علاء خيراوي
■ قبل خمسة وعشرين عاماً، وفي الأيام والأسابيع التي أعقبت الحادي عشر من سبتمبر، وجد المسلم الأمريكي نفسه فجأة مطالباً بأن يثبت أنه ليس عدواً للبلد الذي يعيش فيه؛ يشرح دينه، ويدافع عن اسمه، ويبرر وجوده، ويحاول أن يقنع جاره وزميله بأن الإسلام ليس مرادفاً للإرهاب. واليوم، بعد ربع قرن، لا تزال آثار تلك الصورة موجودة؛ بل إن دراسة حديثة لمركز بيو للأبحاث (Pew) أظهرت أن ٥١٪ من الأمريكيين باتوا يرون أن الإسلام أكثر ميلاً من الأديان الأخرى إلى تشجيع العنف، مقابل ٢٥٪ فقط بعد ستة أشهر من هجمات سبتمبر ٢٠٠١. والمفارقة أن المسلمين، في الوقت نفسه، لم يكونوا في أي مرحلة من تاريخ أمريكا أكثر حضوراً في مؤسساتها السياسية مما هم عليه الآن؛ فعددهم ارتفع إلى نحو ٥.٥ ملايين، وهناك وفق أحدث حصر لمجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية (CAIR وCAIR Action)؛ ذراع العمل السياسي التابع لمجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية. ٢٥٥ مسلماً ومسلمة يشغلون مناصب انتخابية في ٢٦ ولاية، بينهم ١١٠ نساء و١٤٥ رجلاً، من المجالس المحلية ومجالس التعليم إلى برلمانات الولايات والكونغرس. أي أننا أمام ظاهرتين تتحركان في اتجاهين متعاكسين؛ ازدياد خطاب الخوف من الإسلام من جهة، وازدياد دخول المسلمين إلى قلب المؤسسة الأمريكية من الجهة الأخرى.
■ وليس مصادفة أن يتحول الإسلام نفسه إلى قضية في انتخابات التجديد النصفي الجارية. ففي الأسابيع الأخيرة تصاعد خطاب جمهوري يستهدف مرشحين مسلمين وتجمعات إسلامية بصورة جعلت رويترز (Reuters) تصف المسلمين صراحة بأنهم أصبحوا قضية انتخابية في انتخابات ٢٠٢٦. نائب الرئيس جي دي فانس ذهب إلى وصف المرشح الديمقراطي لمجلس الشيوخ في ميشيغان عبد السيد بأنه “شرير جداً”، وحاكم تكساس غريغ أبوت أعاد الحديث عن “محاكم الشريعة”، بينما حذر السيناتور تومي توبرفيل من “الإسلام الراديكالي”. هذا ليس مجرد خلاف سياسي مع مرشحين بعينهم؛ ففي كثير من الحالات تجاوز النقد برامجهم إلى أسمائهم وعقيدتهم وهويتهم، حتى أصبح من المشروع وصف أجزاء واسعة من هذا الخطاب بأنها إسلاموفوبيا انتخابية تستثمر الخوف الديني لأغراض سياسية. لكن السؤال الأهم ليس لماذا يهاجم الجمهوريون هؤلاء المرشحين، وإنما؛ لماذا الآن؟
■ في تقديري، لا يمكن فهم هذه الموجة بعيداً عن ثلاثة تحولات كبرى ضربت السياسة الأمريكية في السنوات الأخيرة. أولها غزة. فالحرب التي بدأت بعد أكتوبر ٢٠٢٣ لم تغيّر النقاش حول فلسطين فحسب، وإنما هزت أيضاً واحداً من أقدم ثوابت السياسة الأمريكية؛ الحصانة الاجتماعية والسياسية شبه المطلقة التي تمتعت بها إسرائيل لعقود. الأرقام هنا لا تحتاج إلى تفسير أيديولوجي؛ ففي ٢٠٢٢ كان ٦٧٪ من الأمريكيين ينظرون بإيجابية إلى الإسرائيليين، وانخفض الرقم في ٢٠٢٦ إلى ٥٢٪، بينما ارتفعت النظرة السلبية إلى الحكومة الإسرائيلية إلى ٦٢٪. والأكثر