيات ،وفي مجال الاقتصاد والمال كونوا الشركات والمصارف وفقا لقواعد الشريعة الاسلامية،واسهموا في كالاقتصاد والسياسة والاجتماع والتربية وظهر قامات علمية  في كل مجال من تلك المجالات.
 فهذه الجهود والعمل الجهادي والفكري الذي كان يموج به العالم الاسلامي ،لم ير فيها اعداء الامة واصحاب المشاريع الاستعمارية ،الذين كانوا مطية للمستعمرين وحداة للغزاة والمستبدين،الا جوانب سلبية لحركة الصحوة،تنبه لها روادها ولم تغب عنهم بل دعوا الى ترشيد مسيرة الصحوة وتقويم مسارها.ولكن اعداء الامة الاسلامية،تكالبوا على الصحوة وسعوا الى اجهاضها وتعطيل مسيرتها،ونجحوا الى حد ما في ذلك،ولكن تظل جذوة الصحوة متقدة، ولن يستطيع احد استئصالها.
السؤال الثالث الذي توجه به الاستاذ بابكر الى القمني جاء كما يلي: “معلوم أن الباحث في إطار تعامله مع الظواهر الاجتماعية يستخدم مناهج في البحث تختلف باختلاف تلك الظواهر، وفي إطار تلك المناهج هناك العديد من المفاهيم التي يمكن استخدامها، ما هو المنهج أو المفهوم الذي يمكن أن تستخدمه في إطار تعاملك مع قضية المرأة في الإسلام، خصوصا في الأبعاد المتعلقة بالميراث والشهادة؟
وفي الاجابة على السؤال الذي لا تستيبن اهدافه، ركز السيد القمني على قضية المرأة لا سيما ما يتعلق بميراثها وشهادته ،وذلك عن طريقين-حسب قوله- اولهما يستند الى الدستور المصري الذي اقر المساواة بين الرجل والمرأة في الميراث ومن ثم طالب بتفعيل الدستور واقرار المساواة المطلقة ،وبنى على ذلك عدم مسألته عن الجهر بارائة بدعوى انها تخالف ما ورد في القرآن من احكام.
والطريق الاخر يتمثل في ثلاثة اشياء:
اولا: محاكمة الاسلام الى مصادره،وذكر من بينها:الاحتجاج بالتدرج في احكام الميراث في الشريعة الاسلامية ،والتدرج في الاحكام مبدأ عام في الشريعة ينتهي دوما بالحكم الثابت كما في التدرج في تحريم الخمر ،ولكن ما وقع فيه القمني من خطأ هو اعتباره التدرج منهج عام يبيح استحداث احكام كل ما دعت الحاجة لذلك.
 ثانيا: استناده الى القاعدة الاصولية التي تقول بدوران العلة مع المعلول ومن ثم تثبت العلة متى ما ثبت الحكم ومتى انتفت العلة انتفى الحكم ،وفي مسالة توريث المرأة نصف حظ الذكر، هي أن الرجل يدفع مهرها ويكفلها عمرها ويعول أفراد الأسرة،ولا ادري هل يتصور القمني في مجتمع المسلمين ان تتغير الاحكام فتدفع المرأة المهر،او يتخلى الرجال عن كفالة النساء وتعول افراد اسرتها مع مقدرة الرجال على ذلك.؟!!
ثالثاً: يزعم القمني انه ما دام الوحي قد انقطع فيجب الاجتهاد حتى في الامور القطعية،وهذا رأي مخالف لاجماع الفقهاء،الذين يقولون انه لا اجتهاد مع النص القطعي الدلالة والثبوت ،واستشهد لزعمه بقصة اجتهاد عمر والغاء سهم المؤلفة قلوبهم،واجتهاد عمر في تحريم المتعة في النساء والتمتع في الحج,.
     وهذا افتراء على عمر   ،وجهل بتلك المسائل، فعمر لم يلغ سهم المؤلفة قلوبهم،ولم يقل احد ممن له المام بالفقه الاسلامي،ان سهم المؤلفة قلوبهم قد الغي ،بل الذي يفهم مما ورد مسنودا الى عمر  :ان صنف المؤلفة قلوبهم من اصناف الزكاة انقطع من يستحقونه بعز الإسلام وظهوره ،  وهذا لا يعني نسخ الحكم  او رفعه،وإنما تعليق الحكم حال فقدان اصحابه ،ومتى ظهروا  أعطوا، وهذا ينطبق على جميع الأصناف إذا عدم منهم صنف في بعض الزمان سقط حكمه في ذلك الزمن خاصة، فإذا وجد عاد حكمه .  فالحكم في سهم المؤلفة قلوبهم  ثابت لم يلغه عمر  ،كما زعم القمني،  ولم ينسخ كما زعم البعض. ومتى وجد  من يحتاج إلى تألفه ،ويخاف أن تلحق المسلمين منه آفة، أو يرجى أن يحسن إسلامه بعد، دفع إليه .
