«ثقافة الخرطوم»: إعادة إنتاج الرداءة؟ .. بقلم: عصام أبو القاسم

ما وقع أخيراً على« فيسبوك» من سجال فظ وتنابذ حاد بين اثنين من المسرحيين(الممثلة تهاني الباشا والمخرج ربيع يوسف) هو مظهر بسيط لما يمكن أن يقع من أشكال التباغض والكراهية والترصد بين زملاء المهنة الواحدة (الوطن؟) حين تعمد الدولة إلى التمييز بينهم على أسس غير عادلة ولا مهنية، وتعتمد على أمور كالقرابة الوجدانية أو التقدير الذاتي أم التحيز الأيديولوجي في تمكين ودعم هذا وغفل أو تجاهل ذاك.
خصصت وزارة الثقافة في ولاية الخرطوم أخيراً(يوليو وأغسطس الجاري) دعماً لإنتاج بعض العروض المسرحية ولكنها فعلت ذلك بالنهج ذاته الذي كانت تسلكه على عهد نظام الإنقاذ، كيف؟

أولاً
عوضاً عن أن تجعل الوزارة شأن الحصول على ذلك الدعم مفتوحاً للجميع خصّت به ثلاثة فرق فقط لا غير- على الأقل لحد الان- وفعلت الوزارة ذلك من دون أن توضح المعيار أو المنطق الإداري الذي استندت عليه لتحرم بقية الفرق من هذا الدعم؛ لا سيما في هذا الوقت حيث تعاني جميع هذه المجموعات الفنية من تحديات عديدة، بسبب الآثار الاقتصادية لتدابير جائحة كورونا.

ثانياً
لتوضيح ما نعنيه بالمعيار نشير إلى أن الفرق الثلاثة التي ارتأت الوزارة دعمها هي فرقة «مشاوير» وإلى جانبها «الورشة الجوالة» و«منطقة صناعة العرض»، وهي فرق مهمة ولكنها ليست الأهم بالطبع، وهي محدودة في إمكانياتها المادية بالتالي تحتاج إلى دعم فعلاً ولكنها ليست الأفقر، وهي فرق معروفة ولكنها ليست الأعرق..إلخ. سيبدو الأمر بهذا التعقيد عندما تكون الجهة الداعمة أو المانحة منصفة وتراعي مبادئ الخدمة العامة وتقف على مسافة واحدة من جميع الفرق؛ ولكي لا تقع في الخطأ وتتجنب الخطيئة ستعمد إلى وضع(قاعدة معيارية) لتحدد على أساسها الفرق الأحقّ بالدعم، وذلك ما لم تقم به وزارة الثقافة في ولاية الخرطوم.
ولربما لو نظرت هذه الوزارة، نظرة عابرة، إلى كراسة منصرفاتها المالية في السنوات الماضية – أي في عهد الإنقاذ- لوجدت أن ما أنفقته على فرقة «الورشة الجوالة» يكفي كمعيار لأعطاء الأولوية هذه المرة لفرقة مسرحية أخرى غيرها – هذا لو كانت الوزارة توزع فرص دعمها بطريقة عادلة طبعا!
ولو أن الوزارة تعمل بمنظور منصف ومهني لكانت وازنت في صرفها هذا الدعم – زاد أم قل- على فرق المسرح «المحترفة» و«الهاوية» بدلا من قصره على ربيع ووليد، ولكانت فكرت في فرق مسرح العرائس وفرق النكات – فهي الأخرى فرق مسرحية- وفرق الأطفال..إلخ. كلها تستحق هذا الدعم وهي جديرة به.

ثالثا
عطفاً على النقطة (ثانياً).. تعاقدت الوزارة مع هذه الفرق بشكل سري، أي من دون أن تشهر رغبتها في التعاون مع فرق مسرحية لإنجاز مشروعات محددة (مثل مكافحة الأمية أو نبذ العنصرية) عبر وسائط الإعلام حتى تأتيها الفرق بمشاريعها ثم تفرز هي– الوزارة- بين التصورات المقدمة، عبر لجنة مختصة، لتنتقي أصلحها من حيث الجودة الفنية وكذلك من حيث الكلفة المادية.
وهذه الطريقة الخفية التي عمدت إليها الوزارة في إدارة شأن عام كهذا هي من أكبر مداخل الفساد والافساد، ومن أقل مخاطرها أنها مثيرة للشبهات؛ ولقد سجلت تهاني الباشا بالفعل بعض “الارتيابات” في البوست الذي دونته على فيسبوك: قالت إن الوزير صادق على دعم فرقة «الورشة الجوالة» لأنه صديق مديرها ربيع يوسف، وقالت إن ربيع يوسف حاز على الدعم لأنه عضو في المجلس التنفيذي لاتحاد المهن الدرامية، إلخ. وهي محقة في «تخميناتها» ليس بالضرورة لأن ذلك ما حصل فعلا لكن لأن« المرء عدو ما لا يعرف»، والوزارة بإدارتها للأمر في «العتمة» قصدت ألا يصل خبره إلى تهاني ومن تمثلهم في هذا السياق.