أهمية أن ١٦٪ فقط من الديمقراطيين باتوا ينظرون بإيجابية إلى الحكومة الإسرائيلية، وبين الأمريكيين تحت الثلاثين لا تتجاوز النظرة الإيجابية إليها ١٨٪، بينما ينظر ٥٨٪ من الفئة العمرية نفسها بإيجابية إلى الفلسطينيين مقابل ٣٢٪ للإسرائيليين. هذه ليست نهاية النفوذ الإسرائيلي في واشنطن، فالقول بذلك سيكون تبسيطاً ساذجاً، لكنها بلا شك نهاية مرحلة كان فيها الانحياز لإسرائيل قليل الكلفة سياسياً، وانتقادها عالي الكلفة. ثم جاءت الحرب الأمريكية الإيرانية في ٢٠٢٦، بطولها وكلفتها البشرية والاقتصادية والسياسية، لتعيد مرة أخرى أسئلة الحرب والسلام والشرق الأوسط إلى قلب الانتخابات، في وقت تبحث فيه إدارة ترامب والجمهوريون عن خطاب تعبوي يستطيع تغطية مشكلات الاقتصاد وارتفاع الأسعار والقلق من استمرار الحرب.
■ ومن قلب هذه التحولات خرج زهران ممداني، وربما لهذا تحديداً أصبح الرجل مصدر قلق يتجاوز الحزب الجمهوري إلى قلب المؤسسة التقليدية داخل الحزب الديمقراطي نفسه. فممداني لم يكتفِ بأن يكون أول مسلم يصل إلى عمودية نيويورك، ولم يحوّل فوزه إلى مهرجان هوية، بل شرع منذ دخوله رئاسة بلدية نيويورك (City Hall) في اختبار السؤال الذي يخشاه خصومه الحقيقيون؛ماذا لو نجح هذا النموذج في الحكم أيضاً؟ خلال أشهر قليلة حصلت إدارته، بالتعاون مع الولاية، على ١.٢ مليار دولار لوضع نيويورك على طريق الرعاية الشاملة للأطفال، وأقر مجلس تنظيم الإيجارات تجميداً تاريخياً للإيجارات في الشقق الخاضعة للتنظيم، بما فيها أول تجميد لعقود السنتين في تاريخ المدينة، كما أعلنت إدارته موازنة تنفيذية للسنة المالية ٢٠٢٧ بقيمة ١٢٤.٧ مليار دولار متوازنة بالكامل، من دون رفع ضريبة العقارات أو اللجوء إلى تخفيضات واسعة في الخدمات. وهذه إنجازات لا تعني أن كل وعوده اكتملت؛ فالنقل المجاني والإسكان والرعاية الشاملة للأطفال ما تزال ملفات قيد التنفيذ وبعض مؤشراتها دون الأهداف المعلنة، لكنها تكفي لإسقاط الصورة التي حاول خصومه رسمها عنه باعتباره شاباً أيديولوجياً يستطيع الفوز بالشعارات ولا يستطيع إدارة أكبر مدينة أمريكية. والأخطر بالنسبة لخصوم ممداني أن نجاحه لم يبقَ محصوراً داخل مبنى البلدية. لقد بدأ يتحول إلى قوة سياسية تُنتج فائزين آخرين. ففي الانتخابات التمهيدية الديمقراطية في يونيو، دعم ثلاثة مرشحين للكونغرس فازوا جميعاً، وأسقط اثنان منهم نائبين قائمين، كما نجح خمسة آخرون دعمهم في انتخابات تشريعية على مستوى الولاية. ولم تُخفِ قيادات ديمقراطية نافذة انزعاجها من ذلك؛ فقد قلل زعيم الأقلية في مجلس النواب حكيم جيفريز الديمقراطي، وآخرون من دلالات انتصاراته، بينما وصفت اسوشيتيد برس (Associated Press) صعوده صراحة بأنه اختبار لاستعداد الحزب الديمقراطي نفسه للتغيير. هنا يصبح الخوف من ممداني مفهوماً؛ الجمهوريون يخشون هويته وبرنامجه، أما جزء من المؤسسة التقليدية داخل الحزب الديمقراطي (Democratic establishment) فيخشى نجاح طريقته؛ لأنه إذا استطاع شاب مسلم اشتراكي ديمقراطي أن يهزم مرشحي المؤسسة، ثم يدير نيويورك من دون الانهيار الذي تنبأوا به، ثم يحوّل شعبيته إلى ماكينة انتخابية تهزم مرشحين آخرين للمؤسسة، فإن السؤال لن يعود؛ هل ممداني استثناء؟ بل؛ كم ممداني آخر يمكن أن تنتجه المدن الأمريكية؟ وهذه هي النقطة التي تجعل قصة ممداني أكبر بكثير من ديانته. فالرجل لم يطلب من الناخبين أن يحبوا الإسلام، ولم يبنِ حملته على مظلومية المسلمين، وإنما دخل إلى أكثر الملفات التصاقاً بحياة الناس: الإيجار، ورعاية الأطفال، والمواصلات، والأسعار، والخدمات اليومية. وحتى تقرير الأداء الأول لإدارته، رغم ما كشفه من تعثر في بعض أهداف الإسكان والتعليم المبكر، سجل انخفاضاً يقارب ٢٠٪ في جرائم القتل وأكثر من ١٦٪ في حوادث إطلاق النار، إلى جانب زيادات في إصلاح الحفر والخدمات البلدية. لهذا فإن قوة ممداني الحقيقية لا تأتي من كونه “سياسياً مسلماً” بقدر ما تأتي من أنه جعل الناخب ينسى أحياناً هذه الصفة وهو يحكم عليه باعتباره عمدةً ينجح أو يفشل في حل مشكلاته. وهنا تكمن المفارقة التي تربك خصومه جميعاً؛ الجمهوري يريد أن يجعل الإسلام محور الحديث، والمؤسسة الديمقراطية تريد أن تجعل الاشتراكية محور الحديث، بينما يصر ممداني على إعادة الحديث إلى الإيجار والحضانة والحافلة وثمن البقالة. فإذا استمر هذا النموذج في تحقيق نتائج ملموسة، فإن القلق منه لن يتراجع؛ بل سيزداد، لأن أخطر ما يمكن أن يحدث لمؤسسة سياسية قديمة ليس أن يظهر خارجها محتج غاضب، وإنما أن يظهر داخل النظام نفسه جيل شاب يثبت للناخبين أن هناك طريقة أخرى للحكم والفوز معاً. وأرى أن جملة “الجمهوريون يخشون هويته وبرنامجه، أما جزء من المؤسسة التقليدية داخل الحزب الديمقراطي فيخشى نجاح طريقته”
■ هنا تحديداً تكمن مشكلة الحزب الجمهوري مع الجيل الذي أمامه. الجمهوريون يخوضون المعركة بأدوات ٢٠٠١ ضد أبناء ٢٠٢٦. الصورة القديمة كانت عن مهاجر جاء إلى أمريكا وهو يحمل لغته ولهجته وثقافته وذكريات وطن آخر، ويمكن عزله بسهولة في خانة “الغريب”. أما كثير من شباب المسلمين الذين يصعدون اليوم فقد ولدوا هنا أو تشكل وعيهم كله هنا؛ مدارسهم أمريكية، وجامعاتهم أمريكية، ولغتهم الإنجليزية ليست لغة اكتسبوها بعد الهجرة بل لغة طفولتهم، وثقافتهم السياسية أمريكية، ونكاتهم وموسيقاهم وفرقهم الرياضية وذاكرتهم الاجتماعية جزء من الذاكرة الأمريكية نفسها. وحين يقف ممداني أو عبد السيد أمام ناخب أمريكي شاب، فإن العلاقة ليست علاقة :مسلم يشرح نفسه لأمريكي”، وإنما أمريكي مسلم يتحدث إلى أمريكي آخر عن مشكلة مشتركة. وهذه نقطة جوهرية؛ لأن خطاب التخويف من “الغريب” يفقد جزءاً كبيراً من قوته عندما يكون الشخص الذي تريد تصويره غريباً قد نشأ في الحي نفسه، ودرس في المدرسة نفسها، ويتحدث بلهجة المدينة نفسها، ويحمل الهموم الاقتصادية نفسها.