اما متعة النساء فلم يحرمها عمر ،ولم تحرم نتيجة اجتهاد ،كما زعم القمني، بل  اجمع المسلمون-ما عدا الشيعة- على تحريمها تحريما قطعيا مستندين  في  التحريم، على نصوص  الكتاب والسنة.
أما متعة الحج، فقد صح عن عمر أنه نهى عنها، ولكن لم يكن نهي تحريم، وإنما أراد أن يختار للناس الأفضل، وهو أن يفردوا العمرة بسفر والحج بسفر، وكان يرى أن ذلك من الإتمام المأمور به، في قوله تعالى:( وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ [البقرة:196]. وإلا فقد صح عن عمر أنه قال: لو حججت لتمتعت ولو حججت لتمتعت، ويروى انه قال لرجل أحرم بالحج والعمرة معاً، هديت لسنة نبيك ﷺ .وما استدل به القمني افتراء على عمر ويدل على عدم التحقيق العلمي في مثل هذه المسائل.
   اما دعواه بان الاسلام لم يساوي بين الرجل والمرأة في الميراث والشهادة،  فقد تناولت هذه المسائل في مقال -نشر بسودان نايل منذ ما يقرب من عام -بعنوان 🙁 قضايا المرأة في المنظور الاسلامي، بتاريخ: 09 آب/أغسطس 2020م)، حيث عرضت  للشبهات التي اثيرت حول وضع المرأة في الإسلام عموما  ،ومن بينها ما ذكر  القمني  حول شهادة المرأة،وميراثها .
  ولم يكن القمني اول من اثار مثل هذه الشبهات ولن يكون الاخير ،فهذه مسائل ظلت تردد من دوائر عدة في سياق الهجوم على الاسلام واتهامه زروا بظلم المرأة والانتقاص من حقوقها. ولفائدة القراء نورد فيما يلي بعضاً مما ورد في المقال حول القضايا التي اثارها القمني.
 شهادة المرأة : قد ذهب القمني الى أن الاسلام ظلم للمرأة بجعل شهادتها نصف شهادة الرجل،وانه بهذا انتقص من قدرها وجعلها نصف إنسان. ويستشهد هؤلاء دوماً بما ورد في سياق ما عرف بآية “الدين”،وتوجيه القرآن  المدين ،وارشاده الى الاستيثاق من سداد دينه،حيث يقول الله تعالى: (وَاسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ من رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاء أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى) البقرة: 282.
ومصدر الشبهة -كما يقول د.محمد عمارة- هو الخلط بين ” الشهادة” و”الإشهاد”،الذي تتحدث عنه الآية، فالآية تتحدث عن الإشهاد الذي يقوم به صاحب الدين،للاستيثاق من الحفاظ على دينه،وليس عن “الشهادة”، التي يعتمد عليها القاضي في حكمه بين المتنازعين. فهذه الآية موجهة لصاحب الحق –الدين،وليس إلى القاضي الحاكم في النزاع.. بل إنَّ هذه الآية لا تتوجه إلى كل صاحب حق-دين-ولا تشترط من مستويات الإشهاد وعدد الشهود في كل حالات الدين.. وإنما تتوجه إلى دائن خاص،وفي حالات خاصة من الديون،لها ملابسات خاصة نصت عليها الآية.ووضعت لها شروطاً خاصة ليست بمطلوبة في التجارة الحاضرة .. و لا في المبايعات العادية.
  أما الشهادة التي يعتمد عليها القضاء في اكتشاف العدل المؤسس على البينة، واستخلاصه من ثنايا دعاوى الخصوم،لا تأخذ من الذكورة أو الأنوثة معياراً لصدقها أو كذبها،ومن ثم قبولها أو رفضها.. وإنَّما معيارها تحقق اطمئنان القاضي لصدق الشهادة،بصرف النظر عن جنس الشاهد،ذكراً أكان أو أنثى، وبصرف النظر عن عدد الشهود.. فللقاضي إذا اطمأن ضميره إلى ظهور البيِّنة، أن يعتمد شهادة رجلين،أو امرأتين،أو رجل وامرأة،أو رجل وامرأتين،أو امرأة ورجلين،أو رجل واحد،أو امرأة واحدة.. و لا أثر للذكورة أو الأنوثة في الشهادة التي يحكم القضاء بناءً على ما تقدمه له البينات.” ،(عن التحرير الإسلامي للمرأة ( محمد عمارة) ص:119.(
 وقد ذهب إلى هذا الرأي عدد من العلماء المجتهدين قدامى ومعاصرين أمثال: ابن تيمية،وتلميذه ابن القيم من القدماء،والشيخ محمد عبده،والشيخ محمود شلتوت من المحدثين المعاصرين.
