تقرير التنمية البشرية 1990-2020: أوقات غير مؤكدة، وحياة غير مستقرة .. بقلم: الصادق عبدالله عبدالله

تقرير التنمية البشرية 1990-2020
Human Development Report The

أوقات غير مؤكدة، وحياة غير مستقرة
Uncertain Times, Unsettled Lives:
Shaping our Future in a World in Transformation

بقلم: الصادق عبدالله عبدالله
31.12.2021

مقدمة:
في نهاية كل عام وبداية أخر، أليت أن أكتب في موضوع عام. إن كان يخص الناس مافراد او مجتمع او مؤسسات. ومن ضمن إهتماماتي الراتبة، أن اطلع وأن استهلص شئيا من تقرير التنمية البشرية العالمي HDR الذي يصدر في الأشهر الاخيرة من كل عام. على الاقل لكي يؤثر ويوجه واضعي السياسات في بلدانها ببعض الأولويات وكثير من الحقائق. ويقولون في المنظمة for information sharing and conceptualization of the best practices .
وبحسب هذا الإهتمام والإلتزام، ولعمري : وما أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله). قد لاحظت غياب تقرير التنمية البشرية للعام 2021. لأجد إعتذارا مبطناً اصدرته المنظمة الدولية من نيويورك. أن مرض كوفيد -19 قد تسبب في خسائر فادحة في الأرواح وسبل العيش في جميع أنحاء العالم. وأن المرحلة ليست مرحلة عابرة. فالوباء هو نافذة على واقع جديد على البشرية، حيث التعقيد وعدم اليقين هي السمات المميزة.
وأن تقرير التنمية البشرية لعام 2021/22، المقرر إصداره في نهاية الربع الثاني من عام 2022، سيصدر تحت عنوان (أوقات غير مؤكدة، حياة غير مستقرة: تشكيل مستقبلنا في عالم يتحول. وأن التقرير خو استمرار لخيط تقرير التنمية البشرية لعامي 2019 و2020، سيتحدث التقرير عن عدم المساواة، وعدم اليقين وتأثيرات الصحة العقلية؛ والاستقطاب السياسي، ولكن أيضًا، وسيبحث التقرير في كيف يزدهر الجميع.
وسوف يستكشف التقرير كيف يتغير عدم اليقين لدى الإنسان، وما الذي يحركه، وماذا يعني بالنسبة للتنمية البشرية وكيف يمكن الازدهار، رغم على الرغم من ذلك. فليست كورونا لوحدها، لكن تغير المناخ، مثال أخر على التغيرات الكوكبية الجديدة والخطيرة، التي تزيد من حالة عدم اليقين التي تضع مجتمع البشرية على المحك؟؟ !! ولا أدري إذا ما السودان قد سلم تقريره القطري للتنمية البشرية للعام 2020، والذي يستفاد منه لتقرير 2021. الغريب أن أول تقرير من هذه الشاكلة إطلعت عليه، كان ذلكم تقرير البنك الدولي للعام 2003، تحت عنوان: التنمية المستدامة في عالم دائم التغير.
أما فكرة تقرير التنمية البشرية The Human Development report وكيف ابتدعها محبوب الحق وسانده صديقه أمارتيا سن، فستسرد لاحقاً. ومنذ عقدين على الأقل، انتظمت (الصادق عبدالله)، بحكم تخصصى في التنمية، وبحس الإعلامي، ظللت أتطلع في شهري أكتوبر ونوفمبر من كل عام إلى النسخة الجديدة من تقرير التنمية البشرية الذي تعده وتقدمه للعالم منظمة الامم المتحدة، تحديدا، برنامج الامم المتحدة الإنمائي.
فقد انتظمت المنظمة الدولية منذ مطلع 1990 انتظمت الامم المتحدة في إستصدار التقرير السنوى للاتنية البشرية في العالم. وقد اصدرت المنظمة الدولية حتى تاريخه (نهاية السنة 2021) تحديداً ثمانية وعشرين تقريراً. فقد اندمج التقرير مرتين لعامين متواليين، وقفز سنة عندما تغيرت استراتيجية التنمية: من أهداف الالفية (2000-2015) إلى استراتيجية التنمية المستدامة (2016-2030)، التي نعيش ظلالها حتى نهاية العقد الجاري.
فقد ناقش تقرير التنمية البشرية سنوياً، وعلى مدى ما يقارب الثلاثين نسخة سنوية، محورا أو أكثر من محاور التنمية. فقد صدرت النسخة الأولى عام 1990، باعتبارها تقرير الأساس، حيث تم تبني فكرة محبوب الحق. كان إذ ذاك محور التقرير وموضوعه هو مفهوم وقياس التنمية البشرية وأن التنمية تعنى بتوسيع خيارات الناس. ثم توالت النسخ 1991، 1992، و1993 لتبحث موضوعات تمويل التنمية، وكيف يكون إلزام الدول تجاه التنمية بتوظيف الموارد والتي هي وسيلة التنمية الاولى. وأن الموارد ليست غاية التنمية (تقرير 1991). ولقد أنحشر بطريقة ما موضوع فتح الأسواق واستخدام الأسواق العالمية لصالح جميع الدول وجميع الناس وكيف لها أن تلبي احتياجات البشر (تقرير 1992). وكان لفتح الأسواق نتائح شهدناها الان بتربع الصين على قمة السوق العالمي. ثم تقرير التنمية البشرية 1993 الذي ناقش مسألة المشاركة الشعبية في التنمية عقب انهيار العديد من الأنظمة الاشتراكية، وظهور المنظمات الشعبية في جميع أنحاء العالم. وهذا ما فتح المجال لمسمى الجمعيات الطوعية والأذرع الجديدة، مقابل النقابات التي وظفتها الحركات الإشتراكية والشيوعية على مدار سبعة عقود، انتهت بالعام 1990 عام إعلان النظام العلمي الجديد، الذي نعيش أثاره حتى اللحظة. نعم لقد دخل وحل وظل وباض وأفرخ النظام العالمي الجديد.
وفي زمن النزاعات (بعد إنتهاء الحرب الباردة) ناقش تقرير التنمية البشرية لعام 1994 أبعاد ومفاهيم الأمن البشري، بمنظورات وطني وعالمي للأمن البشري. كما أعطي تقرير التنمية البشرية 1995 قضية النوع ناقش قضية النوع الاجتماعي. إذ يحلل التقرير التقدم المحرزالوضع في الحد من الفوارق بين الجنسين في العقود القليلة الماضية. ثم استكمالاً لتقرير الأساس وتقرير التمويل، وضيطاً للمفهوم ناقش تقرير التنمية البشرية 1996 بأن التنمية البشرية هي الغاية وأن النمو الاقتصادي وسيلة وأن النمو الاقتصادي الذي لا يدار بشكل صحيح لا يرحم ولا ركز يحقق مستقبلاً افضل. ثم تبعه تقرير التنمية البشرية 1997، الذي كان يناقش قضية القضاء على الفقر في كل مكان هو أكثر من واجب أخلاقي – إنه احتمال عملي. وأن العالم لديه الموارد والمعرفة لخلق عالم خالٍ من الفقر. ثم وتقرير التنمية البشرية لعام 1998 عن الاستهلاك من أجل التنمية البشرية وأن النمو في الاستهلاك في القرن العشرين لم يسبق له مثيل من حيث نطاقه وتنوعه. وتقرير التنمية البشرية 1999 كان الحديث فيه عن العولمة (النائج الفعلي للنظام العالمي الجديد) وإثراء حياة الناس في كل مكان.
ثم كان تقرير التنمية البشرية 2000 أحد أهم التقارير الذي ناقش موضوع حقوق الإنسان لتأمين الحرية والرفاه والكرامة لكل إنسان. وأن لا تنمية بلا حرية. وهذه افكار أمارتيا سن، التي نادة فيها بأن التنمية حرية وأن الديمقراطية أكتشاف إنساني نبيل. وقد تجاء لاحقاً تقرير التنمية البشرية لعام 2002 الذي ناقش تعميق الديمقراطية في عالم مفكك، وكيف تشكل السلطة السياسية والمؤسسات – الرسمية وغير الرسمية، الوطنية والدولية – للتقدم البشري. وكان من قبله تقرير التنمية البشرية 2001للعام، الذي استصحب أن التقنيات الجديدة وكيف تنشأ مهمة أن تستخدم التكنولوجيا لتحسين الحياة.