رابعا
لم يأت إنجاز الوزارة هذه العروض في إطار برنامج معد مسبقاً إذ لم يرد في منشوراتها المتاحة على موقعها الإلكتروني طيلة الشهور الماضية أنها تخطط لإنتاج مجموعة من العروض المسرحية انطلاقا من شهري يوليو وأغسطس، كما لم تخبر الوزارة عن ذلك في الصحف أو في تلفزيون الولاية أو أي منبر آخر.. وهذا يعني أنها أنجزت البرنامج ارتجالاً وليس في إطار استراتجية متفق عليها من جميع الأطراف ذات الصلة.

خامساً
اعترض ربيع– هو في الواقع لبس قناع الوزارة- على ما أثارته تهاني من ملاحظات وقال إنها لم تحصل على الدعم لأنها- ببساطة- لم تتقدم بعرض حتى تموله لها الوزارة؟
والمرء يعجب لقول ربيع هذا لأنه أولاً يتناقض مع مواقفه الاحتجاجية تجاه هذه الوزارة تحديداً حين كانت تستخدم المسوغ ذاته في تبرير دعمها الفنان علي مهدي لإقامة « أيام البقعة المسرحية»؟ ثانياً ما قاله ربيع في الرد على تهاني يصور الوزارة كجهة يجب على المسرحيين أن يذهبوا لـتسولها أو في أحسن الأحوال كجهة يجب على المسرحيين أن يذهبوا إليها لتقوم هي بالصرف على مشاريعهم، وفق مزاجها أو تقدير وزيرها أو عواطف وكيلها -هذا طبعا لو قبل الحرس الواقف في مدخل الوزارة بدخولهم أصلاً- وهذا النوع من التفكير يعكس الاختلالات العميقة التي أحدثتها سنوات الإنقاذ المقفرة في تصورات أهل المسرح ليس تجاه علاقتهم بمثل هذه الجهات وحسب ولكن حتى تجاه أنفسهم وتجاه قيمة ما يؤودنه من عمل في المجتمع.

سادساً
ومن حيث الأولويات.. يحق لنا أن نسأل أيهم أهم بالنسبة لوزارة كهذه: إنتاج ثلاثة أو أربع عروض مسرحية كيفما اتفق وضمن ظروف تبدو غير نزيهة أم ترميم مسارح الولاية/ ترقية أجهزة الإضاءة والصوت فيها/ تنظيف وتحسين بيئة مرافقها؟
كيف لوزارة عاجزة حتى عن أمر بسيط مثل الانفاق على موقعها الإلكتروني(يعج بالأخطاء التحريرية واللغوية) أن تصرف مئات الالاف من الجنيهات على عروض مسرحية تم انتاجها وتقديمها للجمهور بلا معايير؟ هل يمكن لشيء كهذا أن يحصل لو كان العمل ينجز على أساس « تغليب الشأن العام على الشأن الخاص»؟

سابعاً
بدا غريباً ألا يتفاعل اتحاد المهن الدرامية(الثوري!) مع “المظلمة” التي عرضتها الفنانة تهاني الباشا– وهي هنا ليس باعتبارها فنانة شهيرة ولكن بوصفها رمزاً لأعضاء جميع الفرق التي حرمتها الوزارة من حقها في الدعم- ويحق لنا أن نسأل ما هو إذن دور هذا الاتحاد؟ ليس فقط لأن تهاني الباشا فنانة مشهورة وهي من ضمن عضويته ولكن أيضا لأنها ذكرت في كلامها أن ربيع استغل موقعه كعضو في المكتب التنفيذي للاتحاد؛ فهل فعلاً استثمر مكانته الاعتبارية؟ يحق لأعضاء الاتحاد أن يعرفوا وهذا من أقل واجبات لجنته التنفيذية؟
ولكن هل علينا فعلاً أن نستغرب من تصرف الاتحاد بهذا الشكل؟ ألم يكن هذا الاتحاد مشاركاً في الوجه الاخر لـ “المهزلة” عندما استفاد من دعم قدمته الوزارة بطريقة مختلة؛ فلم يستشر عضويته في ما يجب عمله بذلك الدعم الذي خصصته الوزارة – كما لم يكشف أن كانت الوزارة اشترطت عملاً محدداً بذلك- وبدلا عن توجيه ما حصل عليه من مال لإعانة بعض الفنانين الذين أضرت بهم الكورونا ضرراً بالغاً وأذلتهم وجعلتهم يتسولون، أقام ورشة تدريبية– لطالما أقيمت في العقود الماضية- عن الإنتاج الدرامي في التلفزيون مستدلاً بالتجربة المصرية؟!

أخيراً:
هذا لا يبشر بخير

essamgaseem3@gmail.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

البرهان كطاغية يتشوَّق للطغيان!! .. بقلم: عبدالله مكاوي

abdullahaliabdullah1424@gmail.com بسم الله الرحمن الرحيم يبدو ان البرهان ككل طاغية مستبد، يطابق بين بقاءه في …

اترك تعليقاً