 يقول ابن تيمية فيما نقله عنه تلميذه ابن القيم:” إن القرآن لم يذكر الشاهدين، والرجل والمرأتين في طرق الحكم.التي يحكم بها الحاكم،,إنما ذكر النوعين من البيانات في الطرق التي يحفظ بها الإنسان حقه،….فأمرهم سبحانه ،بحفظ حقوقهم بالكتابة، وأمر من عليه الحق أن يملي الكاتب،فإن لم يكن ممن يصح إملاؤه، أملى عنه وليُّه.ثم أمر من له الحق أن يستشهد على حقه رجلين،فإن لم يجد فرجل وامرأتان.ثم نهى الشهداء المتحملين للشهادة عن التخلف عن اقامتها إذا طلبوا لذلك.ثم رخص لهم في التجارة الحاضرة ألا يكتبوها.ثم أمرهم إذا كانوا على سفر،ولم يجدوا كاتباً، أن يستوفوا بالرهان المقبوضة.كل هذا نصيحة لهم، وتعليم وإرشاد لما يحفظون به حقوقهم. وما تحفظ به الحقوق شيء وما يحكم به الحاكم( القاضي) شيء.فإنَّ طرق الحكم أوسع من الشاهدين والمرأتين. ثم ذكر ابن تيمية عدداً من حالات البينات والشهادات، التي يجوز للقاضي –الحاكم-الحكم بناءً عليها،فقال:” إنَّه يجوز للحاكم- القاضي- الحكم بشهادة الرجل الواحد إذا عرف صدقه، في غير الحدود،ولم يوجب الله على الحكام ألا يحكموا إلا بشاهدين أصلاً.وإنًما أمر صاحب الحق أن يحفظ حقه بشاهدين،أو بشاهد وامرأتين. وهذا لا يدل على أنَّ الحاكم لا يحكم بأقل من ذلك.بل قد حكم رسول اللهﷺ بالشاهد واليمين، وبالشاهد فقط،وليس ذلك مخالفاً لكتاب الله عند من فهمه، ولا بين حكم الله وحكم رسوله خلاف..وقد قبل النبي شهادة الأعرابي وحده على رؤية هلال رمضان.وتسمية بعض الفقهاء ذلك إخبار،لا شهادة،أمر لفظي لا يقدح في الاستدلال،ولفظ الحديث يرد قوله. وأجاز ﷺ،شهادة الشاهد الواحد في قضية السلب،ولم يطالب القاتل بشاهد آخر،ولااستحله”.( المرجع نفسه ص:98، 113، 123. (
  وعللَّ ابن تيمية حكمة كون شهادة المرأتين في هذه الحالة –تعدل شهادة الرجل الواحد،بأنَّ المرأة ليست مما يتحمل عادة مجالس وأنواع هذه المعاملات. لكن إذا تطورت خبراتها وممارساتها وعاداتها،كانت شهادتها-حتى في الإشهاد على حفظ الحقوق والديون-مساوية لشهادة الرجل فقال:” و لا ريب أنَّ الحكمة في التعدد، هي في التحمل. فأما إذا عقلت المرأة،وحفظت وكانت ممن يوثق بدينها فإنَّ المقصود حاصل بخبرها كما يحصل بأخبار الديانات،ولهذا تقبل شهادتها وحدها في مواضع.ويحكم بشهادة امرأتين ويمين الطالب في أصح القولين،وهو قول مالك، وأحد الوجهين في مذهب أحمد .. والمقصود أنَّ الشارع لم يقف الحكم في حفظ الحقوق البتة على شهادة ذكرين،لا في الدماء و لا في الأموال و لا في الفروج و لا في الحدود.. وسر المسألة ألا يلزم من الأمر بالتعدد في جانب التحمل وحفظ الحقوق، الأمر بالتعدد في جانب الحكم والثبوت.فالخبر الصادق لا تأتي الشريعة برده أبداً” (إعلام الموقعين عن رب العالمين ج1 ص:90-92 ، 95 ، 103-104 طبعة بيروت 1973م..(
   وإلى مثل هذا ذهب الشيخ محمد عبده والشيخ شلتوت .فقد أرجع الشيخ محمد عبده تميز شهادة الرجال على هذا النحو-الذي تحدثت عنه الآية-على شهادة النساء ،إلى كون النساء-في ذلك التاريخ كنَّ بعيدات عن حضور مجالس التجارات،ومن ثم بعيدات عن تحصيل التحمل والخبرات في هذه الميادين.. وهو واقع تاريخي خاضع للتطور والتغيير،وليس طبيعة و لا جبلة في جنس النساء على مر العصور.واستبعد الشيخ محمد عبده ما ذهب إليه بعض المفسرين، من أن العلَّة في استبعاد شهادة المرأة في المسائل المالية،يعود إلى ضعف ذاكرة المرأة. يقول الشيخ محمد عبده:” تكلم المفسرون في هذا،وجعلوا سببه المزاج،فقالوا إنَّ مزاج المرأة يعتريه البرد فيتبعه النسيان،وهذا غير متحقق. والسبب الصحيح أن المرأة ليس من شأنها الاشتغال بالمعاملات المالية ونحوها من المعاوضات،فلذلك تكون ذاكرتها ضعيفة،و لا تكون كذلك في الأمور المنزلية التي هي شغلها،فإنَّها أقوى ذاكرة من الرجل،يعني أنَّ من طبع البشر ذكراناً وإناثاً،أن يقوى تذكرهم للأمور التي تهمهم ويكثر اشتغالهم بها.” ( الأعمال الكاملة للأستاذ محمد عبده ج 4 ص:732. دراسة وتحقيق د.محمد عمارة طبعة القاهرة 1993م.(