وتلى ذلك تقرير التنمية البشرية عام 2003، الذي ناقش المواثيق بين الدول لإنهاء الفقر. ولم ينس تقرير التنمية البشرية 2004 أن الحرية الثقافية في عالم اليوم المتنوع مهمة لاحترام الأعراق والاديان واللغات، كمتطلبات للعيش بسلام. وأن هناك حاجة إلى سياسات تضع اعتبارا للتعدد. ثم كان تقرير التنمية البشرية لعام 2005 الذي ناقش شأن التعاون الدولي في التجارة والأمن وسلط الضوء على التكاليف البشرية للأهداف الضائعة والوعود المنكوبة. ونبه إلى عدم المساواة الشديدة بين البلدان وداخل البلدان. هل ياترى برزت الفوارق مع ذهاب النظام القديم وظهور النظام الجديد، عندما رفعت الدولة المركزية الدعم من كل السلع والخدمات، وعلى راأسها التعليم؟
أما تقرير التنمية البشرية 2006، فقد كان يبحث عن ما وراء الندرة في السلع الاساسية للحياة الطاقة وأزمة المياه العالمية. وتبع ذلك تقرير 2007، 2008 المدمج، والذي اعتنى بتغير المناخ، ودعا إلى التضامن البشري في عالم منقسم. وأن تغير المناخ هو التحدي الأساسي للتنمية البشرية في القرن الحادي والعشرين. وسيؤدي عدم الاستجابة لهذا التحدي إلى توقف الجهود الدولية للحد من الفقر وسيعاني أفقر البلدان والمواطنون الأكثر ضعفاً. وتطرق تقرير التنمية البشرية عام 2009، لقضية الإنتقال والهجرة والتغلب على العوائق. والهجرة لعمري سلبت الإنسان الحرية. إذ فتحت الدول الباب واسعاً لإنتقال السلع والخدمات وحجمت الإنسان ليبقى الفقير في مكانه يعاني الفقر والجهل والمرض.
ثم تذكر مرة اخرى في تقرير عام 2010، أن التنمية هي الإنسان. وأنه الثروة الحقيقية للأمم هي الإنسان. ثم يتبعه تقرير التنمية البشرية لعام 2011 بعنوان الاستدامة والإنصاف، ليذكر الدول والمؤسسات لمعالجة التحديات العالمية الملحة للاستدامة والإنصاف معًا – ويشير لتحديث السياسات على المستويين الوطني والعالمي التي يمكن أن تحفز التقدم المتبادل لمستقبل أفضل للجميع، ولعل ب(صعود الجنوب) أن ثمة شيء من الإنصاف قد تحقق. ليغيب تقرير عام 2012، ليصدر تقرير التنمية البشرية 2013 بعنوان صعود الجنوب. أي صعود دول الجنوب بقيادة الهند والصين والبرازيل وجنوب افريقيا تقدم الإنسان في عالم متنوع. فقد تفوقت الصين على اليابان كثاني أكبر اقتصاد في العالم.
كذلك كان تقرير التنمية البشرية لعام 2014 تذكيرا بعنوان “استدامة التقدم البشري، الحد من الضعف وبناء القدرة على الصمود. وايضاً كان نوع من التمهيد للإستراتيجية الجديدة (التنمية المستدامة 2016-2030). ثم تقرير تقرير التنمية البشرية لعام 2015 ، الذي يذكر بالإنسان كهدف ومقصد للتنمية، ويبحث في قضية البطالة، ليصدر تحت العنوان : العمل من أجل التنمية البشرية، والذي كان كذلك يمهد نوعاً ما لحقبة التنمية المستدامة. مؤكداً أن مفهوم العمل أوسع وأعمق من مفهوم الوظائف والتوظيف فقط. وهو تقرير يحاول أن يبرر أن تقليل البطالة ممكن. ثم تقرير التنمية البشرية 2016، الذي دشن استراتيجية التنمية المستدامة (2016-2030) بمنظور التنمية البشرية للجميع، ولا تدع أحداً خلفك.
ثم غابت تقارير 2017، 2018، ليصدر تقرير 2019 يتحدث عدم المساواة في التنمية البشرية في القرن الحادي والعشرين. وأن أكثر الناس في كل بلد لديهم احتمالات ضئيلة لمستقبل أفضل. ثم تقرير 2020 الذي يحمل عنوان الحدود التالية : عصر لأنثروبوسين، باعتبار أن البشرية تعيش حقبة جيولوجية حديثة (العصر الجيولوجي البشري). وفكرة العصر الجيلوجي البشري فكرة لم يتفق عليها، لكن لعمري حذلقة ما يدفعها غلاة الأكاديميين. والأفضل أن توضع الكرة أرضاً. لتكون جملة التقارير الصادرة حتى نهاية ديسمبر 2021 وصلت إلى 26 تقرير.
خلاصة أن تقارير التنمية البشرية السنوية، الستة وعشرين، قد اسست لمفهوم التنمية البشرية، وصنعت لها مؤشرات، وطورت مؤشرات التنمية البشرية إلى مؤشرات التنمية المستدامة، هذا بإدخالها لمؤشرات وقياسات الإستدامة البيئية، ليكون الناتج قياس التنمية الإنسانية إلى جانب بيئة الأرض. وقد استعرضت التقارير المختلفة المفاهيم التنموية المختلفة، من تحديات ومفاهيم وقضايا ذات أولوية. و على مر النسخ التي قاربت الثلاثين، تظهر حالة الخوف والرجاء من تحديات وتعقيدات تتفاقم وموارد محدودة ودعوة للإلتزام والمشاركة لتحقيق أهداف التنمية. والناتج العام يلخصه عنوان التقرير القادم: أوقات غير مؤكدة، وحياة غير مستقرة. وإذا أضيف لها ما ورد بأن فرص الأفراد في تحسين حيواتهم تظل محدودة إلى غير ممكنة، يمكن القول أن التحديات ماثلة إلى إشعار آخر.
فكرة تقرير التنمية البشرية
The Human Development Report Concept
قد يبدوا هذا التقرير غريباُ، عند تاخير هذا الجزء. لكت الكاتب تعمد هذا، ليضخ النتائج أولاً، لمن يستعجل النتائح. ويبقى الفكرة والطريقة لاحقاً.
ولتقرير التنمية البشرية رؤية ونظرية وقصة فريدة. كان صاحب الرؤية والنظرية التي أخترعت التقرير هو ووزير الاقتصادي الباكستاني ذات مرة الدكتور محبوب الحق (فبراير 1934ـ يوليو 1998) . تتلخص نظرية محبوب الحق: بأن قياس التنمية في العالم يجب أن يكون محوره الإنسان، وليس غيره. فقياس الإقتصاد ومؤشراته من الدخل والصرف واستهلاك السلع وحجم الإنتاج ومن بعده الصادرات والورادات، كل ذلك ليس تنمية. إنما التنمية هي تنمية الإنسان. وقياس التنمية ينبغي أن تكون مؤشراته هي خصائص الإنسان، من حيث الجوع والكفاية، ومن حيث التعليم والجهل، ومن حيث الصحة والمرض، ومن حيث وفيات أطفاله ونسائه الحوامل، من حيث مسكنه ان نزوحه. جملة من حيث الموت أو الحياة ورغد العيش أو بؤسه. ثم دعم الفكرة صديقه الهندي وزميل الدراسة أمارتيا سن (1933 )، الذي كتب التنمية حرية وأن الديمقراطية هي أحد أفضل مخترعات الإنسان في القرون العشر الأخيرة. ولقيت فكرة محبوب الحق رحمه الله هوي ومنطقاً في اساتذة التنمية ومنظمات التنمية الدولية، فصارت نموذجاً يحتذى
ولابد وينبغي لغرض هذا السرد والتوثيق أن نقول أن عالمنا السوداني الذي اثر في مسار، ليس تقرير التنمية البشرية فحسب، لكن أثر في مسار التنمية، وإلى يوم الدين إن شاء الله، وزير خارجية، ووزير تربية ووزير شباب السودان الاسبق المرحوم الدكتور منصور خالد محمد عبد الماجد (يناير 1931 – 2020). الذي حرر بقلمه (من ألفه إلى يائه) حرر تقرير مستقبلنا المشترك (توجد منه نسخة عربية مرنة ضمن سلسلة عالم المعرفة)، المعروف بتقرير لجنة برونتلاند. والمعلوم أن استراتيجية التنمية المستدامة (2016-2016) قد أخذت لحمتها وسداها من تقرير (مستقبلنا المشترك) الذي أعد وتم تسليمه قبل مطلع التسعينيات. وكما السياسة، فالصراع بين المدارس محتدم. فاستراتيجية التنمية البشرية (2000-2015)، أخذت قوامها من إعلان ألماآتا، في 1978، لتعزيز الصحة والتنمية، وزينته باعلات روما في ذات الحفبة للامن الغذائي. أما تقرير منصور خالد فقد أرجئ، حتى جاءت السماء بدخان مبين (الإحترار وغازات الدفيئة). أرجو أن تتاح لهذا الكاتب فرصة للكتابة عن تاريخ التنمية (sadigabdala@gmail.com).
