ثقافة الاستهلاك بين العالم العربي والغرب: قراءة في الاقتصاد السلوكي

من بطون كتب
sanhooryazeem@hotmail.com

منبر بنيان مقالات من بطون كتب
1- مدخل عام

يشكل الاستهلاك أحد أبرز مكونات النشاط الاقتصادي، لكنه ليس مجرد عملية اقتصادية بحتة، بل هو سلوك اجتماعي – ثقافي – نفسي. الاقتصاد السلوكي، الذي طوره باحثون مثل دانيال كانيمان وريتشارد ثالر، ينطلق من فرضية أن الأفراد لا يتخذون قراراتهم دائمًا بعقلانية تامة كما تفترض المدرسة الكلاسيكية، بل تحكمهم العواطف والعادات والانحيازات المعرفية.
ومن هذا المنظور يصبح فهم ثقافة الاستهلاك مدخلًا لفهم الاختلافات بين المجتمعات العربية والإفريقية والغربية، وكيفية انعكاسها على التنمية الاقتصادية والاستقرار الاجتماعي.

2- العالم العربي: بين النفط وغير النفط

الدول النفطية: مثل دول الخليج العربي، حيث المداخيل المرتفعة جعلت أنماط الاستهلاك تميل إلى الترف والمبالغة في الإنفاق على الكماليات. تقارير البنك الدولي تشير إلى أن الإنفاق الأسري في هذه الدول يصل إلى مستويات توازي 70% من الناتج المحلي الإجمالي، مع نسبة كبيرة تذهب إلى السلع المستوردة، مما يضعف الإنتاج المحلي.

الدول غير النفطية: مثل مصر، المغرب، السودان، والأردن، حيث الدخل المتوسط أو المنخفض يجعل الاستهلاك أكثر حذرًا ويميل نحو الضروريات. هنا يظهر ما يسمى بـ “اقتصاد البقاء”، حيث تتوجه معظم المداخيل نحو الغذاء والسكن والتعليم، مع مستويات ادخار ضعيفة جدًا.

الفارق الجوهري بين المجموعتين أن الاستهلاك في النفطية استعراضي (status consumption)، بينما في غير النفطية هو معيشي – اضطراري.

3- إفريقيا: استهلاك في ظل الفقر البنيوي

في إفريقيا جنوب الصحراء، يستهلك الأفراد أكثر من 60% من دخولهم على الغذاء وحده (FAO، 2021). ورغم ذلك، فإن انتشار الهواتف المحمولة والسلع الإلكترونية الصينية يبين أن “رمزية الاستهلاك” تغزو القارة، حيث يُنظر لاقتناء بعض السلع (هاتف حديث، سيارة مستعملة يابانية) كعلامة على المكانة الاجتماعية.
وهذا يعكس مزيجًا من اقتصاد البقاء مع نزعة صاعدة نحو الاستهلاك الرمزي، مما يضعف فرص الادخار والاستثمار طويل المدى.

4- الغرب: هل السلوكيات متشابهة؟

الغرب ليس كتلة واحدة متجانسة:

أوروبا الغربية وأمريكا الشمالية: تتميز بمجتمعات استهلاكية بامتياز، حيث يشكل الاستهلاك أكثر من ثلثي النشاط الاقتصادي. هنا نجد “ثقافة النزعة الفردية” التي تغذيها الإعلانات والبطاقات الائتمانية والديون الاستهلاكية. كتاب مجتمع الاستهلاك لجان بودريار يصوّر هذه المجتمعات باعتبارها سجينة “ثقافة الصورة” حيث يستهلك الأفراد ليس لحاجتهم بل لإبراز هويتهم.

أوروبا الشرقية: أقل استهلاكية بسبب الإرث الاشتراكي ومستويات الدخل الأدنى. لكن مع انفتاحها على السوق الأوروبية، أخذت السلوكيات الغربية في التغلغل تدريجيًا.