أما الشيخ شلتوت فيقول:” إنَّ قول الله،سبحانه وتعالى:( فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ )،ليس وارد في مقام الشهادة التي يقضي بها القاضي ويحكم.وإنَّما هو في مقام الارشاد إلى طريق الاستيثاق والاطمئنان على الحقوق بين المتعاملين وقت التعامل: ولأن الآية( آية الدين)،واردة في مقام استيثاق على الحقوق، لا مقام قضاء بها.والآية ترشد إلى أفضل أنواع الاستيثاق الذي تطمئن به نفوس المتعاملين على حقوقها. وليس معنى هذا أنَّ شهادة المرأة الواحدة،أو شهادة النساء اللائي ليس معهن رجل ،لا يثبت بها الحق،و لا يحكم بها القاضي.فإنَّ أقصى ما يطلبه القضاء هو البيِّنة. ثم أكد ما ذهب إليه ابن القيم والشيخ محمد عبده قائلاً:” هذا وقد نص الفقهاء على أنَّ من القضايا ما تقبل فيه شهادة المرأة وحدها،وهي القضايا التي لم تجر العادة باطلاع الرجال على موضوعاتها،كالولادة والبكارة وعيوب النساء،والقضايا الباطنية. وعلى أنَّ منها ما تقبل فيه شهادة الرجل وحده، وهي القضايا التي تثير موضوعاتها عاطفة المرأة و لا تقوى على تحملها.على أنَّهم رأوا قبول شهادتها في الدماء إذا تعينت طريقاً لثبوت الحق واطمئنان القاضي إليها. وعلى أنَّ منها ما تقبل شهادتهما معاً” .وقد أكد شلتوت رأيه بالاشارة إلى ما نص عليه القرآن على التسوية بين الرجل والمرأة في شهادات اللعان، حينما يتهم الرجل زوجته بالزنا، وليس له على ما يقول شهود: ( وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ شُهَدَاء إِلَّا أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ ، وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ وَيَدْرَأُ ، عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ ، وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِن كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ) النور:6-9 .فقد نص القرآن الكريم على أن يشهد الرجل أربع شهادات يعقبها استمطار لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين.ويقابلها ،ويبطل عملها، أن تشهد المرأة أربع شهادات،يعقبها استمطار غضب الله عليها إن كان من الصادقين. فهذه –كما يقول الشيخ شلتوت-عدالة الإسلام في توزيع الحقوق العامة بين الرجل والمرأة ،وهي عدالة تحقق أنَّهما في الإنسانية سواء” .الإسلام عقيدة وشريعة ( محمود شلتوت) ص:239-241 بتصرف. طبعة القاهرة 1400/1980.وهكذا نجد ان شهادة المرأة قد تساوي شهادة الرجل او تتقدم عليه،ومن ثم فإن ما ذهب  اليه القمني،وامثاله من مثيري الشبهات، من ان شهادة المرأة نصف شهادة الرجل،حكم عام في كل المواقف والاحوال يحتاج الى مراجعة وتدقيق.
الميراث:
أما بالنسبة للميراث ، ،فلا بد بداية من الاشارة إلى أنَّ الإسلام هو أول نظام يثبت للمرأة نصيباً من الميراث من أبيها وأخيها وزوجها وأرحامها،بعد أن لم يكن لها شيء من الميراث قبل هذا في النظم الأخرى.وبهذا أوقف الإسلام الظلم التاريخي الذي لحق بالمرأة من جراء حرمانها من الميراث وأنقذها من بعض النظم التي جعلتها هي نفسها جزءا من الميراث الذي يتداول. يقول الله تعالى مؤكداً حق الرجال والنساء في الميراث 🙁 لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَّفْرُوضاً) النساء:7.