عموما الفكرة المحورية لتقرير التنمية البشرية تتمثل في أن التنمية بدلاً من أن تقاس بالمؤشرات الاقتصادية التي تشمل معدل نمو الاقتصاد ومعدل دخل الفرد والناتج القومي الإجمالي وما يلي ذلك من مؤشرات. وبناءاً على ذلك تتم قراءة حالة التنمية في قطر ما أو مجتمع ما. ومن ثم كان تصنيف دول العالم إلى دول الدخل العالي (العالم الأول)، دول الدخل المتوسط (دول العالم الثاني أو الدول النامية) ودول الدخل المنخفض (العالم الثالث أو دول الدخل المنخفض). ثم أصبحت في وقت ما أن الحالة التنموية تقاس باستهلاك البشر من الحديد أو الأسمنت أو الورق أو الطاقة، حتى قيست يوما بكم موتور تستخدم في حياتك، من محرك السيارة وحتى ماكينة الحلاقة، مرورا بمكيف الهواء والمروحة وخلاط الفواكه في المطبخ.
فقد رأي محبوب الحق، أن مؤشرات الاقتصاد لا تعكس حال الناس ومستوى معيشتهم. وحالتهم التنموية. فلا بد أن تقاس التنمية البشرية بمؤشرات أخرى غير مؤشرات المال والاقتصاد والانتاج والاستهلاك. فأقام محبوب فكرة تقرير التنمية البشرية التي تقيس النمو عبر واقع السكان ومؤشرات الولادات وحالة الصحة والمرض والموت والعجز. وحالة التعليم والقدرة على القراءة والكتابة ومعدلات فرص العمل الكريم والعيش الكريم ومعدل العمر عند الموت، وحالة حقوق الإنسان وحالة مشاركته في القرارات التي تؤثر على حياته، إلى غير ذلك. سانده في ذلك زميله العالم الهندي أمارتيا سن. ومن هناك طوّر خبراء المنظمة طرائق انتاج تقرير التنمية البشرية بشكل راتب منذ العام 1990. لتكون نسخة العام 2020 هي النسخة رقم 28 (وقد دمجت نسختي 2007 و2008).
منهجية اعداد تقرير التنمية البشرية
The Report Compilation (Structuring) Methodology:
يعتمد تقرير التنمية البشرية العالمي على نتائج تقارير الدراسات والمسوحات والأوراق العلمية التي تقدمها مؤسسات وعلماء البحوث والإحصاء وورش العمل. يسر الحاسوب المهمة ليخرج النتائج من بين مصفوفات ومتناثرات إلى نتائج واضحة للعيان. يبقى دور العلماء وواضعي السياسات استنساخ النتائج والتفاكر حولها والتعليق عليها ومن ثم استصدار التقارير وانتاج السياسات التي تضع الإنسان في قلب العمل التنموي. وقد اعتاد كل تقرير أن يغطي مفاهيم وقضايا التنمية البشرية بصورة اساسية، وفي ذلك لا ينسى ايراد البيانات كاملة بكل المؤشرات.
وكل نسخة من التقرير تعتبر خلاصة لمعلومات مصادر مفتوحة، ودراسات موضوعوية يشترك في تجميعها وتلخيصها الألوف من الأفرد نساء ورجالا، لانتاج منتج واحد لكل العالم اسمه تقرير التنمية البشرية. وخلال ثلاثين عام غطى التقرير شتى مفاهيم، أبعاد ومجالات التنمية البشرية والتي شملت، الفكرة، القياس، التمويل المشاركة، الأمن، المساواة بين الجنسين، النمو الاقتصادي، الفقر، الاستهلاك، القضايا الإنسانية، حقوق الإنسان، التقنية لخدمة التنمية، الديمقراطية، الحرية الثقافة، المعونة والتجارة، أزمة المياه، تغيّر المناخ، الهجرة والتنقل البشري، الثروة، الإنصاف، نهضة الجنوب، درء المخاطر، العمل إلى أن وصل للنسخة 2019 الخاصة بالنظر في ابعاد عدم المساوة بين الناس.
معامل التنمية البشرية Human development Index
من جملة الخصائص البشرية يبنى التقرير مؤشر التنمية البشرية على رقم واحد صحيح، باعتباره قمة التنمية.. فالدولة التي تحرز من التنكية ما يقارب الرقم الصحيح تكون أعلى في سلم التنمية، وغيرها يكون نصف أو اقل يكون في أدنى سلم التنمية البشرية. ويستخلص الواحد الصحيح من عدة مؤشؤات فرعية لخصائص البشر في التعليم والصحة والخدمات وحالة النزوح والاستقرار، يكون مجموعها هو الواحد الصحيح.. وتكون النتيجة دراسة التنمية البشرية في كل دولة طنطاق جغرافي بشري يتقاس التنمية البشرية فيه بذات المنهجية التي تقاس بها التنمية في كل دول العالم. وبهذا البعد اعتمد مؤشر التنمية البشرية كمقياس عالمي يحوي قائمة الدول من اعلاها تنمية بشرية إلى أدناها.
معنى العالم الأول والثاني والثالث والعالم الرابع:
احتفظ تقرير التنمية البشرية بالتقسيم الذي ورثه من تقارير التنمية الاقتصادية قبله، التي قسمت الدول إلى أربعة فئات تنموية.. الفئة الأولي هي دول التنمية البشرية المتقدمة (كان يعرف بالعالم الأول)، دول التنمية البشرية العالية (العالم الثاني)، دول التنمية البشرية المتوسطة (العالم الثالث)، ثم دول التنمية البشرية المنخفضة، وهي العالم الرابع، وقد اختفى مصطلح العالم الرابع (تأدباً)، بل يقال الأن (الدول الأقل نموا). وبصدور تقرير التنمية البشرية سنوياً تجد كل دولة حالتها في العليم والرفاه والصحة والاقتصاد، تجد مكانها بين الدول، فدول لها الصدر من العالمين، ودول اخرى لها الصبر!! ولا يجد التقرير القبول من الكل، خاصة تلك الدول التي تتقهقر أو تأتي متأخرة. لئن تأتي متأخراً في ذيل التقرير، خير من ألا تأتي (لأن ذلك يعني الدولة غير موجودة حتى في خارطة الدول). فبعض الدول فقط يشار لها باسمها لعدم وجود امكانية حتى للتقييم.
معدل التنمية الأعلى هو الرقم (1) صحيح:
يقوم التقرير بحساب نسب كل خصيصة (أو خاصية إن شاء البعض) تنموية من الرقم واحد صحيح. ثم يكون ناتج كل الخصائص هو المتوسط . أي أن التقرير يبني مؤشر التنمية البشرية على رقم واحد صحيح، باعتباره قمة التنمية. فالدولة التي تحرز من التنمية ما يقارب الرقم الصحيح تكون أعلى في سلم التنمية، وغيرها يكون نصف أو اقل يكون في أدنى سلم التنمية البشرية. ويستخلص الواحد الصحيح من عدة مؤشؤات فرعية لخصائص البشر في التعليم والصحة والخدمات وحالة النزوح والاستقرار، يكون مجموعها هو الواحد الصحيح.. وتكون النتيجة دراسة التنمية البشرية في كل دولة كنطاق جغرافي بشري يقاس التنمية البشرية فيه بذات المنهجية التي تقاس بها التنمية في كل دول العالم. وبهذا البعد اعتمد مؤشر التنمية البشرية كمقياس عالمي يحوي قائمة الدول من اعلاها تنمية بشرية إلى أدناها.
يبقى دور العلماء وواضعي السياسات استنساخ النتائج والتفاكر حولها والتعليق عليها ومن ثم استصدار التقارير وانتاج السياسات التي تضع الإنسان في قلب العمل التنموي. وقد اعتاد كل تقرير أن يغطي مفاهيم وقضايا التنمية البشرية بصورة اساسية، وفي ذلك لا ينسى ايراد البيانات كاملة بكل المؤشرات.
ولعمري معامل التنمية البشرية لا يزال محتفظا ببريقيه بل إزداد بريقا، لما يحتوبه التقرير من تحليل تفصيلي لكافة المؤشرات الفرعية.. فمن يريد أن يتعرف على واقع الدول في أهداف التنمية المستدامة بطريقة متعددة الأبعاد، في المساواة، التنوع الحيوي، الصحة، التعليم، وغير ذلك فسيجد متعته في التقرير. والتقرير جدير بأن تفرد له مساحة إعلامية مفتوحه. ذلك أن التنمية مسار ممكن.
ما ورد في هذا الإيجازيحاول أن يلفت النظر لتقرير التنمية البشرية، نسخة 2020. لكن التقرير عبارة خلاصة معرفية عميقة ودفيفة. فعلى أكثر من 400 صفحة يورد التقرير تفاصيل رقمية ونصية ورسوم بيانية وتحليلات عميقة للتنمية وعلاقاتها ومؤشراتها. جاء ذلك في ثلاثة اقسام وستة ابواب بملحقاتها. فيما عرفه التقرير بأن الناس و الكوكب مقبلون على عصر جيولوجي جديد تحت مسمى العصر البشري (الأنثروبوسين)، تماما كالعصور الجيولوجية التاريخية. والتحدي الذي يلخصه التقرير ويعكسه أنه بعد كل الجهود: أن الشقة واسعة بين البشر انفسهم..