الولايات المتحدة: تعد النموذج الأقصى للمجتمع الاستهلاكي، حيث يصل الدين الأسري الاستهلاكي إلى أكثر من 14 تريليون دولار (Federal Reserve، 2022).

5- مقارنة بين السياقات المختلفة

في العالم العربي النفطي: الاستهلاك مدفوع بالقدرة المالية ووفرة السلع المستوردة.

في العالم العربي غير النفطي: الاستهلاك محكوم بندرة الموارد ومحدودية الدخل.

في إفريقيا: الاستهلاك مختلط بين الضرورة والرمزية الاجتماعية، مع فجوة طبقية واسعة.
في الغرب: الاستهلاك صار “نمط حياة”، مرتبطًا بالهوية الفردية والديون، لكنه مدعوم ببنية إنتاجية قوية.

6- الاقتصاد السلوكي وتفسير الفوارق

الانحياز للحاضر: الأفراد يفضلون الاستهلاك الفوري على الادخار للمستقبل، وهو أكثر وضوحًا في المجتمعات ذات الدخل المنخفض.

المقارنة الاجتماعية: في الدول النفطية والعالم الغربي، يستهلك الأفراد ليُظهروا مكانتهم مقارنة بالآخرين.

تأثير الإعلان: يظهر بقوة في الغرب والدول النفطية، لكنه بدأ يتسرب أيضًا إلى إفريقيا عبر الإعلام الرقمي.

كما يقول ريتشارد ثالر في كتابه Nudge: “الأفراد غالبًا يعرفون ما هو أفضل لهم، لكنهم يختارون عكسه لأنهم أسرى للإطار الذي يُقدَّم لهم القرار فيه”.

7- فرص التحول في العالم العربي وإفريقيا

تعزيز ثقافة الادخار والاستثمار عبر سياسات حكومية (مثل صناديق الادخار الإلزامي).

دعم الإنتاج المحلي لتقليل الاعتماد على السلع المستوردة.

التربية المالية في المدارس لتغيير السلوك الاستهلاكي للأجيال الجديدة.

الاستفادة من التكنولوجيا الرقمية (المحافظ الإلكترونية، منصات التمويل الأصغر) لتشجيع إدارة مالية رشيدة.

8- خاتمة

ثقافة الاستهلاك ليست مجرد انعكاس للدخل، بل هي نتاج تفاعل بين الموارد المتاحة، البنية الاقتصادية، والقيم الاجتماعية. في الغرب الاستهلاك أسلوب حياة مدعوم بالقدرة الإنتاجية، بينما في العالم العربي وإفريقيا يتراوح بين الترف والبقاء، مع مخاطر الانزلاق إلى ثقافة استهلاكية غير مستدامة.
والسؤال الجوهري: هل تستطيع مجتمعاتنا العربية والإفريقية أن تُعيد صياغة ثقافة الاستهلاك نحو الادخار والإنتاج بدلًا من الإسراف والتقليد؟ الجواب مرهون بالسياسات العامة وبقدرة النخب الثقافية والاقتصادية على إحداث وعي جديد.

مراجع أساسية

  1. Daniel Kahneman, Thinking, Fast and Slow, 2011
  2. Richard Thaler & Cass Sunstein, Nudge: Improving Decisions About Health, Wealth, and Happiness, 2008
  3. Jean Baudrillard, The Consumer Society: Myths and Structures, 1998
  4. Colin Campbell, The Romantic Ethic and the Spirit of Modern Consumerism, 1987
  5. FAO, Food Security Indicators in Sub-Saharan Africa, 2021
  6. World Bank, Household Consumption in MENA, 2020

عبد العظيم الريح مدثر

عن عبد العظيم الريح مدثر

عبد العظيم الريح مدثر

شاهد أيضاً

التمويل الأصغر رافعة التنمية في الريف: قراءة في التجربة والآفاق بعد الحرب

من بطون كتبsanhooryazeem@hotmail.comمنبر بنيان مقالات من بطون كتب ونبض الميدان ليس من قبيل المبالغة القول …