كما لابد من بيان الفلسفة التي يقوم عليها نظام الميراث في الإسلام والمعايير التي تحكمه.ذلك أنَّ التفاوت بين أنصبة الوارثين والوارثات تحكمه ثلاثة معايير:
أولها: درجة القرابة بين الوارث –ذكر أو أنثى-وبين المورَّث-المتوفى-فكلما اقتربت الصلة زاد النصيب في الميراث. وكلما ابتعدت الصلة قل النصيب في الميراث دونما اعتبار لجنس الوارثين.
ثانيهما: موقع الجيل الوارث من التتابع الزمني للأجيال.. فالأجيال التي تستقبل الحياة،وتستعد لتحمل أعبائها،عادة يكون نصيبها في الميراث أكبر من نصيب الأجيال التي تستدبر الحياة وتتخفف من أعبائها،وتصبح أعباؤها عادة مفروضة على غيرها،وذلك بصرف النظر عن الذكورة والأنوثة للوارثين والوارثات-فبنت المتوفى ترث أكثر من أمه-وكلتاهما أنثى-بل وترث البنت أكثر من الأب-حتى لو كانت رضيعة لم تدرك شكل أبيها.
ثالثها:العبء المالي الذي يوجب الشرع الإسلامي على الوارث تحمله والقيام به حيال الآخرين..وهذا هو المعيار الوحيد الذي يثمر تفاوتاً بين الذكر والأنثى.. لكنه تفاوت لا يفضي إلى أي ظلم أو انتقاص من إنصافها.
ففي حالة ما إذا اتفق وتساوى الوارثون في درجة القرابة.. واتفقوا وتساووا في موقع الجيل الوارث من تتابع الأجيال-مثل أولاد المتوفى-ذكوراً وإناثاً-يكون تفاوت العبء المالي هو السبب في التفاوت في أنصبة الميراث ولذلك لم يعمم القرآن الكريم هذا التفاوت بين الذكر والأنثى في عموم الوارثين،وإنما حصره في هذه الحالة بالذات فقالت الآية القرآنية: (يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ) النساء:11،ولم يقل يوصيكم الله في عموم الوارثين.
والحكمة في التفاوت هنا تنطلق من القاعدة التي يقوم عليها نظام الميراث في الإسلام ” الغنم بالغرم”، بمعنى أن الحقوق يجب أن تتناسب مع الواجبات وإلا اختل ميزان العدل ، فالإسلام وهو يعطي المرأة نصف ما يعطيه للرجل – هو في الواقع يفضلها على الرجل،لأنَّ الإسلام يعفي المرأة من تبعات الإنفاق على الأسرة.فالرجل هو الذي يتحمل تبعة الإنفاق على الأسرة،ومنها المرأة،سواء أكان أباً لها ،أو زوجاً أو اخاً أو إبناً،كما أنَّه هو الذي يعطي المهر للمرأة ،وما تحصل عليه المرأة من ميراث أو مهر تدخره لنفسها و لا تكلف بإنفاق شيء منه- بينما ما يحصل عليه الرجل ينفق منه على المرأة –بنتاً له أو زوجةً أو اختاً أو أماً.
أمَّا إذا سقطت الواجبات في الانفاق، وخفت التبعات والمسؤوليات المالية،عندئذ تصبح الحصة في الميراث متساوية بين الذكر والأنثى،ومن ذلك:
• حال الأبوين اللذين يرثان أولادهما وكان للمتوفى ولد ذكر فلكل منهما السدس،يقول تعالى:( وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ) النساء:11.
• حال الاخوة لأم إذ يسوى بينهم في الميراث ذكوراً وإناثاً. فإن كان الوارث واحد أخ أو أخت فلكل منهما السدس،وإن كانوا أكثر من واحد فهم يشتركون في الثلث يوزع عليهم بالتساوي.( وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلاَلَةً أَو امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ فَإِن كَانُوَاْ أَكْثَرَ مِن ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاء فِي الثُّلُثِ) النساء:12.
   ففي هذه الحالات ليس على الوارثين أعباء و لا مسؤليات، لذلك تساوى فيها حق الرجل والمرأة في الميراث.مما يدل على أنَّ الزيادة فبي ميراث الرجل على المرأة، ليست لتمايز جنس الرجل والمرأة ،أو للمفاضلة بينهما. بل إنَّ استقراء حالات الميراث ومسائله يكشف ما يأتي:
1. إنَّ هناك أربع حالات فقط ترث فيها المرأة نصف الرجل
2. وهناك حالات أضعاف هذه الحالات الأربع ترث فيها المرأة مثل الرجل تماماً.
3. وهناك حالات عشر أو تزيد ترث فيها المرأة أكثر من الرجل.
4. وهناك حالات ترث فيها المرأة و لا يرث نظيرها من الرجال
أي أنَّ هناك أكثر من ثلاثين حالة تأخذ فيها المرأة مثل الرجل،أو أكثر منه، أو ترث هي و لا يرث نظيرها من الرجال ،في مقابلة أربع حالات محددة ترث فيها المرأة نصف الرجل.(د.صلاح سلطان: (ميراث المرأة وقضية المساواة) ص:10،46 طبعة دار نهضة مصر “سلسلة في التنوير الإسلامي”-القاهرة 1999).