أما الجديد في تقرير 2020 فقد أدخل مقياس البصمة المادية لكل قطر ومقدار ما ينتجه من ثاني أكسيد الكربون. فالمؤشر الجديد يضع علامة سالبة أمام الاقطار ذات الإتمادية الاعلى على موارد الأرض، للتنيه لسلامة الكوكب مع رفاه الناس. وبهذه القياس تفقد بعض بلدان التنمية المتقدمة مواقعها وإن قل. ففس دول الدخل العالي نجد أن بعض البلدان التي تستثمر في موارد الأرض قد فقدت بعض مواقعها.. بل أن بعض البلدان قفزت من معدلات أقل إلى ظهور مفاجئ ضمن قائمة الدول ذات موشرأت التنمية المرتفعة.. وتشمل أقطار: بنما، كوستاريكا ، صربيا، جورجيا وموريشس، ظهرت هناك لاول مرة. الجدول المرفق يبين أقطار التنمية شديدة الإرتفاع (66 دولة من جملة 189 دولة).
ثم دول التنمية المرتفعة (48 دولة) والتي تقودها دولة شيسلز (مائة ألف نسمة) والتي كانت في القائمة الاعلى في العام الفائت. يلاحظ أن حلت محلها دولة جزيرة موريس المجاورة. جدير بأن تذكر الصين العملاقة والتي تقدمت بجدارة خلال ثلاثة عقود، لتحتل الرقم 85.. ومن افريقيا تظهر الجزائر، تونس، ليبيا (مع الحال)، جنوب افريقيا، مصر.. كما تجدر الإشارة إلى أن فلسطين تحتل الرقم 115.
فدول التنمية المتوسطة (37 دولة)، وتتوسطها الهند، العملاق الآخر (131). تبدأ فيها بعض الدول الافريقية باطلالتها البهية.. على راسها المغرب، الرأس الاخضر، ناميبيا، غانا، كينيا، غينيا الاستوائية، زامبيا، انقولا، الكونقو براوافيل، ويمبابوي و الكاميرون ثم جزر القمر (156).
ودول التنمية البشرية المنخفضة (36 دولة زائدا خمسة غير مصنفة). وكلها دول افريقية ما عد اثننتين هما اليمن وهاييتي. وفي الخمس غير المصنفة تظهر الصومال.
أما السودان فيحتل الرقم (170) مشتركا مع هاييتي، بين كل من أفغانستان في العدوة الأعلى وقامبيا وتليها اثيوبيا في العدوة الأسفل. والسودان قد نال هذا المقعد بعد أن دخل للالفية في الرقم (143)، ثم صعد قليلا لعدد أربعة سنوات.. ومنذ العام 2007، بدأ يفقد موقعه في الدوري حتى استقر مكانه مؤخرا. والسودان بحساب وفرة الموارد موقعه يعتبر داخل مجموعة العشرين. وتظل تحديات التنمية البشرية العالمية من فرص المساواة والمشاركة والعمل معا لاستدامة كوكب السودان.