■ بل إن المفارقة الأشد إثارة أن المجتمع الأمريكي نفسه لم يتحرر تماماً من الإسلاموفوبيا حتى نفسر صعود هؤلاء بأن أمريكا أصبحت فجأة أكثر تسامحاً. بيانات لمركز بيو للأبحاث (Pew) تقول العكس في بعض المؤشرات؛ ٥٩٪ من المسلمين أنفسهم يقولون إن هناك تمييزاً كبيراً ضدهم، و٥٩٪ يرون أن الإعلام يصور المسلمين بصورة غير عادلة. لذلك فإن قصة النجاح ليست أن أمريكا تخلصت من أحكامها المسبقة، وإنما أن جيلاً مسلماً جديداً تعلم كيف يتحرك رغم وجودها؛ لم ينتظر تغير المجتمع كله حتى يدخل السياسة، بل دخل السياسة ليشارك في تغيير المجتمع. وهذه في رأيي واحدة من أهم الفوارق بين جيل الآباء وجيل الأبناء. الأول كان مشغولاً بتأمين مكان له داخل أمريكا؛ الثاني ولد وهو يعتبر هذا المكان ملكاً له بالقدر نفسه الذي هو ملك لأي أمريكي آخر.
■ ولهذا أعتقد أن الحزب الجمهوري سيخسر، على المدى الأبعد، المعركة التي يحاول خوضها ضد هذا الجيل، حتى إن ربح بعض جولاتها الانتخابية الآن. سيخسرها ليس لأن الأمريكيين جميعاً أصبحوا يحبون المسلمين، ولا لأن الإسلاموفوبيا انتهت، ولا لأن نفوذ إسرائيل اختفى من واشنطن؛ بل لأن الخصم الذي يريدون إخراجه من أمريكا خرج هذه المرة من قلب أمريكا نفسها. تستطيع أن تخيف الناخب من المهاجر، لكن ماذا تفعل مع ابن مدينته؟ تستطيع أن تقول له إن الإسلام ثقافة غريبة، لكن ماذا تقول عندما يكون المرشح المسلم أكثر إلماماً بمشاكل الحي والمدرسة والإيجار والتأمين الصحي من خصمه؟ تستطيع أن تستدعي الحادي عشر من سبتمبر ألف مرة، لكن جيلاً كاملاً من الأمريكيين أصبح اليوم لا يتذكر ذلك اليوم أصلاً؛ بل إن ١٠٪ من البالغين الأمريكيين الحاليين ولدوا بعد ٢٠٠١، وبين الشباب من هم لم يعرفوا الهجمات إلا من كتب المدرسة. التاريخ يتحرك، حتى حين يصر السياسيون على الوقوف مكانهم.
■ وبين أمس واليوم مسافة أكبر من خمسة وعشرين عاماً. إنها المسافة بين مسلم كان يخشى أن يُسأل بعد ١١ سبتمبر؛ هل أنت أمريكي حقاً؟ وبين جيل مسلم يدخل مجلس المدينة وبرلمان الولاية والكونغرس ويطرق الآن أبواب مجلس الشيوخ ليجيب بطريقته الخاصة؛ لسنا ضيوفاً على أمريكا كي يقرر أحد متى تنتهي إقامتنا السياسية فيها. نحن جزء من هذه البلاد، ولدنا من تحولاتها، ونتحدث بلغتها، ونحمل تناقضاتها، ونختلف داخلها كما يختلف بقية الأمريكيين، ونريد نصيبنا من حق تحديد مستقبلها. ولهذا فإن المعركة القادمة لن تكون في حقيقتها حول ما إذا كان المسلمون سيجدون مكاناً في السياسة الأمريكية؛ ذلك المكان أصبح موجوداً بالفعل. المعركة الحقيقية ستكون حول حجم ذلك المكان، ومدى تأثير الجيل الذي خرج هذه المرة، لا من وراء البحار، بل من قلب أمريكا نفسها.