وبهذا تبطل دعوى متطرفي العلمانيين ، ومن بينهم القمني ,وغلاة اليساريين، من ان الاسلام فرق بين الرجل والمرأة في الميراث،وانه بذلك ميز الرجل عليها،او جعلها في مرتبة ادني من الرجل.
 اما السؤال الاخير فنصه :” يقول أهل الإسلام السياسي إننا إذا كنا ننادي بفصل الدين عن السياسة باعتبار أنّ الدين يقوم على الثوابت والسياسة تقوم على المتغيرات فليست العلمانية الطريقة الوحيدة لتحقيق ذلك. الإسلام يقيم العقيدة على الثوابت ويتسامح مع العقائد الأخرى ويقيم السياسة على المتغيرات، ما تعليقكم؟
والسؤال -كما يبدو من عباراته غير واضح ،ولم يقم الاستاذ فيصل بتوضيح المراد منه ،،ومن ثم كانت الاجابة عليه من قبل  الدكتورالقمني اكثر غموضا وبعدا عن الموضوعية. اذ بدأ القمني بتوجيه الاتهام بالتلفيق والتزوير للاسلاميين ، في فهمهم للديمقراطية،لان الديمقراطية ،تتضمن  المساواة المطلقة بين الناس،وان الكثرة التعددية ليست هي المعيار،لان الاكثرية قد تنقلب الى اقلية،وهذا غير وارد في النظام الإسلامي.بل ان قول  الاسلاميين بان الاسلام يسمح بالتعددية،غش وتدليس، وكرر القمني التهمة التي ظل العلمانيون يكررونها  من ان  الاسلاميين يدعون الى التعددية السياسية، كحيلة حتى يتمكنوا من الوصول للسلطة،وعندها يتنكرون لذلك.  ووفقا لهذا المنطق ،يمكن ان ترتد  علي العلمانيين تهمة أن معظمهم يناصرون الانظمة الاستبدادية في عدائها للاسلاميين،ومن ثم فإنهم لا يؤمنون بالديمقراطية ،ومن ثم فان قولهم بالحرية المطلقة محض هراء،وأنهم غير صادقين في دعواهم بحرية التعبير المطلقة.
ثم ذكر القمني أن “اية السيف” نسخت -في زعمه- كل ايات حرية الاعتقاد،وبناء عليها -وفقا لعبارته- تمت أسلمة كل الديانات السابقة، وتم إعادتها الى حجر الإسلام.
   وواضح ان القمني اطلع على ما اثير حول اية السيف،من خلاف بين المفسرين  من انها في راي بعضهم نسخت كل ما ورد في القرآن الكريم واحاديث الرسول ﷺ ،من نصوص توجب احسان معاملة غير المسلمين، والبر بهم ،وتحث على حفظ حقوقهم، وعدم التعدي عليهم. ومن المعلوم ان هذا التفسير للآية تبنته الجماعات الارهابية، والحركات الجهادية المتطرفة . واستنادا الى هذا الفهم للاية، مارست العنف ضد مخالفيهم في المعتقد، من قطع للرؤوس واحراق للناس احياء،وهدم الآثار التاريخية وتدميرها، واعطت بذلك  صورة شائهة عن الإسلام والمسلمين،والصقت بها تهمة الارهاب .ولكن تهمة الارهاب لم تقف عند أولئك الذين قاموا بتلك الاعمال التي  أثاروا بها الفزع في نفوس الناس ونشروا الرعب في العالم  ، بل عمم الحكم على المسلمين جميعا، وسحبت التهمة على الإسلام نفسه. إذ اتهم الإسلام بأنَّه العامل الرئيس وراء تلك الأعمال ،وأنه  يأمر أتباعه بإعلان الحرب على الآخرين،وأنَّ ظواهر العنف والإرهاب التي تقوم بها بعض الجماعات التي تدعي الإسلام وتقوم بتلك الأعمال باسم الإسلام ،إنَّما هي نتاج طبيعي لتعاليم الإسلام الذي يدعو –كما يقول خصومه –إلى إقصاء الآخرين، وعدم التعايش مع غير المؤمنين برسالته،وأنه يشجع على القتل وإراقة الدماء ، واستئصال المخالفين أيًّا كانت هويتهم،وانه يكن العداء للآخر أيَّاً تكون ديانته وتوجهاته. وقد استشهد من هاجموا الإسلام بالآية الخامسة من سورة «التوبة» فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ )  على انها تحدد علاقة المسلم بالآخر المخالف في الدين والمعتقد،وزعموا بأن الفقرة الرئيسية من الآية (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ ) ، تؤكد أن الدين الاسلامي  يحرض  على قتل “”المشركين”، بل ذهب بعض الباحثين الغربيين  المتحاملين على الاسلام الى أنها تمثل الموقف الإسلامي تجاه الحرب؛ ووافقهم بعض المسلمين ،ومن بينهم القمني- هذا الرأي، وزعموا أن هذه الآية نسخت الآيات الأخرى المتعلقة بالحرب، في نفس السورة ،وبعض الآيات الاخرى التي تضع للحرب شروطا وضوابط،وكثير من الآيات التي تدعو الى السلم واحسان التعامل مع  الاخر غير المسلم .بل بالغ بعضهم بأن هذه الاية نسخت ما يقرب من مائة اية ويبدو ان معظم العلمانيين ،ومن بينهم القمني اصطفوا مع من تبنوا  هذه الرؤية عن الاسلام والمسلمين جميعا،ولم يستثنوا احدا منهم، حتى من كانوا ضحايا لهجمات اولئك المتطرفين. وتجاهلوا الفهم الاخر لما ورد في القرآن من تفسير لآيات القتال كما يقال وهذا كله محض خيال ومجرد افتراء على الاسلام ويدحض هذه الدعوى ما يأتي :