تقرير التنمية البشرية امتحان مفتوح :
فتقرير التنمية البشرية بحث علمي تفاعلي وامتحان مفتوح، يشرح فيه خبراء المنظمة كيف ترصد الدرجات، وتستجيب لأي دولة تطلب منها المساعدة في اعداد التقرير. ولا ترفض أن تستخدم الدولة خبراءها الوطنيين. كما تستخدم البيانات الصادرة من الاجهزة الحكومية من المدارس والمستشفيات ومعسكرات النازحين وهيئات الماء والكهرباء والبنوك المركزية ومخزون الطعام وحالة اصحاح البيئة وسلامة نقل والتخلص من النفايات ومدي انتشار دورات المياه وأنواعها. ومن ثم يعد التقرير. ثم بعد صدور التقرير تستعد المنظمة للاستجابة لأي دولة تطلب مراجعة النتيجة إذا شكت فيها. وتعلن للملأ أن نصوص تقارير التنمية البشرية تتوفر على موقع المنظمة العالمية على الرابط .http://hdr.undp.org في أكثر من عشرين لغة، كما تتوفر أوراق البحث حول التنمية البشرية، والوثائق الساندة وقواعد بيانات مؤشرات التنمية البشرية في البلدان، وتتوفر شروح حول المصادر والمنهجيات المعتمدة في حساب أدلة التنمية البشرية، والملامح القطرية، وغيرها من المواد المرجعية التي يبني عليها التقرير والمنهجيات المعتمدة في حساب أدلة التنمية البشرية.
وتعلن المنظمة الدولية بأن خبراءها على استعداد أن يحضروا بأنفسهم أو أن يدعوا خبراء القطر الذي يرغب في ذلك لزمان ومكان سوى. وقد انخرطت الدول في انتاج تقاريرها. والسودان كانت أول تجاربه عام 1998م، ولم يراوح التقرير منضدة النقاش في قاعة بجامعة الخرطوم. ولحسن الحظ أو غيره، كان هذا الكاتب شاهداً على العصر. وقد حدث أن دولة (افريقية) واحدة على الأقل اعترضت على نتيجة التقرير واتفق معها بعد المراجعة بتعديل بعض محتويات التقرير، فكسبت بعض النقاط التي أهلتها إلى موقع مختلف في مصفوفة التقرير. بل وقد نالت دول اشادات وشهادات تقديرية في انجاز محاور تنموية بصور استثنائية، مثل سريلانكا في تقليل وفيات الامهات، واثيوبيا في رفع معدلات ادراج التلاميذ في المدارس. وربما نالت كوستاريكا شهادة في تسريح جيشها بكامله.

تقدم وتراجع في التنمية البشرية:
خلال الثلاثين عاماً، وبحساب مؤشرات التنمية البشرية، فقد أحرزت دولًٌ عديدة تقدماً في مؤشر التنمية البشرية، وكذلك موقعا في قائمة الدول. فحققت بعض الدول مكاسب كبيرة في الصحة والتعليم، هذا رغم تواضع دخلها. بالمقابل أخفقت دول أخرى في تحسين ظروف مواطنيها رغم ثراء الموارد الاقتصادية لديها على مدى عقود. بل أن النمو الاقتصادي قد يحدث ولا يعود رفاها على السكان. وقد ثبت أن وراء التحسن إرادة سياسية ثابتة وقيادة شجاعة والتزام بقضايا التنمية الأساسية.
وقد تبين أن كثيرا من الدول الأشد فقراً أحرزت مكاسب كبيرة في سبل التنمية البشرية. ومنها بلدان حققت معجزات في التنمية البشرية، مثل اندونيسيا، كوريا (الجنوبية) والصين تونس وعمان ونيبال. حيث كان التقدم ملحوظاً في التنمية البشرية غير المرتبطة بالدخل. ومن الدول الإفريقية إثيوبيا يوما ما، قد (نالت جائزة التقدم في التعليم)، بتسوانا بنين وبوركينافاسو كانت ضمن البلدان التي أحرزت تقدماً واضحاً في مجال أو أكثر. وقد كانت الصحة والتعليم هما المحرك الرئيس في عملية التقدم.
كما إنه من المؤسف أن بلداناً أخرى تراجع ترتيبها حسب دليل التنمية البشرية عما كانت عليه في تقرير 1990. في معظم الحالات كان وراء عملية التراجع حالات النزاع التي تسود المجتمع، وانتشار الأمراض الخطرة، خاصة الإيدز وسوء الإدارة الاقتصادية، وتدهور البيئة الطبيعية. فالبلدان المتقهقرة تعاني عاملا ً أو أكثر من العوامل المذكورة. وأن دولاً مثل كوستاريكا (حلت جيشها) وكوبا تمكنت من تحقيق تنمية فاقت دولاً أخرى تماثلها في مستوى الدخل.
ومن النتائج أن النمو الاقتصادي وحده لا يحقق التنمية البشرية، فلا بد من سياسات مناصرة للفقراء. وأن تقشف الدولة أحياناً ينزل ثقله على الفقراء وليس على مظان الصرف الباذخ في الدولة. كما أنه من النتائج أن الإزدهار هو وقت التقشف وليس التقشف وقت الركود. كما أن التقشف في مصروفات التعليم يؤدى لركود التنمية البشرية على المدى الطويل.