اولا ً: ؤغم إن كلمة السيف لم ترد في القرآن الكريم ،فقد ركز هؤلاء على هذه الاية ، واطلقوا عليها آية السيف،واهملوا  السياق الذي وردت فيه ، كما إغفلوا الآيات الخمس عشرة الأولى من سورة التوبة، والتي تعطي العديد من الأسباب لمحاربة هؤلاء المشركين،الذين نزلت السورة للبراءة منهم وأمرت بقتالهم. إذ أنهم كما تبين تلك الآيات، خانوا عهودهم مع المسلمين ، وأنهم بدأوا الأعمال العدائية ،بل حرضوا الاخرين ضد المسلمين، ومنعوا الآخرين من أن يصبحوا مسلمين، وطردوا المسلمين من المسجد الحرام، واخرجوهم من منازلهم. الى غير ذلك من الجرائم التى ارتكبها اولئك المشركين الذين امر الاسلام بقتالهم.
ثانيا ً: استثنت  بعض الايات من هذه الاحكام ـتلك الفيئات من المشركين الذي ابدوا سلوكا حسنا ورغبة في السلام، اذا امرت المسلمين  ان يؤمنو هؤلاء حتى يسمعوا كلام الله ،ثم  حمايتهم ختى يبلغول المكان الذي يرغبوا البقاء فيه: (وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ).التوبة: 6، كما استثني ايضا المشركين الذين لم يخونوا عهدهم مع المسلمين، وحافظوا على السلام معهم فهؤلاء  ايضا يراعى العهد معهم الى المدة المتفق عليها( كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ اللَّهِ وَعِندَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ۖ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ). التوبة:7.
ثالثاً: ان العلاقة بين الناس  وفقا للمنظور الاسلامي أساسها التعاون: فقد بين القرآن الكريم، أنَّ معيار التفاضل بين الناس هو مقدار ما يحمل كل منهم من قيم إنسانية، أو يتحلى به من تقوى كما عبر القرآن الكريم. ومن ثم فإنَّ اختلاف الناس شعوباً وقبائل لا ينبغي أن يكون مسوغاً للصراع والتنازع والفرقة.بل ينبغي أن يكون سبيلاً إلى التفاهم وتبادل المنافع والمعارف والتجارب (يَـٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَـٰكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَـٰكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا * إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ ٱللَّهِ أَتْقَاكُمْ * إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (الحجرات:13. ومن ثم دعا الاسلام إلى السلام بين الأمم والشعوب، وبين المجتمعات المتعددة الأجناس، المختلفة الأعراق واللغات والثقافات والعقائد، وحمل تلك الدعوة والتزم بها المسلمون، وذلك قبل أن تلتزم دول العالم -بمقتضى ميثاق الأمم المتحدة سنة 1948م -بعدم اعتداء بعضها على بعض، وبحل المنازعات بينها بالطرق السلمية.وقد أقام الإسلام دعوته إلى السلام على الأسس التالية:
أ-قد أمر الله المسلمين أن يتجهوا إلى السلم والدخول فيه، فقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ)، البقرة: 208. وحث المسلمين على قبول السلم إذا رأوا من أعدائهم ميلاً له، والاستجابة لدعوة السلام إذا صدقت نية الطرف الآخر في التوصل إليه. يقول تعالى:)وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (، الأنفال: 61. وقوله تعالى: (فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْاْ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً)، النساء: 90، فهذه الآيات البينات، جاء فيها الأمر بقبول السلم من غير المسلمين إذا جنحوا إليه، ولم يبادروا المسلمين بعداوة أو قتال.