أنماط جديدة من عدم المساواة:
أما الجديد في الأمر، أنه ورغم المكاسب المتحققة على نحو واسع في الخدمات الأساسية، إلا أنه تأكد أنّ أنماطا جديدة من عدم المساواة قد أطلت. فرغم تحقق المكاسب فقد ظل التفاوت كبيرا داخل المجتمعات بدرجة ملفتة. ومنه سيطرة بعض الفئات على الموارد الطبيعة من أراضي ومياه ومناجم،، وبعض الفئات نالت مكاسب بسبب تبنيها لتقانات متقدمة. وفئات مهاجرين أغنياء وسكان أصليين فقراء وعكس ذلك مهاجرون فقراء مقابل أصليون أغنياء.. هذا مع بقاء فئات أخرى دون موارد هذا في ظل تغير مناخي وتدهور بيئي خاصة لفئات المزارعين والرعاة. وبالطبع النزاعات والحروب تسببت في كوارث ماحقة. وهذا التفاوت يظهر في الحرمان من فرص التعليم العام والعالي، وفي الحرمان من الحصول على التكنولوجيا. والتفاوت الكبير في مداخيل الافراد، بل وفقدانهم ثرواتهم وتأكل مدخراتهم. وبعض عدم المساواة ينشأ في أحوال كثيرة منذ الولادة أو حتى قبل الولادة.

عدم المساواة في القرن الواحد وعشرين:
تقرير التنمية البشرية للعام 2019، هو التقرير للعام رقم 25على التوالي.. أي سبقته التقارير بذات الرسالة (التنمية البشرية) مع الطرق على موضوع مختلف في كل تقرير. نطاق التقرير أن يغطي كل الدول المنتمية للمنظمة الدولية ليغطي التقرير نحو 189 دولة من الدول الاعضاء. ولقد أصبح تقرير التنمية البشرية هو المرآة المقعرة التي تكبر الصورة بتفاصيلها الدقيقة. لترى كل دولة تقاسيمها الخاصة بتنمية مواطنيها. بل كل فرد يطلع على التقرير بتمعن سوف يرى نفسه ضمن موضع ما. ويخلص التقرير سنويا بقائمة الدول، واين موقع كل دولة في ذلك. فهناك الدولة التي تحقق المركز الاول في التنمية البشرية. وبالطبع هناك الدولة الاخيرة في معدلات التنمية البشرية في كل عام. وبالطبع هناك صعود للقمة والبقاء قيها لبعض الوقت، قم فقدان لبعض المراكز، أو حتى دحرجة نحو ذيل القائمة..
ولقد عالج التقرير في المرة الأهيرة (2020) عالج مسألة عدم المساواة بين الناس، في وقت جاء فيه شعار استراتيجية التنمية المستدامة لا نترك أحدا دون تنمية Leave No One behind.. مشيراً إلى إنه رغم كثيراً من التقدم المحرز في الخدمات الأساسية للتنمية، إلا أن مجتمع العولمة ليس على ما يرام. فقد نما كثير من الشك وعدم الثقة في النظم الحاكمة وأن النتيجة أن تتعالى الأصوات أمام كل أزمة، في الوقود كانت، أو المواصلات أو خلاف ذلك، مما ينبيئ عن حالة نفسية وإحساس بفوارق عميقة، هذا، رغم تقلص الفوارق الظاهرية في الملبس والطعام .. وأن التفاوت في امتلاك التقنية الأن أصبح أحد أهم المؤشرات في الفوارق. فالحاجة للانترنت مثلا انتقلت من خانة الكماليات إلى خانة الضروريات الملحة للتواصل والتعليم والتسوق والعلاج وبيع المنتوجات. هذا في وقت تتفاقم عوامل تغير المناخ والنزاعات بين المجتمعات المتساكنة، حتى التي كانت يوما متجانسة على نحو كبير. وترصد الدراسات أن عدم المساواة يبدأ منذ الولادة وما قبلها، ومن ثم يؤثر في حياة الكثيرين من الاطفال والبالغين والمسنين، ويؤثر على قدرة الأجيال في الاستفادة من فرص التنمية. وأن القرن الجديد تكتنفه الكثير من المخاوف.

لا يزال التفاوت واسع الإنتشار:
لكن تظل الفروق الأساسية في الحرية، الصحة والتعليم والصمود إذاء الأزمات هي القاعدة الأساسية للأنطلاق. يضاف لها مستوى الحصول على التكنولوجيا. وللأسف لا يزال الحصول على التعليم الابتدائي في دول التنمية البشرية المنخفضة لا يتجاوز ال42%، بينما لا يزال الحصول على التعليم العالي في حدود 3%، بينما وصلت إلى 30% في دول التنميبة البشرية المتقدمة.. والوضع في الحصول على الانترنت في دول التنمية المنخفضة أسوأ بكثير. لكن المصيبة الكبرى أن يظل نحو 16%من البشر في حالة فقر ماحق. وأكثر من 260 مليون طفل في سن المدرسة وهم خارج المدراس. هذا غير التفاوت في الإمكانات المعززة، والتي تشكل خدمات الصحة المتقدمة، التكنولوجيا المعززة، والتدريب عليها. بل حتى مثل خدمات المواصلات والإتصال ذات الكفاءة هي من معززات التنمية في التعليم والعمل والوصول إلى منافذ الخدمات الحيوية.
وللأسف أن عدم المساوة يبدأ مبكرا، ويتفاقم عندما يصل إلى الممارسة السياسية، فتستغل الإمكانات في النفوذ إلى القرار والحصول على مزايا سياسية أكثر. وهذا مجال كبير لتعزيز فرص الفئات الأضعف، لكن يلاقى تحديات كبرى بسبب النفوذ. أما عدم المساواة بين الجنسين فتحكمه علاقات معقدة في الثقافات والأعراف والمفاهيم والمعتقدات، ولا يزال الحق في الحصول على التعليم في كثير من المجتمعات يظل تحد ماثل.
والنتيجة أن عدم المساواة بشكل مجمل له علاقات معقدة، تحتاج لابتكار قياسات لها. ومنها عدم المساواة بين الجماعات وبين الافراد، وبين الاسر وبين البلدان. وهذا ما يحتاج الوصول للحقائق فوق التعميمات التي تصنعها المعايير الإحصائية في الشأن التنموي، كحساب المتوسط والنسب المعممة. لكن تظل هناك مساحات لتقليل الفوارق بالتدخل في السياسات العامة، ومع التحديات المعلومة في مقاومة السياسات المعززة للمساوة أو حتى ذهاب بعض المكاسب لمن لا يستحقها، تظل تحديات أخرى تمثل عوائق يصنعها التغير المناخي والتسارع التكنولوجي. هي بالطبع مجالات للابتكار لتعزيز تقليل عدم المساواة.
والتحدى الأن أمام قادة الدول وواضعي السياسات في توظيف وتوجيه الموارد والاستثمار نحو الخدمات الاساسية من تغذية وصحة وتعليم وفرص عمل وموازنة الاجور والخدمات الاجتماعية. وبقدرما هناك من تحديات تتوفر ايضاً خيارات عبر الإبتكار والتجديد لمساعدة المجتمعات المحلية والبلدان الاقل نمواً على تحقيق أهداف التنمية المستدامة. فبدءا تحتاج الحالة لطرق قياس جديدة في حساب الفوارق في المداخيل وامتلاك التقنية، وكيف يعاد توزيع الدخل. تتمثل المعالجة المنهجية لعدم المساوة في التنمية البشرية في الربط بين توسع الإمكانات والمداخيل وتوزيعها، وكيف يكون سوق العمل الوسيط الهام في تقليل الفوارق بين الناس. مثل مكافحة الإحتكار، وسياسات الاستخدام والاجور، والضرائب، وتسعير السلع العامة، كالكهرباء والماء والغاز والمواصلات والتأمين والتمويل. إلى جانب سياسات التعليم والتعذية. فالتحدي ماثل، لكن التجربة البشرية لا تعرف الخنوع. الجدول التالي يبين موقع نحو مائة دولة في روليت التنمية البشرية.
انتهي..

الصادق عبدالله عبدالله،
sadigabdala@gmail.com
+249912303136

/////////////////////

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

البرهان كطاغية يتشوَّق للطغيان!! .. بقلم: عبدالله مكاوي

abdullahaliabdullah1424@gmail.com بسم الله الرحمن الرحيم يبدو ان البرهان ككل طاغية مستبد، يطابق بين بقاءه في …

اترك تعليقاً