ب-.-شجع القرآن الكريم وحث المسلمين -في العديد من الآيات-على إحسان الصلة بمن يخالفونهم في الدين والعقيدة، ودعاهم الى الالتزام بمبدأ العدل في معاملة غيرهم، والبر بهم ما داموا غير مقاتلين، ولم يعتدوا على المسلمين.كقوله تعالى 🙁 لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ). الممتحنة:8.
ج-أمر الإسلام بأن تبدأ علاقة المسلم بالآخر، بدعوته إلى الإسلام، وان يكون ذلك عن طريق الحوار والجدال بالحسنى، والموعظة الحسنة، فقال تعالى: (ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) النحل:125. وتطبيقاً لهذا المنهج الرباني، قام الرسول  بإرسال الرسل وكتابة الكتب إلى أمراء زمانه وحكام الدول آنذاك داعياً إياهم إلى الإسلام، كما أمر رسله ومبعوثيه إلى القبائل أن يبدأوهم بالدعوة الى الإسلام،وعرض رسالته عليهم،وإقناعهم بها.
د- الحرب في الإسلام ضرورة وليست إستراتيجية،أعلن القرآن الكريم أنَّ القتال أمر مكروه ،واستثناء وليس القاعدة ،وهو ضرورة تقدر بقدرها .وليس هو السبيل إلى تقدم الأمم وتطور المجتمعات وازدهار العلوم والحضارات كما تدعي بعض الفلسفات،كما انه ليس الاساس الذي ينبغي ان تقوم عليه العلاقة بين الناس. يقول الله تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ) البقرة . كما قيد الإسلام الحرب بقيود تهدف إلى تضييق نطاقها، والتخفيف ما أمكن مما يترتب عليها من مآس وآلام، ومن ثم فإنَّ الحرب في الإسلام لا تشرع إلا في الحالات التالية:
1. الدفاع عن النفس: قد شرع الإسلام -في العديدمن الآيات القرآنية-القتال وأاحه للمسلمين في حال الإعتداء عليهم أو ظلمهم أو مقاتلتهم. كقوله تعالى 🙁 وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ ، وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاء الْكَافِرِينَ ،فَإِنِ انتَهَوْاْ فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) ، البقرة: 190-192، وهذا حق مشروع كفلته كل القوانين البشرية والأديان السماوية والوضعية ،وأباحت لمن اعتُدِيَّ عليه أو ظُلِمَ أن يدفع عن نفسه العدوان، ويرفع الظلم الذي يقع عليه.
2. الرد على من نقض العهود: كما شرعت الحرب في الإسلام للرد على نقض المعاهدات ونكث العهود من قبل الآخرين، أو سعيهم في الكيد للإسلام والمسلمين. يقول سبحانه وتعالى: (وَإِن نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُواْ فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُواْ أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ) التوبة، 12.
3. – درء الفتنة: قد يشرع القتال لدرء من أراد فتنة المسلمين عن دينهم، والسعي بالفساد بينهم، وتهديد سلامة المجتمع والدولة الإسلامية. يقول الله تعالى: (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ فَإِنِ انتَهَواْ فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ)، البقرة، 193.
4. – رد الظلم: كما تجوز الحرب لرد الظلم ورفع الاضطهاد عن المستضعفين، ومن لا قدرة لهم ولا حيلة على رد العدوان.يقول تعالى:( وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَـذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيّاً وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيراً)، النساء: 75.
  وتاريخ المسلمين، رغم ما وقع فيه من حروب وصراع بين بعض الفئات الإسلامية وبينهم وبين غير المسلمين هنا وهناك، ، فهذا التاريخ شاهد على ما ساد العلاقة بين المسلمين والآخرين من تسامح وتعاون وحسن تعامل، وكان ذلك التاريخ إنعكاساً لتعاليم الإسلام وقيمه التي حددت العلاقة مع الآخر وفقاً لضوابط معينة وأسس واضحة، تقوم على البر والإحسان وحسن المعاملة والإنصاف والعدل في الخصومة في السلم والحرب. قال تعالى 🙁 لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ “)، الممتحنة: 8.  بل إنًّ ذلك السلوك الإنساني الراقي كان عاملاً مهماً من عوامل انجذاب الناس الى هذا الدين ودخول الناس فيه والإقبال عليه.( يراجع : علاقة المسلم مع غير المسلم في المنظور الإسلامي بين المبادئ الإسلامية والممارسة العملية،بقلم .أ.د. أحمد محمد أحمد الجلي، سودانايل  20 أيلول/سبتمبر 2020م).
ahmedm.algali@gmail.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

البرهان كطاغية يتشوَّق للطغيان!! .. بقلم: عبدالله مكاوي

abdullahaliabdullah1424@gmail.com بسم الله الرحمن الرحيم يبدو ان البرهان ككل طاغية مستبد، يطابق بين بقاءه في …

اترك تعليقاً